Your Content Here
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:32 مساءً
أخر تحديث : الأحد 15 أبريل 2018 - 12:29 صباحًا

المبادرة التشريعية بين جرأة مجلس النواب وصمت المحكمة الدستورية: أو استلاب مجلس المستشارين

 

جابر لبوع*

تجدر الإشارة بداية، إلى أن المبادرة التشريعية تعد إحدى الإجراءات التي تضع الأسس الأولى لميلاد القاعدة القانونية، وهي التي تحدد مضمونها وموضوعها. فالمبادرة تحيل على ذاك التصرف الذي يقدم للتشريع مادته. ولما كان الأمر يتعلق بالقاعدة التي تنظم شؤون المجتمع، فقد اعتنى المشرع الدستوري بوضع القواعد العامة المتعلقة بتنظيمها وتحديد نطاقها، كما حدد الجهات التي تملك الحق في المبادرة، وكيفية التداول فيها قبل أن تجد سبيلها نحو المصادق والنشر والتطبيق. كما ترك المشرع الدستوري للبرلمان الحرية لكي يحدد باقي الإجراءات الأخرى المسطرية المتعلق بتفعيل التداول والنظر والبت في النصوص التشريعية التي يبادر باقتراحها كل من يمتلك هذا الحق بموجب الأنظمة الداخلية. إلا أن الأنظمة الداخلية للبرلمان، ولما كان الأمر يرتبط بتفعيل قاعدة أسمى فقد ألزم بإحالتها قبل البدء بالعمل بها، إلى القاضي الدستوري لكي يبت في مدى مطابقتها أو عدم مخالفتها للدستور.

وإذا كان النص الدستور قد منح في الفصل 78 منه الحق في التقدم باقتراح القوانين لكل من أعضاء البرلمان بصفتهم الشخصية عن طريق مقترحات القوانين، ولرئيس الحكومة بصفته الشخصية كذلك عن طريق مشاريع القوانين، فإن التمييز الذي وضعه نفس الفصل في فقرته الثانية يتعلق بحق الأولوية في الإيداع بالنسبة لمشاريع الحكومة بين تلك التي يجب أن تودع بالأسبقية في مكتب مجلس النواب، وتلك التي تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين.

ولقد سبق للمجلس الدستوري أن أعطى تفسيره لمدلول الأسبقية بمناسبة عرض مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية أمامه، واعتبر أن عبارة “القوانين” الواردة في الفصل 78 من الدستور تعني القوانين العادية ولا تخص القوانين التنظيمية التي يجب أن تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، ليعد هذا التفسير الذي استنتجه بربط كل من الفصلين 78 و85 و146 من الدستور  بعضهما ببعض، إيذانا بإقصاء المستشارين من حق التداول بالأسبقية في مشاريع القوانين التنظيمية، بالرغم من كون نفس القاضي الدستوري كان قد سبق له أن أقر بدستورية إحدى مواد النظام الداخلي لمجلس المستشارين (المادة 85) والتي تنص على حقه في التداول بالأسبقية في مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية.

والغريب في الأمر أن مجلس النواب وأثناء وضع نظامه الداخلي الجديد الذي وافق عليه في أكتوبر 2017، حاول أن يفعل حكم المجلس الدستوري السابق، وليقوم بإقحام إحدى العبارات في المادة 172 منه والتي تنص على أن مقترحات القوانين التنظيمية التي يتقدم بها أعضاء مجلس المستشارين تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب.

أما المحكمة الدستورية وأثناء بتها في المادة 172 من نظام مجلس النواب أغفلت النظر في فقرتها الأخيرة التي نصت على ما يلي: “تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب مقترحات القوانين التنظيمية المقدمة من طرف أعضاء مجلس المستشارين طبقا لأحكام الفصل 85 من الدستور”، واعتبرتها مبدئيا مطابقة للدستور في قرارها رقم 37.17.

بيد أن معيار الأسبقية في التداول في القوانين التنظيمية قد سبق للفقه أن أدلى بدلوه في شأنه، واعتبر أن الفصل 85 من الدستور أصابه نوع من الدخن ويعتوره النقص وعدم البيان. كما أن هذا الفصل بذاته يحيل إلى أن مسطرة التداول في مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية تخضع للمسطرة الواردة في الفصل 84 من الدستور.

