Your Content Here
اليوم الأحد 16 ديسمبر 2018 - 6:33 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 22 ديسمبر 2017 - 2:35 مساءً

لماذا يتجنب التعريبيون وصف جمهورية البوليساريو العربية بـ”العرقية”؟

 

مبارك بلقاسم

في مقالين سابقين عنوان الأول: “لماذا التعريبيون مهووسون بالعرق ويلصقونه بالأمازيغية؟” وعنوان الثاني: “هل الناطق بالدارجة عربي؟ وهل المغاربة الناطقون بالفرنسية فرنسيون؟” كنت قد عالجت أكاذيب وأباطيل التعريبيين الذين يهدفون إلى تعريب المغرب ومحو الأمازيغية باستعمال “الحجة العرقية” و”الحجة اللغوية” والتلاعب بمصطلح “العرق” عبر إلصاقه بالأمازيغية وإعفاء العروبة منه.

وقد بينت في هذين المقالين أنه لا يوجد شيء اسمه “عرق أمازيغي” ولا “عرق عربي” ولا “عرق يهودي” ولا “عرق أندلسي” وأنه يوجد شعب مغربي يشكل جزءا من الشعب الأمازيغي، مثلما أنه يوجد شعب سعودي يشكل جزءا من الشعب العربي، ومثلما أنه يوجد شعب هولندي يشكل جزءا من الشعب الجرماني. وبينت أن “العرق” (بالإنجليزية: race وبالأمازيغية: acettal [أشتّال] أو aẓor) هو مجرد لون للجلد والشعر وشكل للجسم وليس شعبا ولا قومية كما يتوهم العوام والأميون. وبينت كذلك أن الأمازيغ شعب متعدد الألوان منذ القديم وأنه من الحماقة إلصاق العرق به. وبينت أن الأعراق البشرية المتعارف عليها في العالم هي: الأسود والأبيض والأسمر وبقية الألوان الأخرى.

وكذلك أوضحت في المقالين أن مزاعم التعريبيين بأن “كل من تكلم الدارجة أو العربية فهو عربي” هي مزاعم باطلة لأن اللغة لا تحدد الهوية. ففي المغرب والجزائر وتونس والسنغال والكونغو توجد ملايين الناطقين بالفرنسية ولكنهم ليسوا فرنسيين بل لديهم هوياتهم القومية والوطنية الخاصة بهم. والأيرلنديون والنيجيريون والهنود الناطقون بالإنجليزية ليسوا إنجليزا ولا جرمانيين بل لديهم هوياتهم القومية والوطنية الخاصة بهم.

أما من يبني هويته على قناعاته وعقائده الشخصية أو على أسس عشوائية يحددها بنفسه ويغيرها حسب مزاجه فتلك هوية شخصية فردية خاصة به ولا تلزم أحدا غيره في المجتمع. “الهوية الأمازيغية المغربية” هي هوية وطنية مجتمعية موضوعية مبنية على حقائق تاريخية وجغرافية وعلمية قابلة للنقاش والقياس والتحليل من طرف المتحاورين على أسس موضوعية Objective grounds. أما هويتك الشخصية فهي معفية من التحليل والنقاش لأنها مرهونة بمشاعرك ومزاجك وميولاتك ولا تلزم أحدا.

