Your Content Here
اليوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 2:54 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 21 مارس 2019 - 8:56 مساءً

الذكرى الأربعينية لوفاة محمد اليوسفي – في رثاء عمي حدو –

 

مكي بوسراو/ أكادير

إنّ الحياة قصيدةأبياتها .. أعمارنا و الموت فيها قافية

إيليا أبو ماضي

” الموت لا يوجع الموتى… الموت يوجع الأحياء”

محمود درويش

كان آخر اتصال لي بالصديق حدو حدو يوم الجمعة 15 فبراير2019 حوالي منتصف النهار للسؤال عن أحواله، لكن محاولتي تلك باءت بالفشل. لم يرد الرجل على مكالمتي، فتركت له رسالة خطية قصيرة تقول” سلامي صديقي العزيز أتمنى أن تكون بخير”.  خمنت إذاك أنه في وضع صحي حرج وأنه ربما يودع هذا العالم. لم أحاول الاتصال مساء ذلك اليوم لأن حدسي كان قويا، خصوصا وأنه لم يرد على رسالتي التي تركتها له على الميسنجر. صباح السبت علمت برحيله عن هذا العالم عبر رسالة الصديق عبد الوهاب التدموري على الفيسبوك. تبعثرت أفكاري وحاولت التعامل مع الوقع الجلل بتعقل ورزانة. ووجدت نفسي أتيه في خضم الذكريات التي جمعتني مع الرجل وأغوص في قعر البئر العميقة.  وهكذا كان سيل الذكريات…

تعرفت على “عمي حدو” أو حدو حدو كما كنا نسميه، في أواخر السبعينات حين كنت أدرس في الثانوي، بينما كان هو في جامعة فاس، طالبا في قمة العنفوان والتمرد.     

رغم فارق السن الذي كان بينني وبينه قبلني عمي حدو كصديق وهو الأمر الذي يسري على أغلب الأصدقاء الذين كانوا في تلك المرحلة مثل أحمد الطاهري والمرحوم امحمد أسويق  وكريم فكري وحسن فكري والمرحوم حسن نحمو وآخرون كثر. ياما قضينا من مسامرات ليلية في مقاهي إمزورن، مسامرات لا تنتهي في الكثير من الأحيان إلا مع إطلالة النهار. كان الحكي لا ينقضي وكانت النقاشات كثيرة ومتنوعة ولا تنحصر في موضوع بعينه. وما زلت أتذكر كلام عمي حدو الذي كان حادا ونقديا إلى درجة أنك تحس بأن كلامه مطرقة تهوي على الأفكار المحنطة و تهشم المعتقدات المكلسة والساذجة. حركات يديه وتدخلاته الانفعالية ومقاطعته للتحليلات المبسطة والسفيهة للبعض وإصراره على إبداء وجهة نظره وترسيخها وعباراته المعتادة” لا، أوجيشي أمن” و” ماشا سنثاي” و” أنيغاك لا”. كل ذلك كان ينم عن جرعة زائدة من الحيوية والندية والرغبة في التغيير، وهذا ما كنا نحن أصدقاؤه، نقدره فيه.  من “مقهى شوكوكو” إلى شاطئ سواني كان الرجل يصر على مواقفه رافعا صوته الجهوري ومحركا يديه في كل اتجاه بكل ما أوتي من انفعال وعصبية. كنا لا نعير اهتماما للوقت وكانت مواضيع نقاشاتنا متشعبة: من السياسة إلى التاريخ إلى الفلسفة إلى المعيش اليومي. وكنا في ليالي الصيف نسهر حتى بروز الخيوط الأولى للنهار، حين يأخذ منا الجوع مأخذه. نؤجل النقاش ونتوقف عن الكلام ونقصد المقهى لتناول الشورو وبالضبط “أ رويضا ذامزغاروت” التي كنا نسميها ” أرويضا أومشيش”.نأكل شورو ونستحلي الشاي أو القهوة ونحن منتشون بأفكارنا وخلاصاتنا التي كانت تعبيرا عن روحنا المشاكسة و عنفواننا الثوري آنذاك. كان “السبسي” يؤثث كل الجلسات، حيث كان حضوره عاديا ومألوفا في  جميع الفضاءات، أغلب الناس كانوا يعشقون السبسي ويحرصون على توفير “الكيف ” ولو على حساب الحاجيات اليومية. كانت أيام وليالي الصيف طويلة ولا تنقضي في قرية منسية بين البحروالجبال. وكان الزمن بطيئا والأيام تتشابه بوتيرة روتينية بئيسة لكننا سعينا إلى التمرد على الأشياء وتكسيرالنمطية الجاثمة على صدورنا، نحن شباب القرية، من خلال المبادرات التي كان يحرص الأصدقاء على خلقها بهدف تكسير المشهد الروتيني و خلخلة الهدوء الجاثم على الأشياء والناس. وتتمثل تلك المبادرات في الأفكار الجريئة التي كنا نتتداولها في مجالسنا تلك. هناك فتحت عيني على شئ اسمه الوعي السياسي. والفضل فيه يعود إلى المرحوم عمي حدو وأصدقاؤه الرائعون. لن أنسى تدخلاته المشحونة بالنقد اللاذع والسخط العارم في شأن الأوضاع التي كان يعيشها مجتمعنا.                                                              ياما قضينا من أمسيات وليال نناقش ونتبادل الآراء ونقترح البدائل التي كانت تبدو لنا إذاك ثورية ورائعة. ياما لفعتنا أشعة الشمس الحارقة على رمال شاطئ” سواني” ونحن نحلم بمجتمع جديد وآفاق شاسعة شساعة زرقة المتوسط الذي كان يغذي طموحاتنا بهدير أمواجه . ستتاح لي فرصة اللقاء ب”عزي حدو ” بعد ذلك في فاس حيث انتقلت للدراسة في جامعتها، وفي الرباط حيث كان يتابع هو دراسته في إحدى المدارس العليا، وما زلت أتذكر المنزل الذي كان يقطنه بشارع لبنان بحي المحيط مع ثلة من أصحابه الرائعين. بعد ذلك بسنوات سألتقي بعمي حدو في مكناس حيث عين لأول مرة بعد تخرجه، كنت أذهب إليه إلى مقر عمله كل مساء ونخرج معا للتجوال في شوارع المدينة وتبادل أطراف الحديث إلى أن نفترق ليذهب كل منا إلى حال سبيله. لا أدري كم استمرت هذه الصحبة لكن ما اذكره هو النقاشات التي جمعتنا حول أوضاع البلد وأحلامنا المعتقلة. واعترافا بالجميل كان عزي حدو يمدني بين الفينة والأخرى ببعض الدراهم التي كنت في أمس الحاجة إليها وأنا إذاك مجاز عاطل يتنقل بين فاس ومكناس. وكنت أعرف جيدا أن وضعه المالي كان سيئا للغاية، لكنه كان يصر على الأمر.                         بعد ذلك انقطعت بيننا السبل بعد أن اشتغلت أنا في الجنوب واختار هو الانتقال إلى الشمال. خلال المدة التي فرقتنا فيه الدراسة كنا لا نخلف أبدا موعد الصيف في إمزون، حيث استمرت لقاءاتنا في شاطئ سواني ومسامراتنا الليلية في مقاهي القرية والتي كانت بمثابة طقس مقدس يحترمه كل الأصدقاء. وما زلت أتذكر سهراتنا المطولة مع الكثير من أهل البلدة مثل المرحوم ” عبد الرحمن بولعيون” والمرحوم” لعزيز بوديبان” والمرحوم “حسن نحمو” و”أولاد شوكوكو” و”رشيد أمازكيو” و”مجيد لهدا” والمرحوم” الشركة” وآخرون كثيرون، كانوا من أطيب الناس وكانت الحكمة والسخرية اللاذعة هي التي تجمعنا. وكنا نحن الشباب لا نضع فاصلا بين المتعلمين وغير المتعلمين ولا نفرق بينهما، بل إننا كسرنا الحاجز التقليدي وبعثرنا الأوراق المرتبة. والفضل في ذلك يعود جزئيا إلى “عزي حدو” الذي كان حريصا على جمع شلة الأصدقاء والاستمتاع باللحظة والتمرد على الوضع القائم وتقليص الفجوة بين مرتادي المدرسة والذين لم يرتادوها أبدا أو غادروها مبكرا لسبب من الأسباب وما أكثرها.

