Your Content Here
اليوم الأحد 17 ديسمبر 2017 - 9:49 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 2:51 مساءً

في حدود فهم استفادة الدولة من الحراك الشعبي

 

د. عبد الوهاب تدمري :

من خلال ما نراه الآن من مزايدات في ملف معتقلي الحراك، ومن تشويش مقصود علي المحاكمات الصورية التي يخضعون له،ا أو من خلال تصريحات بعض أشباه المحامون الذين تدربوا في دهاليز الدولة المخزنية واستفادوا من ريعها، اولعض الصحفيين الذين يقتاتون علي فضلات مشغليهم من مختلف أقسام الاستخبارات الذين يجتهدون في تبخيس قضية معتقلي الحراك و الترويج لنظرية المؤامرة . ألا يمكن لنا ان نتساءل ان الدولة المخزنية قد صدقت فعلا انها انتصرت لمقاربتها الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية والسلمية التي كانت قد أغفلتها نسبيا لصالح المقاربة الأمنية القاءمة علي مواجهة الارهاب الذي شكل هاجسا وموضوعا امنيا دوليا بامتياز. ولم يتبقى لها إلا استكمال بعض فصولها الأخيرة التي أوكلت مهمة تصريفها لبعض أشباه المحامين والصحفيين ؟.
وان لم يكن كذلك، فماذا استفادت الدولة المخزنية من دروس الحراك الشعبي بالريف ، وماذا استخلصت من نتائج وعبر مما أنتجه الحراك من قيم و خطابات سياسية جديدة ومن المشاركة الواسعة لمختلف شرائح أهلنا بالريف ؟ اللهم اذا ما استثنينا ما ورد من خطابات في شأنه ولو بطريقة غير مباشرة لرئيس الدولة والتي تنتقد الأوضاع والاحزاب والمؤسسات وتحملها المسؤولية الأدبية في ما يعيشه المغرب من غليان اجتماعي وفشل في اختياراته التنموية دون أن ترقى هذه الخطابات ،مع الاسف، الي مستوي وضع خارطة طريق لوضع أسس مصالحة حقيقية بين الشعب ومؤسساته ، ترتكز علي تعاقدات اجتماعية وسياسية جديدة قوامها العفو الشام،ل وإصلاحات دستورية عميقة لإنقاذ الوطن من المخاطر المتعددة التي تتهدد،ه وتعمل بالمقابل علي بناء جسور الثقة لمرحلة سياسية جديدة قائمة علي ربط المسؤولية بالمحاسبة و إعمال مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب … ؟
وإن سلمنا بما تعتقده الدولة المخزنية ،إلا يحق لنا أن نعيد صياغة السؤال علي الشكل التالي : هل يمكن ان نعتبر ان الحراك الشعبي قد انتهى مع اعتقال قياداته الميدانية واخضاعهم لمحاكمات صورية بعد وضعهم في أقفاص زجاجية لاستكمال ديكور المسرحية ؟ .
ام ان الحراك ليس أشخاصا ذاتيين معتقلين من اجل مطالب مشروعة في سجن عكاشة او غيره من السجون الدولة المخزنية ،رغم كل ما نكن لهم من احترام، و رغم اختلافاتنا معهم في طريقة تدبير الحراك . ولا هو أصحاب تجارة التخوين التي يتقمصها بعض جمهوريي علامة الأربعين الذين لم يبخلوا جهدا في تخوين المناضلين اليساريين الدموقراطيين المغاربة و خاصة الريفيين منهم سواء بالداخل او الخارج ، والعمل الحثيث من اجل الصاق تهم الانفصال علي الحراك وقياداته من المعتقلين بالشكل الذي يتماهون فيه مع ما ورد من تهم في محاضر الاتهام…. بل هو حركة ممتدة في الزمان والمكان ، حركة من أجل قضية أكبر تعانق الحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ،حركة لكل الوطنيين الديمقراطيين، حركة تعانق الكرامة و الديمقراطية لشعب عانى ولا يزال من كل أشكال الهشاشة والفساد السياسي والاقتصادي الذي تمارسه عليه النخبة الحاكمة منذ عقود من الزمن كانت آخر فصوله وفاة 18 امرأة بعضهن حوامل في تدافع المئات من الفقراء في أحد المداشر المغربية الذي يشكل نموذجا وليس استثناء لواقع الفقر الذي يعيشه أغلب المغاربة وذلك من أجل قفة عيش لا تتجاوز قيمتها مائة درهم ، ولكنها تختزن مأساتنا المركبة التي تجمع بين الفقر والبركة والجهل وكل اشكال الفكر الخرافي . و من نتائجه أيضا التفشي المهول للبطالة لدى الشباب والفئات العمرية النشيط،ة و انكماش اقتصادي خطير ينذر بأزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وهو ما يتجلى في تدني كل مؤشرات التنمية كما تقر بذلك المعاهد الدولية المتخصصة، وتقهقر المغرب الي الرتب الدنيا في مؤشر الرشوة .