فإذا كنت تظن بأنك عربي في مجتمع أمازيغي وأرض أمازيغية (مثل Tawrirt) فعروبتك هوية شخصية معفية من النقد لأنها مجرد رأي شخصي أو سلالة شخصية لا أثر لها على هوية المجتمع التاريخية الجغرافية. أما إذا كنت تزعم بأن هوية Tawrirt قد تغيرت وأصبحت عربية أو خليطة بمجرد هجرتك إليها لوحدك أو مع عائلتك أو قبيلتك فتلك مزاعم موضوعية نعالجها بالتحليل وفحص الحقائق التاريخية والجغرافية والعلمية الموضوعية وطرح أسئلة فلسفية من قبيل “هل يحق للدخيل أو الضيف أن يفرض هويته على صاحب الدار؟”. ولا شك في أن مزاعم عروبة Tawrirt ستسقط لأن Tawrirt أمازيغية تاريخيا وجغرافيا، وكل من يهاجر إليها يصبح أمازيغيا من حيث الانتماء المجتمعي عاجلا أم آجلا. الحقيقة الموضوعية The objective truth هي أن Tawrirt أرض أمازيغية وأن شعبها أمازيغي. ولا تتغير هذه الحقيقة إلا إذا تم عمل غسيل للدماغ لسكان Tawrirt أو تمت إبادتهم أو تم محو تاريخ Tawrirt بشكل ما. أما في الحالة الطبيعية فيمكن لك أن تحتفظ بعروبتك الشخصية لنفسك كمهاجر عربي وسط أهل Tawrirt وأن تعبر عن عروبتك الشخصية بحرية في المجتمع الأمازيغي المحيط بك. ذلك هو الحد بين الهوية الشخصية والهوية المجتمعية. أما بالنسبة لأولادك وذريتك الذين ولدوا في Tawrirt ويعيشون فيها فإن الشيء الطبيعي هو أن يصبحوا مواطنين أمازيغيين ينتمون أتوماتيكيا إلى مجتمع Tawrirt ويدافعون عنه ويساهمون في تطويره. أما إذا أردت أن تربيهم كعرب يرفضون انتماءهم الأمازيغي ولا يعترفون إلا بانتمائهم العربي إلى مكة في قارة آسيا فأنت تربيهم على أن يكونوا “أجانب أبديين” في Tawrirt يرفضون الاندماج وينظرون إلى Tawrirt كبلاد غربة سيغادرونها يوما “عائدين” (!!) إلى مكة. ومما لا شك فيه أن “أجنبيتهم” ستجعلهم غرباء عن Tawrirt لا يثق فيهم أحد ولا يأتمنهم أحد على الدفاع عن Tawrirt ولا على مصالح البلاد.

وفي مثال آخر، إذا كنت تعتقد أن هويتك الشخصية هي مثلا مسيحية أو إسلامية أو سنية أو شيعية أو يهودية فذلك شأنك وحريتك، ولك الحق في التعبير عن تلك الهوية الشخصية ولكن لا حق لك في فرضها على مجتمعك كـ”هوية وطنية”. هويتك المسيحية أو الإسلامية أو السنية أو الشيعية أو اليهودية لا تلزم أحدا غيرك. فالدين مثل اللغة ومثل الثقافة ومثل الموضة هو عنصر ثقافي فكري يُكتسَب بالتربية والتلقين وهو قابل للتغيير والاعتناق والهجر ومرهون بمزاج معتنقه أو المرتد عنه ولا يصلح ليكون هوية وطن أو مجتمع. الهوية الشخصية ملزمة لك وحدك ويحق لك أن تضع فيها ما يحلو لك من مقادير ونكهات (إثنية، عائلية، لغوية، دينية، مذهبية، فلسفية، شجرة النسب…) وأن تطبخها كما يحلو لك. أما الهوية الوطنية والمجتمعية والقومية فهي مبنية على حقائق التاريخ والجغرافيا للبلد المعين والشعب المعين وليس على أهوائك الشخصية أو نسبك العائلي أو ديانتك المفضلة أو نبيك المفضل أو إلهك المفضل أو قِبلتك المقدسة المفضلة.

ويجب التمييز بوضوح بين:

– الهوية التي هي خاصية ثابتة غير قابلة للتغيير.

– الثقافة (الأديان والعقائد واللغات والموضات والتقاليد …) التي هي معارف وعادات متغيرة وقابلة للاعتناق والرفض والتعديل والاستيراد والتصدير نحو بلدان أخرى.

ومن المعروف أنه في البلدان المتقدمة في أمريكا وأوروبا يفرق الناس هناك بدقة ووضوح بين “العرق” (race) و”النسب/السلف” (lineage/ancestry) و”الإثنية/القومية” (ethnicity). أما في البلدان المتخلفة كبلدان العالم الأمازيغي الأفريقية وبلدان العالم العربي الآسيوية فلا زال المثقفون والعوام يروجون ويرسخون هذا الخلط بين “العرق” و”النسب” و”الإثنية/القومية” ويظنونه شيئا واحدا!

ومن بين أشكال الغباء اللغوي الذي أصاب الصحافة العربية أنها ترجمت عبارة Ethnic cleansing الإنجليزية التي كانت متداولة عالميا بكثافة خلال الحرب البوسنية الصربية الكرواتية في التسعينات إلى عبارة “التطهير العرقي” وهي ترجمة خاطئة وغبية انطبعت في أذهان ملايين الناس لسنوات وسنوات عبر الجرائد ونشرات الأخبار. الترجمة الصحيحة هي “التطهير الإثني” أو “التطهير القومي”. (ملاحظة: الصرب والبوسنيون والكروات شعب سلافي Slavic واحد يتكلم لغة واحدة مشتركة ولا يفرقهم إلا الدين والتسمية الإثنية الإقليمية).