والفصل 84 من الدستور يقر بأن الأسبقية في التداول بالنسبة لمقترحات القوانين تتقرر بالنسبة لكل مجلس على حدة، ذلك أن كل مجلس يتداول بالأسبقية في مقترحات القوانين التي هي بمبادرة أعضائه، ولا يمكن وفق منطوق هذا الفصل أن يودع عضو من مجلس المستشارين مقترحا قانونيا لدى مكتب مجلس النواب، والعكس كذلك، سواء تعلق الأمر بالقوانين التنظيمية أو القوانين العادية.

ويبدو أن ما قرره مجلس النواب ينم عن رغبة دفينة في استدعاء مفهوم الهيمنة، وعن جرأة لا مساغ ولا قرينة دستورية لها، كما أن صمت المحكمة الدستورية بشأن مراعاة معيار الأسبقية لا يستند إلى أي دليل دستوري متين. والواقعة الدستورية تبدي بشكل لا يدع مجالا للشك أن ما قررته المادة 172 مخالف بشكل صريح وظاهر للنص الدستوري في فصله 84.

وفي المقابل فإن اعتبار وكأن ما أقرته الفقرة الأخيرة من المادة 172 مطابق للدستور، يؤدي بشكل تبعي إلى اعتبار مبدأ الأسبقية المقرر في الفقرة الثانية من الفصل 78 يمتد إلى مقترحات القوانين. وبمفهوم الموافقة، فإن أعضاء مجلس المستشارين وعندما يبادرون بمقترحات قوانين غير تلك التي تخص الجماعات الترابية والتنمية الجهوية والقضايا الاجتماعية، فما عليهم إلا أن يقوموا بإيداعها بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، كما أن هذا الأخير عندما يبادر أعضاءه بمقترحات القوانين التي تهم الجماعات والجهات والقضايا الاجتماعية فما عليهم إلا أن يقوموا بإيداعها لدى مكتب مجلس المستشارين؟ وهو ما يعني إن طبقنا هذه القاعدة أن هناك نوع من العبث الذي لا يستند إلى دليل ولا يخضع لأي منطق دستوري.

والواقع أن معيار الأسبقية انطلاقا من الدستور، يقاس بشكل أكثر بالمشاريع التي تتقدم بها الحكومة وليس بمقترحات القوانين التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، وسواء تعلق الأمر بقوانين تنظيمية أو قوانين عادية، طبقا للفصل 84 من الدستور الذي يعد النواة الصلبة للمسطرة التشريعية.

وعلاوة على ذلك، فإن ما يدعو إلى التساؤل يتعلق بمدى إمكانية مجلس النواب أن يضع في نظامه الداخلي مقتضيات تهم النظام الداخلي لمجلس المستشارين؟ فالفقرة الأخيرة من المادة 172 تتضمن مقتضيات من جهة لا تخص مجلس النواب في شيء، ومن جهة ثانية تتضمن حكما ذا قيمة دستورية، وهو الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب من هذا الصمت الرهيب وغير المبرر للمحكمة الدستورية، وكذا هذه الجرأة التي تملكت نواب الأغلبية الحكومية بوضعهم لقاعدة دستورية في نظام داخلي.

وفي الحقيقة فإن المشكل الأساسي يكمن فيما قرره الفصل 85 من الدستور، الذي جاء ناقصا في صياغته، ولذلك فإن هذا العيب الدستوري لا يجب أن يكون سندا لكي يتم التغطية عليه للمرة الثانية من طرف نواب الأمة والمحكمة الدستورية، بخطإ آخر وعيب آخر، وعلى حساب مجلس وغرفة ثانية منحها الدستور بشكل صريح نوعا من الامتياز التشريعي.

لذلك يبدو والحالة هذه، أن مجلس المستشارين يعيش حالة من الاستلاب الدستوري جراء التفسيرات المعوزة للقرائن، وجراء تغول نواب الغرفة الأولى وصمت المحكمة الدستورية، وجراء عيب الاختصاص السلبي الذي سقط فيه المشرع الدستوري أثناء صياغته للفصل 85 من الدستور.

*باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.