        *                      * *

“اعمي حدو ما تسريذايد ما لا ؟” ويستمر إصرار سؤالي إلى أن يتيه في غيمة اللانهائي. إذاك فقط، الآن فقط تيقنت علم اليقين انك لم تعد هنا وصرت هناك في تخوم الغياب. فلترتح من صخب هذا العالم ومن فوضاه ومن عناد أهله. أنت الآن في اللازمان تعانق الصمت الأزلي. سلامي إليك وانت في قبرك، سلامي ومحبتي لك أيها العزيز. ولتكن على يقين أن صوتك ما زال يرن في أذني حين أغوص في بئر الذكريات التي لا تخون الذين يقدرون أصدقاءهم ويلمعون صور الماضي نافضين عنها غبار النسيان، وأنا واحد من أولئك الذين يعتقدون أن  العناية ببستان الذكريات واجب مطلق وأمر في منتهى الجمال والروعة. رغم أن الموت أجبرك على الصمت والسكون، فإن حركات يديك ما زالت شاخصة بين عيني، وكلماتك ما زالت وستظل تتردد كالصدى على مسامعي، خصوصا عبارتك الشهيرة “اصنث أ مكي”. قل لي “عزي حدو” من ستخاطب بعد اليوم وإلى من ستوجه نصائحك ومن ستنتقد وتعارض وعلى من سترفع صوتك الجهوري؟ لا شئ إلا المدى الصامت المطلق. أنت الآن وحيد في قبرك، وحيد مع مصيرك المحتوم. لقد أعفاك الموت من الالتفات إلى هموم اليومي، كما اعفاك من النقاش والاقتراح والبدائل …وهلم جرا. وكأن الموت يهمس في أذنيك:” أنت الآن في مقام المطلق، فلا تكترث بالنسبي”                                 ما زلت أتذكر إحدى عباراتك التي وصفت لي صراعك مع المرض اللعين حيث قلت لي بالحرف ” أقاي أمكي ناغ راخاث ذجبذ، نش جبذغ”. كم أحببت هذه الجملة وياما أعجبت بمقاوتك للمرض وإرادتك للحياة لأنك ولأننا ينطبق علينا قول الشاعر محمود درويش” ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”. لكن يبدو أن “ذمشوند ني نراخاث” انتصرت وكانت لها الكلمة الأخيرة و كان ما كان. فلترقد روحك في سلام يا صديقي، يا صديقنا أجمعين.

 

 فبراير 2019

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.