إذن يجب ضبط هذه المصطلحات الأمازيغية والعربية والإنجليزية جيدا:

midden أو taɣalca [تاغالشا] = الإثنية / القومية = ethnicity

tawsit = القبيلة = tribe

aɣref [أغرف] = الشعب = folk / people

agdud = الجمهور = public

aydud أو taggayt = الأمّة = nation

tamurt أو tamazirt [ثامازيرث] = الوطن = homeland

akal أو acal أو acař [أشار] = الأرض / التراب = earth

acettal [أشتّال] أو aẓor = العِرق = race

assaɣ [أسّاغ] أو amas = النَّسَب = lineage

amirew أو amezwaru = السلف = ancestry

tamagit [تاماگيت] أو tanettit = الهوية = identity

idles [إيذلس] = الثقافة = culture

tussna = العلم / المعرفة = knowledge / science

aswingem أو asemmeḍren = الفكر / التفكير = thought

tutlayt = اللغة = language

tantala = اللهجة = dialect

1) التعريبيون يرفضون وصف مشروع البوليساريو بـ”المشروع العرقي العربي الانفصالي”:

لا يكف التعريبيون المغاربة عن وصف الأمازيغية (صراحة أو غمزا ولمزا) بـ”المشروع العرقي” أو بـ”النعرة العرقية” لكنك لن تسمع أبدا هؤلاء التعريبيين يصفون جمهورية البوليساريو العربية بـ”الجمهورية العرقية”، ولن تسمعهم أبدا يصفون مشروع البوليساريو الانفصالي العربي المسلح بأنه “مشروع عرقي” أبدا. حاشا.

فعبارات “المشروع العرقي” أو “الانفصال العرقي” أو “النزعات العرقية” هي عبارات (مضللة طبعا) طورها التعريبيون المغاربة خصيصا لضرب الأمازيغية، وذلك عبر تشويه الأمازيغية في أذهان المغاربة وربطها بعنصرية العرقيين الحقيقيين المشهورين في التاريخ مثل الحزب النازي الألماني (القومي الاشتراكي) المعتوه الذي آمن فعلا بتفوق الإنسان الأبيض على الأعراق الأخرى السوداء والسمراء والصفراء والحمراء وغيرها.

الحركة الانفصالية الحقيقية الوحيدة الموجودة في بلدان العالم الأمازيغي هي حركة البوليساريو وهي حركة تهدف إلى إقامة جمهورية عربية على أرض النصف الجنوبي من المغرب الأمازيغي. بل إن هذه الحركة الانفصالية العربية المتكونة من “انفصاليين عرب” (وهم في الحقيقة أمازيغ صنهاجيون مستعربون يظنون أنهم عرب) قد أعلنت قيام شيء اسمه “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” منذ عام 1976 ووضعوا لها علما فلسطينيا أضيفت إليه نجمة وهلال. وحصلت تلك “الجمهورية العربية الصحراوية” على تمويل وتسليح واعتراف من الأنظمة العروبية كنظام الهواري بومدين في الجزائر والقذافي في ليبيا والأسد في سوريا والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فتمكنت البوليساريو من الانضمام إلى منظمة الوحدة الأفريقية (“الاتحاد الأفريقي” حاليا) وإقامة علاقات وسفارات لدى عدة دول أفريقية وآسيوية. وكل هذا لا يزعج التعريبيين والعروبيين المغاربة أبدا ولا يشعرون أبدا بضرورة نعت هذه المنظمة الانفصالية بـ”المنظمة العربية العرقية” ذات “المشروع العربي العرقي الانفصالي” مثلما ينعتون الأمازيغية بـ”الانفصالية العرقية”! ويتغاضى التعريبيون تماما عن حقيقة أن البوليساريو هي نتيجة لسرطان القومية العربية الذي دخل إلى المغرب وحاول شطره وتعريبه وتخريبه.

الذي يزعج التعريبيين هو الأمازيغية. لذلك يركزون عليها أكاذيب “المشروع العرقي” و”الانفصال العرقي” التي اخترعوها. عندما يتعلق الأمر بمنظمات أمازيغية مغربية وجزائرية وتونسية وليبية فالتعريبيون يسارعون إلى نعتها بـ”المنظمات العرقية” ذات “المشروع العرقي الانفصالي” رغم أنها ليست عرقية ولا انفصالية ولا يحزنون، ولا تملك جيشا (كجيش البوليساريو) ولا ميزانية (كميزانية البوليساريو) ولم تعلن جمهورية ولم تفجر سيارة ولا قتلت جنديا مغربيا ولا شرطيا مغربيا.

