Your Content Here
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018 - 11:34 مساءً
أخر تحديث : الخميس 22 فبراير 2018 - 3:49 مساءً

قراءة وتحليل في المسلسل التركي الشهير ” وادي الذئاب”

 

عمر سعلي

أعترف أني لم أشاهد إلاّ خمسة وعشرون دقيقة من مجموع لقطات مختلفة من المسلسل التركي الشهير “وادي الذئاب” ،شاهدتها دارسا فقط ،لما شغله المسلسل ولا يزال يشغله من اهتمام ومتابعة فئة عريضة من الناس ،خاصّة المنحدرين من البيئة المسلمة والعربيّة ،الحالمون بالتغيير والمفتقدون كفاية لمعلومات عن تاريخ الدولة التركيّة وروافد جمهوريتها في الثقافة والإقتصاد والإيديولوجيّة .

نعلم من الواقع أنه لا يوجد عمل فني إلاّ وله هدف ورسالة ،وحتّى إن كان هاويّا وفوضويّا لا قيمة فيه فهو يعكس فوضويّة  مخرجه أو نمطيّته أو تقليده ،وبالتالي يعكس لحالة أسرة أنشأت المخرج ومجتمع تربى وترعرع فيه،أي يجسد حالة اجتماعيّة وثقافيّة وسياسية موجودة .ومعركة الثقافة الأن من أهم المعارك التي تخاض في معترك صراع النفوذ فهي سلاح بنفسها والفن دبابة والجيل الثالث أو الرابع من الحروب لا يدار بالحديد إلاّ فيما ندر ،ويبقى الفن والإعلام وكل منصّات الحرب الناعمة الأخرى على سلم أدواة الحرب الكونيّة على النفوذ ،ليس فقط في اتجاه الإستعمار أو كما يسميه شريعتي بالإستحمار ،وإنما موجه إلى الداخل كذلك ،فلكل نظام فن خاص به يعكس مشروعه وبه يخاطب وعي ولا وعي جمهوره ويبحث في ثنايا شعبه على توسيع دائرة أنصاره ،وممكن أن يستخدم الأدب كذلك في التأريخ والصراع على التاريخ مثل الرواية الإنجليزيّة، وفي الرواية العربيّة لدينا كذلك ،على سبيل المثال ، ما كان ينتجه الأدباء المارونيين في الشرق الأوسط ،من أمثال جرجي زيدان وأمين الريحاني وأخرون ممن يحاولون أن يحاججوا من خلال رواياتهم بأن ما سمي بالحضارة الإسلاميّة هي في الأساس من بقايا الحضارة الساسانيّة والأديرة المسيحيّة وليست من إنتاج وإبداع ما يعتبرونهم بدو صحراء غير متمدنين ويقصدون المسلمون ،كما يبرز هنا بالمثل جهود الكاتب أمين معلوف في الترويج للفرانكفونيّة وهجومه المحشوا بالفن على التراث الإفريقي والعربي والشرق أوسطي .

هذه بعض نماذج استخدام الفن لمآرب أخرى ،والمسلسل التركي “وادي الذئاب” مثال في اليد واضحة رسائله وسياقه وأطلب فقط بعض الوقت والصبر من القارئ العزيز حتّى أستفيض في تأصيل سياق هذه المادة الفنيّة-السياسية المثيرة للجدل :

في نهاية التسعينات من القرن الماضي اجتهدت المراكز البحثيّة الأمريكيّة ونشرت دراسات وتوصيّات تهم البدائل الأقل تكلفة المزمع الإعتماد عليها بعد أفول الأنظمة الشموليّة الهرمة التي خدمت الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة ،ومن هذه المراكز مركز كارنيجي الشهير ،ثم ورقة كوفمان تمارا مديرة مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بركينغر الأمريكي ووصيتها للإدارة الأمريكيّة بخصوص تصدير النموذج التركي ،هذا قبل أن يحدث ما حدث في التشنج الأخير بين الأتراك وأمريكا والذي يبقى تناقض ثانوي يمكن حله بالصفقات المأطرة بالنظام الدولي الحالي .

