Your Content Here
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:47 مساءً
أخر تحديث : الخميس 7 يونيو 2018 - 1:48 صباحًا

من مذكرات مكي بوسراو : نساء غير عاديات إقتحمن الفضاء العمومي الذكوري في إمزورن -الجزء الثاني-

مكي بوسراو :

رقية ذابوهاليث:

منذ أن فتحت عيني كانت هذه السيدة فارضة وجوودها في القرية، وهي إمرأة قاسية الملامح لكنها مرحة، تتكلم وتتصرف بجفاء لكنها ميالة إلى روح النكتة والغناء والرقص. فهي كانت تجتمع فيها المتناقضات كلها، ولهذا السبب كان الناس يسمونها ” أقية ذابوهاليث”. كانت تسكن قرب المسجد الوحيد الذي كان في القرية آنذاك عند السيدة “فاطمة أومغار” المتزوجة من” سي لمحجوب” أحد الغرباء الذين وجدوا في إمزون مستقرا لهم، وهو رجل أنيق، كان مداوما على مقهى”موح أقوضاض” وهو الجليس المفضل ل”عزي موح”، وكان مشهورا بطبخه الممتاز حيث كان ينادى عليه في الأعراس وبعض الحفلات لتكليفه بطبخ الولائم اللذيذة.                                  

رقية كانت معروفة لدى كل ساكنة إمزون والمداشر المجاورة، فهي منشطة كل الأفراح والمناسبات نظرا  لفصاحتها وجرأتها الفائقة ومهارتها في الغناء والرقص. وحتى في المناسبات الوطنية كانت رقية تسجل حضورها، ففي حفلات عيد العرش  التي كانت مفروضة من طرف السلطات بشكل تعسفي، هي التي كانت تقوم بتنشيطها من خلال” دجوارو” ( الزغردة) أو الغناء والرقص، وفي كثير من الأحيان كانت ترافق “فرقة الشيخ موحند” الغناء والرقص فوق المنصة الرسمية المنصوبة في وسط القرية.      

وتميزت هذه المرأة بكونها سيدة نفسها لأنها أولا كانت غير متزوجة وتكتري بيتا عند عائلة أمغارالمحترمة  وهي المسؤولة عن نفسها لوحدها إلا ما كان من المساعدات التي تقدمها لها تلك العائلة وبعض الأسر في القرية ونواحيها، وكان لا أحد يتحكم فيها أو يعطيها الأوامر. وهي بالأساس لها طابع حاد وتمتلك جرأة كبيرة تجعلها تواجه كل الوضعيات والمشاكل.  تزوجت رقية في السبعينات بعدنبي نسوق القادم الجديد إلى إمزون وسكنا معا في بيتها الأصلي قرب المسجد الكبير” ذامزيذا ذامقرانت” وظلوا هناك سنوات إلى أن بنوا دارا لهما قرب “إمكوحن” إن لم تخني الذاكرة.

لكن عشرتهما الزوجية كانت مليئة بالخصام والشجار، إذ كانا يتبادلان الشتائم والكلام النابي على مرأى الجميع، وكان صوت رقية الجهوري يسمع من كل جهات القرية وهو الذي تكون له الكلمة الأخيرة، فصوتها لا يعلى عليه. أما عدنبي فكان يكتفي بالرد بعبارات لادغة وينسحب في نهاية المطاف صوب مركز القرية، تاركا زوجته في أوج غليانها وفي قمة حالاتها الهستيرية.

لكن تلك الحالة هي التي تحقق لها توازنها النفسي وتعود بها إلى عنفوانها ورونقها. كان أغلب سكان القرية يسمونها “رقية ذابوهاليث”

ميمونة1:

ميمونة هذه امرأة عاشت واستقرت بإمزون واشتغلت كمساعدة ومنظفة في حانة “نيكولا ومارية”، لكنها كانت تشتغل عند بعض ساكنة القرية. وهي من “إقرعيين”، كانت متوسطة القامة، شقراء وجميلة وحتى الملابس التي كانت ترتديها في غاية الأناقة ولباسها أوروبي: تنورة، قميص معطف أوفستان وكانت تختار دوما ألوانا زاهية و متناسقة، أما شعرها فكان مسدلا وممشوطا بعناية. كانت فعلا امراة أنيقة يحترمها الجميع في القرية.

وكان لها ولد اسمه “عبيد” لا أدري هل هو ابن لزوج سابق أم أنه متبنى، كما كان شائعا بيننا نحن أطفال القرية. فهي لم تكن متزوجة  أثناء إقامتها في إمزون. كانت ميمونة تتكلم مع كل ساكنة القرية رجالها ونساؤها. علاقاتها طيبة مع كل الناس، وكانت  تلج كثيرا من البيوت في القرية وتستقبلها النساء بكل تقدير واحترام، وتقضي بصحبتهن أوقاتا طويلة وممتعة تتوزع بين الحديث عن النظافة أو الطبخ أو أخبار الشارع، فهي كانت نافذتهن على ما يحدث في القرية وجوارها.

كما كانت تحادث الرجال في الأزقة حين تكون ذاهبة أو عائدة من عملها بدون أي حرج أو شبهات بل كان الجميع يعرفها ويقدرها. بعد رحيل “مارية” عن القرية إثر وفاة زوجها “نيكولا” ظلت ميمونة وفية لها، وحين كانت تأتي من إسبانيا لزيارة قبر الراحل وكذا معارفها في إمزون، كانت تنزل  ضيفة عند “ميمونة” التي تتكفل بمرافقتها لزيارة من تريد، وظلت صديقة لها إلى أن رحلت مارية جثمان زوجها تجاه بلده الأصلي، وتوقفت عن زيارة القرية نهائيا.

ميمونة2:

 هذه المرأة هي أم الأخوين اللذين كنا نطلق عليهما ” كورينتا” وكانت بدورها تشتغل عند الاسبان الذين مكثوا في القرية بعد الاستقلال. كانت ضعيفة البنية، لون بشرتها يميل إلى السمرة.  كانت أرملة حين استقرت بإمزون وظلت كذلك إلى أن وافتها المنية .

أولادها كانوا كبارا في العمر، تجاوزوا العشرين وكانا يشتغلان كحمالان ” إحمارن” وهي  شبه حرفة كان يمتهنها العديد من الرجال وتضمن لهم مدخولهم اليومي، وتتمثل في حمل السلع من الشاحنات نحو الحوانيت مثل اكياس الدقيق وأكياس الاسمنت وبعض السلع الأخرى.

وقد لاقت هذه الحرفة ازدهارا كبيرا في السبعينات حين كثرت محلات البيع بالجملة في القرية وصارت السلع تصل في الشاحنات بشكل منتظم من المدن المجاورة كفاس وتطوان وحين راجت التجارة بعد تكاثر الساكنة ومعها ارتفاع الطلب نتيجة نمو القدرة الشرائية بسبب تدفق تحويلات العمال المهاجرين.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.