فكل أعمال القتل والعنف الحركي الأيديولوجي المنظم التي نفذت في المغرب بعد الاستقلال ارتكبتها حركات تعريبية (البوليساريو وحزب الاستقلال وأتباع البعث والناصرية) وحركات إسلامية جهادية إرهابية.

التفجيريون والإرهابيون والانفصاليون المسلحون في المغرب إما عروبيون وإما إسلاميون. ولكن التعريبيين المغاربة يصمّون آذانهم ويغلقون عيونهم عن تلك الحقائق ولا يعرفون إلا شتيمة الأمازيغية بـ”العرق” و”المشروع العرقي” وبقية الهلوسات.

2) البوليساريو والتعريبيون المغاربة وجهان لعملة واحدة وهدفهم المشترك هو إقامة “الدولة العربية”:

جبهة البوليساريو قتلت آلاف المغاربة جنودا ومدنيين وأعطبت الآلاف واستنزفت عشرات الملايير من الدولارات الأمريكية من لقمة عيش الشعب المغربي منذ 1975 ولكن التعريبيين المغاربة يرفضون وصفها بمصطلحهم القدحي الشتمي: “المنظمة العرقية الانفصالية”. التعريبيون لا يبالون بالخطر الانفصالي العربي البوليساري الحقيقي وإنما يتحدثون عن الخطر الانفصالي “العرقي” الأمازيغي الوهمي (وفي الحقيقة: تخيفهم الهوية الأمازيغية للمغرب).

القوميون العرب والتعريبيون حريصون على اتهام الحركات القومية الأمازيغية والكردية والفارسية واليهودية والقبطية والسريانية بحمل “المشروع العرقي”، ولكن التعريبيين لا يقولون أبدا أن القومية العربية “مشروع عرقي” ولا يقولون أن القضية الفلسطينية “قضية عرقية” ولا يقولون أن انفصاليي إقليم خوزستان/الأهواز في إيران يحملون “مشروعا عربيا عرقيا انفصاليا”. فعندما تكون هناك حركة انفصالية أو تمردية عربية الهوية في المغرب أو في فلسطين/إسرائيل أو في إيران فإنها ليست “عرقية” وإنما هي “حركة تحررية شريفة”!

التعريبيون المغاربة الذين يتهمون حراك الريف بـ”العرقانية الانفصالية” ويتهمون الأمازيغية بأنها “حركة عرقية” يبلعون ألسنتهم فجأة ويسكتون تماما عن “جمهورية البوليساريو العربية” ولا ينعتونها أبدا بـ”الحركة العرقية الانفصالية” ولا بـ”الجمهورية العرقية”. ذلك هو النفاق التعريبي العروبي.

ورغم أن عبارة Polisario ليست سوى اختصار للعبارة الإسبانية Frente Popular de Liberación de Saguía el Hamra y Río de Oro (“الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”) فإنك لن تجد تعريبيا مغربيا واحدا يحاول الربط بين هذا الاسم الإسباني “النصراني” و”المشروع الجهنمي الصهيوصليبي” الواقف وراء هذه “المنظمة العرقية العربية الانفصالية”. لا. فالتعريبيون يخصصون نظرياتهم المؤامراتية الصهيوصليبية الجهنمية للأمازيغية فقط. عندما يتعلق الأمر بالمنظمات الانفصالية العربية كالبوليساريو Polisario فإن شهية التعريبيين لنظرية “المؤامرة الصهيوصليبية” تخبو فجأة! عجيب عجيب!

لماذا يتهرب التعريبيون المغاربة من وصف البوليساريو بـ”المنظمة العرقية الانفصالية” يا ترى؟ الجواب بسيط جدا ولا يحتاج إلى أينشتاين لفك ألغازه: التعريبيون المغاربة يعتبرون البوليساريو قريبة منهم أيديولوجيا وهوياتيا. بل إن أيديولوجية البوليساريو العروبية البعثية متطابقة مع أيديولوجية التعريبيين المغاربة. فالبوليساريو تنظيم قومي عربي يتبنى أيديولوجية البعث العربي الاشتراكي بحذافيرها. البوليساريو تحاول إقامة جمهورية عربية على أرض المغرب الأمازيغية فكيف تتوقعون من التعريبيين المغاربة أن يشتموا ذوي القربى في البوليساريو وينعتونهم بـ”العرقيين”؟! مستحيل طبعا.