انه الوضع نفسه الذي أقر به رئيس الدولة مؤخرا في خطاب افتتاح الدورة التشريعية ، عندما أعلن بشكل صريح عن فشل النموذج التنموي الذي تبناه المغرب تفاعلا مع تقرير الخمسينية الذي اطر مرحلة بأكملها بدأت مع الالفية الثالثة . هذا بالإضافة إلى ما اقر به من ضرورة لإعادة النظر في هيكلة الدولة وتفعيل دور الجهوية الموسعة في عملية التنمية و الاهتمام بالشباب مع العمل علي تأسيس مجلس أعلى لهم ،وهي كلها مقترحات غير كافية رغم ما تتصف به من اهمية .او بما تم اتخاذه من إجراءات اعفاءية في حق بعض المسؤولين عن تعطيل مشروع منارة المتوسط ،والتي لا تخضع لمنطق القانون او لمبدا المساءلة والمحاسبة ، بقدر ما تخضع لمنطق الغضبة وعدم الرضي .
بالتالي فان توهمت النخب المتحكمة في صناعة القرار انها قد انهت الحراك بمقاربتها الأمنية وتدخلاتها العنيفة التي جعلت المغرب يتصدر التقارير الدولية والاممية للدول التي تمارس فيها انتهاكات حقوق الإنسان ،هذا ناهيك عن ما أنتجته هذه المقاربة من ارتفاع لمنسوب الكراهية تجاه الدولة و مؤسساتها لدى فئات واسعة من الشعب المغربي بالداخل والخارج و رفع من حدة الإحساس بفقدان الثقة من كل العملية السياسية وبهياتها الحزبية أو المنتخبة التي يبدو أنها قد فقدت قدرتها علي الفعل والتأثير، ولم تعد قادرة على تجديد تصوراتها الفكرية والسياسية التي أشر الوضع الحالي عن فشلها كما فشلت المنظومة السياسية والتنموية برمتها، واصبحنا علي ما نحن عليها من أوضاع قاب قوسين او أدنى من الانفجار.
لكن ها هو أخطر ولم تدركه النخب السياسية المتحكمة في دوائر القرار، هو ان المجتمع وخاصة فئاته الواسعة من الشباب المتضرر من الأوضاع الحالية، ماضية في إنتاج خطابها السياسي الذي حتى وإن بدي بسيطا الا انه يمتلك قوة نافذة في التواصل مع فئات واسعة من الشباب ضحايا السياسات التعليمية الفاشلة التي تمتلك وعيا سياسيا حسيا ، ولم يسبق لها ان تاطرت تنظيميا ، وهو الخطاب الذي يغذيه لديها الإحساس المشترك بالإحباط واليأس وانعدام الثقة في الدولة والاحزاب والمثقفين ، كما أنها وفي سياق بحثها عن ملاذات بديلة من خارج النماذج السياسية الحالية التي فقدت مصداقيتها واي دور لها علي التنظيم والتأطير ،وفي غياب مقاربة شاملة للنخبة السياسية المتحكمة تروم إلى خلق شروط مصالحة حقيقية من اجل اعادة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي فإن نسبة مهمة من هؤلاء الشباب يمكن أن تعانق عوالم التطرف ، سواء بخلفيات دينية أصولية او بخلفيات عرقية متعصبة . وبحكم خطابها الشعبوي البسيط وقدرتها السلسة علي التواصل مع فئات واسعة من المجتمع المغربي الغير المؤطر سياسيا وتنظيميا و الفاقد للثقة في الدولة ومؤسساتها الحزبية والمنتخبة فإنها ستشكل عاجلا ام اجلا ، ان استمر الوضع علي ماهو عليه، قيادات بديلة سهلة التوظيف من طرف من يشتغلون ضمن مخططات واستراتيجيات زرع الفوضى الخلاقة ،على غرار ما تعيشه الكثير من شعوب وبلدان العالم التي عانت من نفس الاوضاع الفاسدة التي يعاني منها المغرب والمغاربة حاليا .
فحذاري من ما انتم عليه غافلون وبانتصاراتكم الامنية الوهمية منتشون.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.