Your Content Here
اليوم السبت 24 أغسطس 2019 - 11:34 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 7 فبراير 2013 - 9:47 مساءً

محمد أحداد أبن الحسيمة وصحفي بجريدة المساء ينتحل صفة مهرب ليتسلل إلى قلب أخطر شبكة للمخدرات بالشمال ( الجزء الثاني

فري ريف: بالاتفاق مع محمد أحداد / المساء

فقدان «ميطون»

بلغنا بني بوعياش. تلقف «الزملاء الجدد» البضاعة، حملوها إلى منزل قال لي ميطون إنه يتواجد خارج بني بوعياش بحوالي 5 كيلومترات. استسلم أفراد المجموعة للنوم، ضاربين موعدا في الساعة التاسعة ليلا لتنطلق الرحلة من جديد، ورشيد هو الوحيد الذي لديه القرار لتحديدها أو حتى إلغائها، إن اقتضى الأمر. بينما غط أصدقائي في نوم عميق، غيرَ آبهين تماما بما ينتظرهم بعد ساعات، رفض النوم أن يزورني، كنت أفكر في زاوية معالجة الموضوع وطريقة عرضه، ولم أكن أعلم أن ما هو قادم أخطر مما عشته.. لم أخبر عائلتي أنني زرت الريف، فأن تزور بني بوعياش ولا تصل الرحم مع العائلة في الحسيمة ذنب لا يُغتفر..
تفيد المعطيات التي حصلت عليها «المساء» أن رئيس الشبكة هو الذي يهيئ الطريق إلى كتامة عبر دفع مَبالغ مالية لبعض رجال الدرك لفسح الطريق أمام تجار المخدرات، وتتراوح هذه المبالغ بين 20 ألف درهم و40 ألف درهم، حسب نوع العملية وتوقيتها. وتؤكد المعطيات ذاتها أن رئيس الشبكة، شخص آخر غير رشيد، يتكفل بمهمة أساسية هي ربط علاقات واسعة مع رجال الدرك والاستعلامات لـ«شراء الطريق».. لكنْ ليس في كل مرة تسلم الجرّة، حيث شدّدت قوات الدرك الملكي مؤخرا الخناقَ على شبكة تجارة المخدرات، خاصة أنه يتم تنقيل كل دركي يُشتبَه فيه أنه يتهاون في عمله إلى منطقة أخرى أو يعفى من مهامّه تمـامـاً.
أقرأ الآن على هاتفي خبرا يفيد أنّ ثلاثة أشخاص قتلوا في تصفية حسابات بين تجار المخدرات في بلدة شقران، التي لا تبعد كثيرا عن بني يوعياش.. كنت أحاول جاهدا أن أوقظ صديقي ميطون لأطلعه على الخبر، موقنا أنه لن يكون خبرا يسرّ الشبكة، بيد أن رشيد، صاحب الشخصية القوية، كان قد استيقظ في الثانية عشرة بعد اتصال هاتفيّ. امتقع وجهه كما لم أره من قبل، دعا زملاءه إلى الاستيقاظ فورا، فتفاصيل الخطة تغيرت وستكون الوجهة المقبلة مدينة طنجة وستنطلق الرحلة في الساعة السادسة عوض التاسعة وسيبقى ميطون في بني بوعياش بمعية باقي عناصر الشبكة حتى تأتيّه «الإشارة» بالتـحرّك. نزل عليّ الخبر كالصاعقة، سأفقد ميطون، الذي كان يُفهمُني كل الأمور التي تحدث أمام عيني دون أن أعرف مقاصدها.. أفهمني صديقي أن كريم سيتكلف بشرح بعض التفاصيل المبهمَة، دون أن يعلم أنّ كل شيء بالنسبة إلـيّ هو مبهَم وغامض في هذا العالم الصغير..
في التاسعة ليلا، ركب رشيد «الكات كاتْ»، ونفث عقاب سيجارته بعصبية مبالغ فيها، ربما توصل باتصال بعثر كل أوراقه وحسابات المجموعة.. أسرّ لكريم أن الطريق لن تسكون سالمة بالطريقة التي يرتضيها.. تلقف كريم كلام رشيد بسرعة البرق وطفق يلفّ 30 كيلوغراما من الحشيش من جديد ويضعها في مخبأ للسيارة، خشية سقوطهم في قبضة رجال الدرك.
يقول كريم إن عالم تجارة المخدرات مليء بالألغام، لكنْ حين يصل الأمر إلى الموت، فإن المخاطرة تصير العنوانَ الأبرز للرحلة.. للمرة الثانية يعتريني شعور بالخوف. كنت أخشى أن نسقط في قبضة رجال الدرك الملكي ويضيع كل شيء.. ما كنت أحبه في رشيد هو أنه يقرأ كل ما يدور في خلدي «أوتكوذشي أرشيد، تا دلفرصة إينكْ أترمذذ أستنذ شْحا إسوا مانايا» (لا تخفْ يا رشيد، فهذه فرصتك لتتعلم وتعرف الثمن الحقيقيّ الذي من الممكن أن تدفعه جراء مزاولتك هذا العمل).. زرعت فيّ كلمات رشيد بعض بذور الاطمئنان، شيء ما كان في لكنته يمنحي الأمان..