لذلك فالتعريبيون المغاربة حنونون جدا ورقيقون جدا في انتقادهم للبوليساريو ولا يشتمون أيديولوجية البوليساريو القومية العربية ولا ينعتونها بـ”العرقية” لأنها نفس البضاعة الأيديولوجية التي يؤمن بها التعريبيون المغاربة بالضبط. التعريبيون المغاربة يكتفون فقط بإظهار معارضتهم لفكرة انفصال الصحراء عن المغرب ولن تسمعهم أبدا يتهمون البوليساريو بأنهم “أتباع المشروع الكولونيالي الاستعماري العرقي العربي”. حشومة. لا واه لا واه. فـ”القومية العربية” منزهة في نظر التعريبيين عن أن تكون ألعوبة في يد “المؤامرة الصهيوصليبية” المزعومة.

الحاصول هو: البوليساريو والتعريبيون المغاربة وجهان لعملة واحدة وهدفهم المشترك والموحد هو التعريب وإقامة “الدولة العربية”. البوليساريو تفعل ذلك بالسلاح والحرب والمشروع الانفصالي الجهوي، والعروبيون يفعلون ذلك بالعمل التعريبي المدني والسياسي والإعلامي عبر المغرب كله.

وهذا يوازي حالة الإسلاميين المدنيين والإسلاميين الجهاديين الإرهابيين. فالفريقان وجهان لعملة واحدة وهدفهم الواحد هو إقامة “الدولة الإسلامية” الدينية الاستبدادية وتطبيق الشريعة الإسلامية. الجماعات الإسلامية المسلحة تحاول إنجاز ذلك بالسلاح والحرب والتفجير ومحاولة إسقاط “النظام الكافر” بضربة واحدة، والإسلاميون المدنيون يشتغلون على مستوى العمل الدعوي والسياسي والإعلامي لأسلمة وأخونة المجتمع.

3) أمثلة من أدبيات العرب والعروبيين والتعريبيين حول أوهام “العرق العربي” وألاعيب “عرقنة” أفكار الخصوم الرافضين للتعريب والأسلمة:

التعريبيون معروفون بأنهم ينعتون كل حركة وطنية هوياتية رافضة للتعريب والأسلمة بأنها “نزعة عرقية” أو أنها “مخطط عرقي صهيوني صليبي استعماري”. كما أن فكرة “العرق العربي” موجودة ومترسخة في الأدبيات القومية العربية والإسلامية عموما. سنرى من ذلك 12 مثالا هنا:

– في مقال بعنوان “تيفيناغ وويكيليكس: عندما يُرْهَنُ مستقبل المغرب” منشور على هسبريس في 19 مارس 2013 للكاتب رشيد الإدريسي يقول فيه: “هل هانت الثقافة الأمازيغية ليترك مصيرها بين يدي أفراد ينظرون للمغرب من زاوية عرقية عنصرية، ويستغلونها لتحقيق أهداف سياسية تمس بالوحدة الوطنية؟” (هنا ينعت رشيد الإدريسي كل من يريد كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني أو بحرف تيفيناغ ويرفض كتابتها بالحرف العربي بأنه “عرقي عنصري انفصالي”). ويضيف رشيد الإدريسي: “… وليتولى الخطاب النزوعي العنصري الذي يضع على وجهه قناع الأمازيغية والذي يقرأ التاريخ قراءة عرقية، إتمام المهمة وجعل المحاصصة والطائفية من ثوابت النظام المغربي”، وهنا ينعت رشيد الإدريسي الحركة الأمازيغية بأنها “عنصرية عرقية طائفية”. (وفي نفس الوقت يرفض رشيد الإدريسي أن ينعت البوليساريو بأنها “حركة انفصالية مسلحة عربية عنصرية طائفية عرقية”).

– وفي مقال بعنوان “في مخاطر دعم الانفصال العرقي” للكاتب إدريس جنداري منشور على هسبريس بتاريخ 9 نومبر 2015 ينصح الكاتب الدولة المغربية بعدم دعم حركة القبايل للحكم الذاتي في الجزائر ويصفها بـ”الحركة الانفصالية العرقية” (رغم أنه لا وجود لـ”عرق أمازيغي” ولا لـ”عرق قبايلي” إلا في خيال التعريبيين). ويقول إدريس جنداري: “… فإنَّ رفضنا دعم الانفصال على أساس عرقي نابع من موقفنا المتجذر من الأطروحة الانفصالية في المغرب العربي، و هي أطروحة أسسها الاستعمار الفرنسي” (هنا إدريس جنداري “قلق جدا” من الانفصال الأمازيغي القبايلي في الجزائر ويزعم أن فرنسا أسسته ولكنه نسي تماما الانفصال العربي المسلح الحقيقي الموجود في المغرب والمتمثل في البوليساريو والذي تأسس على إرث الاحتلال الإسباني لصحراء المغرب الأمازيغي!). ويصف إدريس جنداري الخطاب الأمازيغي بأنه “خطاب ثقافوي عرقي” ويصف الحركة الأمازيغية في الريف بـ”الأطروحة العرقية في منطقة الريف”. ولكن السيد إدريس جنداري يتهرب ويتملص من وصف جمهورية البوليساريو العربية بـ”الجمهورية العربية العرقية الانفصالية” أو بـ”الأطروحة العرقية العربية الانفصالية” رغم أن مقاله يدور حول قضية الصحراء المغربية الأمازيغية.

