Your Content Here
اليوم الأربعاء 28 يونيو 2017 - 8:55 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 18 يونيو 2017 - 2:08 صباحًا

تدمري يطرح أرضية للنقاش في شأن سؤال شكل الدولة و المسألة الديموقراطية / أو الخيار الثالث (الجزء 4)

عبد الوهاب تدمري :

…تتمة 

3/ المشروع السياسي الديموقراطي / قراءة في المنطلقات :

ا/ في مسألة الدولة والديموقراطية :

ان اي مشروع سياسي ديمقراطي يطرح نفسه بديلا ممكنا يجب أن يقطع مع جل المقاربات السابقة في النضال من أجل هذه القضية التي برهنت على فشلها ومع كل أشكال مقارباتنا وتوصيفنا لطبيعة المرحلة  التي اسميناها بمرحلة النضال من أجل الديمقراطية التي غاب عنها العقل النقدي والتحليل العلمي لواقعنا السياسي  بخصوصياته السوسيوثقافية والتاريخية والذي كان من تداعياته وتبعات فهمنا الهلامي للمسالة  الديموقراطية ، احتواء الدولة للكثير من النخب التي اعتقدت بحسن نية بمبدأ تغييرها  من الداخل، وبدل دمقرطة هذه الاخيرة تمت مخزنتها. إذن  فان نجاح هذا المشروع يتطلب منا البحث في مداخل جديدة لإحقاق عملية الانتقال الي الديمقراطية بعد تحديد اي نوع من الديمقراطية نريد، هل تلك التي ارتبطت بالدولة الوطنية القومية التي تستقي جذورها الفكرية من فلسفة عصر الأنوار ومشروعها الحداثي، والتي يمكن اختصارها في شكل الدولة اليعقوبية التي تستند علي مبدأ العقلانية الديكارتية، التي يأخذ فيها القرار الصبغة العمودية من النخبة الي الشعب، و من المركز الي الهامش بالشكل الذي تمارس فيه هذه الاخيرة وصايتها علي العقل وعلي المجتمع  حتي و ان تمثلت القيم الحداثية كالحرية و العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون وهي القيم التي لا يجب أن تتنافي و وحدة الشعب والأمة وان لا تنزاح عن المفاهيم التي تحددها هي بموجب هذه الوصاية التي تمارسها من داخل المفاصيل الإدارية للدولة الأمة الضامنة للوحدة الوطنية واللاغية للتعدد والتنوع الذي تعرفه الشعوب والمجتمعات،  ولكونها كذالك فإنها لم تكن يوما ديمقراطية، وكانت سببا في استعباد واستعمار الكثير من شعوب العالم وفي نشوب حربين عالميين متتاليتين. إذا كان هذا النموذج الديكارطي قد استنفذ مهامه التاريخية بعد أن شاخت نخبه و عجزت علي استيعاب التغيرات الاجتماعية والسياسية من حولها، وأدت الي ما أدت إليه من كوارث انسانية  فهل من واجبنا نحن إعادة إحياء الموتي، بتمثلنا هذا النموذج لمفهوم الدولة والديمقراطية والاكتفاء بالقول بالديمقراطية دون أن ندقق في اي شكل من اشكال الديمقراطية نريد، ونسقط بموجب   هذا الغموض في المفهوم التاريخاني للتطور الذي يقتضي ضرورة المرور بها، ام وجب علينا  الاستفادة من التراكمات التي يعرفها حقل العلوم الانسانية ومن تجارب الشعوب في نضالها من أجل الحرية والتقدم ،وبالتالي أن نتشبث بحقنا في الدموقراطية التي  تؤصل للدولة الديمقراطية القائمة علي مبدأ التعدد والتنوع التي يصبح فيها القرار  أفقيا وتشاركيا بين مختلف مكونات الشعب، وبين مختلف جهاته السيادية، التي هي ضمان وحدته    ومصدر قوته، بالشكل الذي يتغلب فيه منطق الاخوة علي منطق الابوة. انه النموذج  الذي يستقي مشروعيته من فلسفة ما بعد الحداثة التي تستند الي المنهجية الكوانطية القائمة علي النسبية في تحديد الآولويات الضرورية للتطور ودون أي تفضيل قار للعناصرالمتحكمة فيه وهو ما يتعارض  والمفهوم الميكانيكي الدكارطي الذي قامت عليه الدولة اليعقوبية ومرحلة عصر الحداثة. انه النموذج الذي  نراه ملائما لوضعنا السوسيوثقافي المتعدد في خصوصياته التاريخية والجهوية إضافة إلي ما عانيناه من تجربة مريرة مع نموذج الدولة اليعقوبية في طبعتها المغربية التي كانت سببا في الكثير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمجتمع المغربي، ومع منهجها  الإقصائي  المرتبط بمفهومها الخاص للامة، المعدم لأي شكل من أشكال التعدد،  وهو المفهوم الذي اصل نظريا  لبناء موقفها  من مسألة الوحدة الوطنية الذي تحول بمقتضاه الي صك اتهام بالخيانة والانفصال لكل من طالب بحقوقه الثقافية والتاريخية والسياسية او بحق الجهات التاريخية في تقرير مصيرها في إطار دولة الأوطونوميات الجهوية المتضامنة ، وهي بذلك كانت ولا  تزال مسؤولة على ما يعرفه المغرب من نزاع ترابي  في جهة الصحراء ومن ضعف  بالإحساس بالانتماء للوطن في كثير من المناطق والجهات.

