Your Content Here
اليوم السبت 4 أبريل 2020 - 5:05 مساءً
أخر تحديث : الأحد 22 مارس 2020 - 3:19 مساءً

حسن المرابطي: رسالة تحذير لكل مستهزئ بالدين والفن في زمن كورونا

 

اِعلم أن الرحمة الإلهية وسعت العالم أجمع، بل رحمته سبحانه وتعالى سابقة غضبه، وما أجهل الإنسان الناسي بحقيقة أن غضب الله لا يخلو من الرحمة وإن خفي الأمر علينا لأول وهلة أو لم نتبينه لشدة خفائه علينا. وعليه، فإن الله عز وجل شاءت حكمته ابتلاء الإنسان بالخير والشر، قال تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ”، وهذا ما يجعل المؤمن لا يتردد قيد أنملة خلال النظر في خلق السموات والأرض، سواء في حالة الضيق أو السعة، تحري مواطن الرحمة في كل شيء. وبهذا، لا نظن إلا خيرا  في فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، بل موطن رحمة إلهية، ولو تسبب في أزمات عدة على مستويات لا يمكن حصرها في كلمتنا هذه.

 

إن الإنسان أول شيء ابتلي به هو النسيان، قال تعالى: “وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا”، ولا يزال إنسان هذا الزمان ينسى، حتى ظن بعضهم أن أصل كلمة إنسان اشتقت من النسيان، بل جعلت الفيلسوف طه عبد الرحمن يقول: “لو خيرت في وضع تعريف الإنسان، فما كنت لأعرِّفه بغير كونه الموجود الذي ينسى أنه ينسى”. لذا، ليس من الغريب أن يظهر منا من ينسى ربه في أصعب الأوقات والأزمات، كيف لا ينسى، والله عز وجل يقول: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ”، بل الأدهى من كل هذا، نرى من يتجرأ على وصف من يذكر الله بأقبح النعوت، ويتمنى له النسيان، بل أصدق ما قيل بشأنهم ما قرره الفيلسوف طه، حيث قال: “إنه يمكر ليل نهار من أجل أن يرى غيره ينسى مثلما نسي، متوسلا بكل أدوات النسيان، ترغيبا وترهيبا، حتى إنه  أضحى يُعلن، بغير حق ولا حياء، أنه لا يطيق أن يُذكر اسم الله ولا إجلاله ولا تكبيره ولو في غير مجلسه”.

 

لذا، فإن ذكر الله تتعدد صوره، بل يصعب علينا إحصاؤها، ذلك أن كل فعل؛ مهما كان، بل كل ما يصدر من الإنسان من كلام أو مشاعر وغيرها يعتبر فعلا من الأفعال، إن لم تكن في بعض الحالات أكثر تأثيرا من الأفعال المعتادة عند الناس؛ ما يعني تصنيفه من ذكر الله إن اقترن بتذكر يوم الميثاق الذي شهدنا خلاله بربوبيته وتحمل الأمانة. اذن، وما دعاء الله والالتجاء إليه، إن سرا أو علنا، إلا ذكر من ذكر الله، بل هو عين الإقرار بربوبيته،  ومن لا يدرك هذا، فلا نملك له إلا الدعاء بالهداية والفتح، أما من يسمح لنفسه بالاستهزاء، فلا نجد له من القول إلا الشفقة منا وتحذيره من غضب الله إن لم يسابق الزمن إلى التوبة والاستغفار. وهذا ما يسري على كل فرد حاول التنقيص أو الاستهزاء بالشعائر أو بحديث نبينا صلى الله عليه وسلم، بل مهما كانت درجة الاستخفاف أو السخرية التي أتى بها، يقول سبحانه وتعالى: “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ”.

 

وعليه، أقول لكل من يطل علينا كل مرة مستهزئا بلا حياء، مع غمزه المسلمين خاصة علمائهم بالجهل وغيرها من الأوصاف، زاعما أن سفينة النجاة وتحقيق الإبداع متوقفة على اتباع أسياده: نظرنا إلى حال غيرنا، فوجدنا عالمهم بئيس لا يظهر منه إلا نتفة من التقدم التكنولوجي الذي خرب العالم والإنسان، لكن ما إن قلبنا الوجهة للنظر في أتباعهم من أبناء جلدتنا، ظنا منا أنهم أفضل حالا، حتى وجدنا أنفسا ندعوا لهم بالهداية والثبات وأن لا يُعذبنا بما فعل السفهاء منا، كيف لا، وهم جمعوا بين بؤس أسيادهم وبؤس ما اقترفت أيديهم، فلا هم ارتقوا كما أوهمونا، ولا هم أبدعوا كما أبدع من اتخذوه إلها من دون الله، بل حالهم ذكرتنا بمن قال لهم يوما: لا أنتم توضأتم ولا ركبتم الصاروخ لزيارة القمر.

 

في المقابل، لا يجب أن تأخذنا العزة بالنفس والإحساس بالغرور، حتى إن بلغ فينا مستويات عالية، ادعينا امتلاك رضى الله ومفتاح الجنة، فيُمسي الواحد منا يوزع الأحكام ويحاسب الناس، لاسيما في أوقات الأزمات، كأننا أطلعنا على ما في قلوب الناس وما أقدموا عليه من أفعال ومبادرات، بل أكثر شيء يُخاف الوقوع  فيه هو الإعجاب بالنفس وبعض الأعمال التي قدمت، ولعل أجمل ما قيل في هذا الصدد ما ورد في الحكم العطائية لأحمد بن عطاء الله السكندري: “رُبَّ معصية أورثت ذلاً وإنكساراً خيرٌ من طاعة أورثت عزاً وإستكباراً “.

 

وعليه، وجب التوقف على محاسبة الناس في هذه الفترة الحساسة، لأن إطلاق مبادرة التبرع للصندوق الخاص بتدبير ومواجهة وباء كورونا أو أي دعم آخر، تزامن معه الاستهزاء بفئات كثيرة من الناس، مع مطالبتهم بالتدخل والدعم تحت ضغط التشهير بأسمائهم أو بمهنهم والاستهزاء بهم، واصفينهم بالتافهين وغير المرغوب في توجهاتهم. لكن الأصل في الأمر مخاطبة الناس بمختلف فئاتهم بالتركيز على الجانب الإيجابي لا السلبي، خصوصا أن الأزمة المعيشة تزلزل قلب الغافل أكثر من غيره، هذا إن كان الطلب موجها من إنسان لم يسبق أن شارك في صناعة التفاهة يوما، أما أن من يظهر في غالب الأحيان كان بالأمس القريب مشجعا وداعما ومشاركا لنفس الأشخاص في تفاهتهم، سواء تعلق الأمر ببعض الشخصيات السياسية أو الرياضية أو الفنية وغيرها، ولعل من يشتغل بالفن نال النصيب الأكثر، وهذا لا يمنعنا من تقديم النصيحة لهؤلاء وأمرهم باستبدال فنهم اللاأخلاقي بالأخلاقي، لكن ما يقتضيه الوقت هو محاسبة النفس والتوبة إلى الله على كل فعل قدمه الإنسان، لاسيما عندما كان يشجع ويشارك ويدعم قطاعات ثانوية أو قل تافهة على حساب قطاعي التعليم والصحة. 

وفي الختام، ندعو الله عز وجل أن يرفع عنا الوباء ويردنا إلى الطريق المستقيم، وأن ينقي قلوبنا من كل ضغينة وحقد، وأن لا يجعل منا ولا معنا من يستهزأ بآياته ودينه.

حسن المرابطي

 

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.