– في مقال بعنوان “ترسيم الأمازيغية وجنوب إفريقيا” منشور على هسبريس بتاريخ 23 ماي 2011 للكاتب د. فؤاد بوعلي يقول فيه: “… والغريب أنه عندما تطرح المسألة العرقية تغيب الإيديولوجيا ومعها الانتماء الذي يقزم في اللسان الأمازيغي. فيتساوى العلماني مع الإسلامي مع الشيوعي ويتحدون من أجل هدف واحد: الدفاع عن عرقيتهم.” (هذا مثال آخر من الهلوسات العرقية التعريبية).

– في كتاب “الحضارة العربية الإسلامية وتأثيرها العالمي” المنشور عام 2012، للكاتب د. عبد الحميد حسين حمودة يقول فيه على الصفحة 15: “من الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية أمة العرب أو العرق العربي. فالنبي صلى الله عليه وسلم عربي والصحابة عرب، والعرب هم أول من تلقوا دعوة الإسلام وآمنوا بها وجاهدوا في سبيلها، وعلى يد العرب دخل كثير من الأقطار في الإسلام؛ وانتشرت بين سائر الناس ومن ثم طبعت الحضارة الإسلامية بطابع العرق العربي.”

– وفي جريدة “الرياض” السعودية لدينا مقال عنوانه: “العرق العربي .. انتماء وجدان أم استغلال شوفيني” نشر بتاريخ 7 أبريل 2015، للكاتب د. زهير الحارثي يقول فيه: “قد أشرنا من قبل إلى أن فكرة القومية العربية رغم جاذبيتها تعني العرق العربي، مع أن هناك مواطنين في عالمنا العربي من بربر وكرد وتركمان ويحملون جنسية دولهم العربية وهم ليسوا عرباً. ومع ذلك لن يقف أحد ضد رابطة العرق طالما أنها تعبر عن ثقافة وانتماء حضاري لهذه الفئة أو تلك”.

– من كتاب “القومية والديمقراطية والثورة” نشر عام 2011، للكاتب عبد الكريم الحسني يقول فيه على الصفحة 185: “ومصطلح الأمة العربية أو الشعب العربي يطلق على الشعب الذي يعيش في البلدان العربية سواء كان من العرق العربي أو أعراق اختلطت به وعاشت معه في المنطقة العربية.”

– من كتاب “القضايا القانونية والسياسية في العراق المحتلة” من عام 2010، للكاتب د. عبد الله الأشعل يقول فيه: “فإذا كان سلوك الجيش الأمريكي سببه امتهان العنصر العربي واحتقاره واستباحة مقدساته فهو لا يقصد إلى إبادة العرق العربي وإنما فقط إذلاله وامتهانه، فإن إسرائيل تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها حتى تخلص لها كل فلسطين.”

– وفي موقع “رقيم” Rqiim نجد مقالا بعنوان “سلسلة الوطن العربي: قصة العرق العربي”، منشور في 29 شتمبر 2017، للكاتب معاذ رجب ويقول فيه: “فالأمة العربية أمة عظيمة، اختارها الله من بين الأمم لتكون وعاءً لدينه” ويقول أيضا: “العرق العربي الذي يتمتع أهله بأروع صفات الشهامة والكرم والنبل” ويقول أيضا: “ليصبح تعريف العربي بعد ذلك: كل شخص من أب عربي ويتكلم العربية”.

– وفي كتاب “عالمية الخطاب القرآني: دراسه تحليلية فى السور المسبحات الخمس” المنشور في 2012، للكاتب مصطفى جابر العلواني يقول فيه على الصفحة 53: “تتحدث الدراسة عن فكرة بعث الأمة العربية، التي تنبني على وجود رسالة قومية للعرب، بوصفهم أمة منتظمة على العرق العربي”.