تحرّكت السيارة من بني بوعياش في اتجاه مدينة طنجة، والنوم يكاد ينال مني، استسمحت رشيد أن أكمل قراءة كتاب جلبته معي من الرباط قبل أن التحق بالمجموعة. وافق رشيد، وأخبرني أنه كان عاشقا لنجيب محفوظ ويوسف إدريس.. لكنْ حين حصل على البكالوريا ترك كل شيء وراءه وبدت له «ثرثرة فوق كتامة» ألذ بكثير من «ثرثرة فوق النيل» لمحفوظ نفسه.. في الكتاب الذي أقرأه يشرح كافكا بمرح كبير ثنائية الضحك والبكاء. وكم كان شرح الروائي الشيكي الأشهر على الإطلاق ملائما للحالة التي أعيشها الآن.. لم أتوقف عن القراءة إلا عندما بلغنا حاجزا للدرك. توقفت السيارة، التي تحمل ترقيم الرباط، واستفسرونا عن وجهتنا. رد رشيد، برباطة جأش نادرة وباتـّزان لا يعرفه إلا من يحمل 30 كيلوغراما من المخدرات: «إلى بني بوعياش، سيدي»..
قال رشيد إنه حاجز الدرك الوحيد «غير المضمون» وفق ما أخبره به رئيسه، أما شبكة الجواسيس فهي موجودة على طول الطريق الرابطة بين الحسيمة وطنجة.. توقفنا في الطريق الساحلية وشرع رشيد يقصّ شريط حياته وكيف أنه تخلى عن دراسته من أجل التجارة في المخدرات وكيف تمكن في ظرف ثلاث سنوات من التعرف على عشرات الأمنيين والدركيين والقضاة وكتاب المحاضر.. وكيف يُسيّر «جيشا» من المخبرين، يتوزعون في أكثر من 6 مدن مغربية، أغلبها في الشمال..
أخبرني رشيد أنه أفلت غيرَ ما مرة من الاعتقال، بل إن رئيسه هو من أنقذه مرات عديدة.. حاولت طرح السؤال بالطريقة التي لن تثير أيّ شك، لقد تولدت لديّ قناعة راسخة بأن الفتى الذي أتحدث إليه ذكيّ وقوي جدا: «مَاني إيتيري أرّايسْ نـّغ أرشيد؟» (أين يكون رئيسنا يا رشيد؟).. توقعت أن يتردد في إجابته، لكنه قال إنه يسكن في طنجة ويمتلك عقارات في كل أنحاء المغرب ولم يسبق أن تم اعتقاله سوى مرة واحدة، بعد أن ورد اسمه في تحقيقات للشرطة في مدينة تطوان. رغم أن رشيد يفتخر برئيسه، لكنه لا يتحمّل تكبره وعجرفته، وهذا سأعرفه لاحقا..
في محطة أنشأها سكان المنطقة المجاورة للطريق الساحلية التي تقود إلى طنجة كان كريم، الصامت على الدوام، يلتهم السردين، وهو ينصت إلى حوارنا البعيد عن شجون الحشيش.. يتمتم بكلام غير مفهوم، متحدثا عن حبيبته التي تركها في الحسيمة.. أسرّ لي رشيد أنه يريد أن يتزوج في العام المقبل من فتاة تدرس في إحدى ثانويات الحسيمة دون أن يتخلى عن مهنته التي يعشقها حد الجنون.. أجمل ما في هذه المهنة، يستطرد رشيد، أنها تتطلب روح المخاطرة وتؤدي إلى الكسب السريع. قال لي إن الرحلة إلى طنجة ستقودنا إلى أماكن فاخرة وإننا سنلتقي شخصيات بارزة هناك، أما البضاعة فسنضعها في مكان غير بعيد عن عاصمة البوغاز. حرّكت رأسي راضيا على اقتراحه، في حين أن شوكة الصحافي ظلت تغرزني بين الفينة الأخرى، تحلـّيتُ ببعض الشجاعة لأسأل رشيد عن ثمن 30 كيلوغراما من الحشيش.. أجابني أن ثمنها سيتضاعف ثلاث مرات في ظرف يوم واحد نظرا إلى الجودة العالية للمخدرات التي استقدمها من كتامة. ودون أن أسأله عما حدث في شقران، أطرق يتحدث عن تقصير بعض رجال الدرك في ما جرى وعلاقتهم بمنفـّذ العملية والضحايا، متيقنا أن لرجال الدرك دورا في الحادثة. وبعد نهاية التحقيق، كتبت على صدر الصفحة الأولى أن منفذ العملية قاد 3 دركيين إلى الاعتقال، وتذكرت لم كان صديقي يتحدث بكل هذه الوثوقية.يتبع

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.