تذهب هذه الدراسات التي نشرت حول الإسلاميين كتوصيات إلى الإدارة الأمركيّة والتي اعتمدها بعد ذلك كليّا الرئيس براك أوباما ، إلى أن الإسلاميين عندما يشاركون في الحكم يصبحون أكثر واقعيّة واعتدالا وفهما لموازين القوى الحاكمة للعالم ،وبإمكانهم كذلك لخصائص معينة فيهم ذاتيّة وموضوعيّة بأن يحققوا التنميّة ،هذه التنميّة الضروريّة للإستقرار على المدى البعيد خلاف الأنظمة السلطويّة التي تتسارع في التآكل تدريجيّا..بإمكان هذه الأحزاب الإسلاميّة حسب المعهد أن تحافظ على ما راكمته الإدارة الأمريكيّة من مصالح طيلة تحالفها ودعمها للأنظمة الشموليّة الهرمة الأفلة وأن تكون بذلك سيّدة المرحلة الإنتقاليّة ضد القوى التكفيريّة والعلمانيّة الردكاليّة المعاديّة إيديولوجيّا للمصالح الغربيّة .

في تركيا برز هذا الإنتقال كتأثر بالثورة الإيرانيّة، وبالتحديد منذ عام 1980 بانتقال الدولة من الفاشيّة البيضاء الهرمة التي أسست أسسها الثقافيّة والإقتصادية والسياسية جماعة الإتحاد والترقي الماسونيّة ،( هنا الماسونيّة ليس بالفهم العامي المغالى فيه ،بل بحقيقتها العمليّة الواقعيّة )،لتنتقل تركيا بعد هذه السنة تدريجيا إلى الجمهوريّة الثانيّة الحاليّة بشبكة كلاديوها الجديد في الأمن والمخابرات والقوات المسلحة .في هذه المرحلة انبثق حزب العدالة والتنميّة كقائد مقتدر لقيادة الجمهوريّة الثانيّة ،لتخرج إلى العلن أخبار معارك الجناح الفتي في البرجوازيّة التركيّة الذي يتخذ من قونيا وقيصرى مراكز له نحو مزيد من التغول في الإقتصاد ثم الدخول رسميا في المعركة المافيوزيّة الشهيرة على استنبول وما تلاه من نجاجات انتخابيّة للحزب غطى به رجال أعماله وصراعهم الدموي أحيانا على المدينة الإقتصاديّة الكبيرة ،ثم أعوام قليلة فقط حتى تمكنت الشبكة الجديدة من الإستلاء على الرأس المال اليهودي(يهود الدونما ) الذي بات يفتقد شيئا فشيئا لأغطيته الثقافيّة والسياسية والأمنيّة في الداخل التركي وخارجه.

تقديم الكعكعة كاملة لجماعة العدالة والتنميّة وغلاديوها لم يكن بالمجان إطلاقا ، وإنما بدفتر تحملات يبدأ بتطويع القوى الإسلاميّة المعتدلة والعلمانيّة وإرفاقها جميعا بالحداثة الرأسماليّة والنظام العالمي ،ثم الوقوف سياسيا واقتصاديا وجيوستراتيجيّا في وجه الطموحات الإيرانيّة وأدواتها الحزبيّة والحركيّة في الشرق الأوسط ،وأما عن التناقضات “التكتيكيّة” مع القوى الغربيّة فتبقى في حدود الصراع على حجم الحصّة في كل مهمة إلى جانب الطموح الزائد عن الحدود المسموح بها لشخص أردوغان وحده وليس لحزبه ،وبذات هذه الأسباب كذلك يعاد التفكير داخل المراكز الغربيّة في اعتماد الوصايا الإستشراقيّة حول الحركات العرفانيّة الصوفيّة كأحسن الحسنين في ترتيب النفوذ الإستراتيجي الغربي على المدى الطويل  .

رغم كل ما حاولت إيجازه ستبقى هذه العجالة أصغر من أن تعالج كل قضايا المسلسل ورسائله، والمقال على كل حال يبقى هذا هو حجمه ،إضاءة فقط وإشارة إلى البحث والإستقصاء وفهم كل ما يحيط بالأفلام والمسلسلات التركيّة عامة من أهداف ترويجيّة مضخمة إلى حد الكذب في تسويق النموذج التركي على جميع المستويات.

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.