– وفي كتاب “دعوة التقريب بين الأديان: دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية” منشور عام 2000، للكاتب د. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي يقول فيه على الصفحة 554: “تبين مما سبق أن الأقلية النصرانية في مصر – وعامتها من الطائفة القبطية – لم تتبن قضية التقريب والحوار بالصيغة السائدة عالميا في النصف الأخير من القرن العشرين الميلادي. وهي في أحسن الأحوال تلوذ بعباءة الوطنية لإيجاد موقع لها في نسيج المجتمع المصري الحديث. وهي بذلك توافق الأقلية المسيحية في بلاد الشام حين تعبر عن ذلك بمصطلح «العيش المشترك» وتفارقها من جهة أن نصارى الشام عروبيون، يرفعون شعار القومية العربية بقوة وحماسة، كرمز للرابطة البديلة عن الإسلام. ولكن «العروبة» لا يسوغ أو يلجأ إليه نصارى مصر، حيث أنهم عرقيا سلالة أجنبية تماما عن العرق العربي.”

– وفي كتاب “موسوعة الدرر الزاهرة في الأصالة المعاصرة ـ المجلد الثاني: حضارة الإسلام” المنشور عام 2016، للكاتب د. بسيوني الخولي يقول فيه على الصفحة 274: “… إذن كان العنصر أو العرق العربي منفردا في فاعليته في وضع المقومات الأساسية والأولية لحضارة الإسلام”.

– وفي كتاب “اليهود وأرض كنعان” المنشور في 2012، للكاتب تركي قاسم الزغبي يقول فيه على الصفحة 32: “… المنطقة التي بقيت حتى يومنا هذا تسمى (الوطن العربي). وإن سكان هذه المنطقة هم من أصل واحد هو العرق العربي.”

4) هدية “الإسلام السياسي” إلى المغرب والمغاربة: التطرف والإرهاب وتصدير اللحم البشري المغربي إلى الرقة والموصل والرمادي

الإسلام السياسي خطر مؤكد على المغرب وعلى الدول الأمازيغية الأخرى لأن الإسلاميين دعاة الدولة الاستبدادية ويريدون إقامة دولة دينية فاشية يحكمها كهنة الإسلام وتعيد المغرب والعالم الأمازيغي إلى قرون الظلام.

أما الضرر الذي ألحقه الإسلام السياسي بالمغرب فهو واضح للجميع ألا وهو الهجمات الإرهابية بالمغرب، وتكليخ المجتمع علميا وفكريا، والانحطاط الأخلاقي، وشيوع كراهية الحرية الفكرية والدينية لدى الناس، وتدمير الشعور الهوياتي للشباب مما جعلهم أيتام الهوية يتسولون الانتماء الهوياتي من شعوب أخرى.

كما أن الإسلام السياسي هو السبب رقم 1 في تصدير أرتال الإرهابيين الإسلاميين المغاربة إلى الخارج، وتمريغ سمعة المغرب والأمازيغ في الوحل عبر أوروبا وغيرها، وجعل اللحم البشري المغربي رخيصا ينفجر كوقود مجاني في سبيل حروب الوكالة التي يخوضها آل سعود ضد ملالي إيران. الإسلام السياسي جعل اللحم البشري المغربي ينفجر في أفرنة وحرائق الحرب الأبدية السنية الشيعية في سوريا والعراق وهي حرب إسلامية أعرابية صحراوية مقدسة تشتعل هناك منذ 13 قرنا.

5) هدية التعريب والتعريبيين إلى المغرب والمغاربة: البوليساريو (الانفصاليون العرب) وتحقير قضايا المغرب

أيديولوجية التعريب أو “القومية العربية التوسعية” خطر مؤكد على المغرب وعلى الدول الأمازيغية الأخرى لأن التعريبيين المغاربة ليس لديهم ولاء للمغرب (وذلك هو سر كراهيتهم للأمازيغية) وإنما ولاؤهم للقومية العربية وهدفهم هو توسيع حدود “الأمة العربية الخرافية” على حساب الشعوب الأخرى والهويات الأخرى (الأمازيغ، القبط، الكرد، الفرس… إلخ). التعريبيون ليس لديهم ولاء للمغرب ولا لبلدان العالم الأمازيغي الأخرى التي يعيشون على أرضها وولاؤهم هو دائما للقومية العربية التوسعية ولقضايا العرب عموما.

فالتعريبيون المغاربة يريدون جعل أية حرب عربية توسعية أو حدودية حربا مقدسة بالنسبة المغرب يشارك فيها المغرب ويضحي فيها بأبنائه واقتصاده. والولاء المعروف للتعريبيين تجاه القضايا العربية على حساب القضايا المغربية هو الذي يجعلهم يسعون لتصميم النظام التعليمي والإعلامي والسياسي المغرب بشكل يخدم قضايا العرب الأجنبية عن المغرب ويجعل المغرب تابعا للعرب وخادما وفيا للعروبة. ومحاولة إبادة الأمازيغية أو وأد تدريسها أو فرض الحرف العربي عليها جزء من ذلك. ولا يوجد شيء يثير جنون التعريبيين أكثر من رؤيتهم الأمازيغية مكتوبة بالحرف اللاتيني ABCČDḌEƐFGǦƔHḤIJKLMNOQŘRṚSṢTṬUWXYZẒ وذلك لأنهم يستوعبون جيدا قوة هذا الحرف الأوروبي والإمكانيات العظيمة التي يفتحها أمام الأمازيغية.

ولاء التعريبيين للعروبة على حساب المغرب هو الذي يجعلهم ينظمون المظاهرات والحملات سنة بعد سنة لتحرير فلسطين ولبنان والقدس والعراق والجولان وسوريا ولا يكترثون أبدا للأراضي المغربية المحتلة من طرف إسبانيا: مليلية / مريتش Mřič وسبتة Sebta وجزر إيشفّارن Igumamen Iceffaren المتوسطية قرب الناظور وجزر غومارا Igumamen Iɣumaren أو باديس Badis قرب الحسيمة وجزيرة تورا Toṛa غرب سبتة، دون احتساب جزر الكناري Igumamen en Taknara.

وا شكون دّاها ليك فلمغريب آ وليدي.

هل رأيتم التعريبيين والإسلاميين يتظاهرون يوما لتحرير مليلية / مريتش Mřič وسبتة Sebta من الاحتلال الإسباني أو يدعون لمقاطعة البضائع الإسبانية؟

لا طبعا. فقضايا التعريبيين والعروبيين المغاربة المقدسة هي غزة والرقة والقدس وبيروت والجولان وبيت لحم والرمادي وفلسطين وحلب ولبنان وليست مليلية وسبتة والجزر والصحراء. وإذا أرادوا مقاطعة محتل غاشم فلا يفكرون في مقاطعة إسبانيا وإنما يفكرون في مقاطعة منتوجات إسرائيل (بينما الفلسطينيون والعرب الحقيقيون يتهافتون على التقرب من إسرائيل والتجارة مع إسرائيل).

في عقيدة التعريبيين الحاملين للجنسية المغربية: فلسطين أعلى من المغرب. والقدس أعلى من المغرب.

التعريبيون لا مشكلة لديهم في تطبيع العلاقات مع إسبانيا التي تحتل المدن المغربية والجزر المغربية. مشكلة التعريبيين هي التطبيع مع إسرائيل لأن التعريبيين المغاربة لا تهمهم قضايا المغرب وإنما تهمهم قضايا العرب.

ولماذا لا تهمهم قضايا المغرب؟ لأن التعريبيين المغاربة يحسون بأنهم أجانب في المغرب ويحسون بأن هويتهم الحقيقية موجودة في قارة آسيا. فالتعريبيون يرون أن المغرب لا يصلح إلا لخدمة العرب والعروبة ولذلك يسعون إلى تعريب ومسخ (zombification) المغرب الأمازيغي وتحويله إلى “زومبي عربي” Arab zombie أي إلى كائن معرّب ممسوخ الهوية تمت إعادة برمجته reprogrammed أو repurposed، فيصبح الهدف الجديد للمغرب هو إفناء ذاته في سبيل قضايا العرب وحروب العرب الأبدية مع إسرائيل وإيران والشيعة والسنة وأمريكا، كما يفعل المغربي المغرر به عندما يفجر نفسه في سبيل الدولة الإسلامية في الرقة والموصل وحلب وبغداد من أجل قتل أكبر عدد ممكن من “الروافض والصفويين والنصيريين” ليصفق له أئمة الإرهاب الوهابي والقومية العربية داعين له بالجنة قائلين: “نسأل الله له الجنة والحور العين”.

هل رأيتم التعريبيين والإسلاميين يتظاهرون يوما ضد النعرة العربية “العرقية” البوليسارية الانفصالية؟

لا طبعا. فأيديولوجية البوليساريو القومية العربية هي نفس أيديولوجية التعريبيين.

إذن فمن المستحيل أن يحارب التعريبيون المغاربةُ أيديولوجيةَ البوليساريو العربية وأن يشتموا عروبة البوليساريو ويصفوها بـ”النعرة العربية العرقية” لأنهم سيكونون حينئذ يحاربون أنفسهم ويشتمون أنفسهم.

البوليساريو هي التجسيد الحركي والسياسي والعسكري الكامل للقومية العربية بالمغرب.

من يحارب البوليساريو فهو يحارب القومية العربية بالمغرب.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.