إننا إذن مع نموذج الدولة الدموقراطية كبديل للدولة الأمة كونه  النموذج الذي يتيح إمكانية  أن يشكل الهامش عنصرا محددا في عملية التغيير والبناء  ليتحول بموجبها الاستثناء الي قاعدة  بما يقتضيه هذا الفهم من تسبيق لسؤال شكل الدولة عن سؤال شكل السلطة وتحديد الآليات و الوسائل المناسبة لمقاربته بما  يعيدنا بشكل من الأشكال وليس من قبيل الاستنساخ الي بداية مرحلة الاستقلال عندما طرحت مشروعيات وطنية و تاريخية اخري سؤال اي دولة نريد لمرحلة ما بعد الاستقلال والتي تم اعدامها بحجة خيانة الوطن والعرش  وأسست بذلك  للمرحلة الاولي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تم تغييبها قصدا من التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة وذلك  نزولا عند رغبة الفرقاء السياسيين الذين نصبوا أنفسهم أوصياء علينا وعلي الشعب المغربي وسوقوا لنا الحقيقة وفق مفهومهم الخاص و  بما ينسجم كذلك والمنطلقات الفكرية والفلسفية التي تأسست عليها الدولة المغربية وكل العملية السياسية لمرحلة ما بعد الاستقلال  .كما ان طبيعة هذه الأسئلة التي تتمحور حول شكل الدولة ومن ثم شكل السلطة هي من سيعمل علي إعادة صياغة الكثير من المفاهيم التي تأسس عليها الفكر السياسي المغربي المعاصر كمفهومي السيادة والوحدة الوطنية التي طالما شكلت حاجز الأمان للدولة المخزنية المغربية التي زاوجت بين النموذج المخزني التقليدي والنموذج اليعقوبي وسببا مباشرا لقمع خصومها السياسيين بذريعة الخيانة. وذالك بما يستجيب لبناء نموذج الدولة الديمقراطية القائمة علي الأوطونوميات الجهوية المتضامنة ضمن إطار الوحدة الوطنية القاضية بالتقسيم العادل للثروة والسلطة بين المركز وجهاته ويتحول بموجبها مفهوم السيادة الي مفهوم  مكثف للسيادات الجهوية و إطارا ملائما لحل الكثير من مشاكلنا الترابية سواء بجهة الصحراء الغربية او بمناطق اخري لا زالت تحت الاحتلال الاستعماري .

ان المشروع السياسي  الذي يجب أن نناضل من اجله اذن هو المشروع الذي يعمل علي تخليص الدولة والمجتمع من الاضطهاد السياسي والفكري والثقافي الذي تمارسه الدولة الامة في طبعتها المخزنية والحداثية اوفي طبعتها الدينية في قادم الأيام  وذالك بالاستفادة مما راكمه الفكر الإنساني وتجارب الشعوب في شكل بناء الدولة والديموقراطية.

 

ب/ في مسألة الشراكة السياسية :

ان طرح بعض هذه الأسئلة لا تعني بالمطلق تصعيبا للمهمة، بل لكون نجاح أي مشروع سياسي بديل رهين بمدي  قدرة هذا الأخير في مساهمته علي الإجابة عليها في أفق تجاوز هذا الوضع المحجوز الذي تمر به المسألة الديمقراطية تاريخيا ببلادنا حتي لا نعيد تكرار فشل تجاربنا السابقة وان لا نتحول الى من يخوض الحروب بالوكالة كما هو حال بعض القوي السياسية مؤخرا سواء تلك التي هي من صناعته والتي أوكل لها مهمة تصريف أجندته في مجابهة ما يمكن مجابهته من مشروع تيولوجي يروم الي دعشنة الحياة السياسية المغربية ،أو كما هو شأن بعض القوي والفعاليات المنتسبة الي الصف اليساري الدموقراطي التي يبدو أنها قد سقطت في فخ التحليل القائم علي مبدأ الاختيار بين من هو أقل خطورة فعمدت الي عقد لقاءات وتجمعات بمسميات  متعددة تعكس الي حد كبير استمرارية واقع تشرذم وضعف اليسار الديمقراطي المغربي وعدم استفادته من أخطائه السابقة سواء تلك المتعلقة بعدم مراجعته الجذرية لتصوراته المذهبية والسياسية وتلك المرتبطة بالياته التنظيمية  مما يجعل هذه المبادرات التي رغم  حسن النية التي تحكمت فيها عاجزة علي احداث اي اختراق لصالح المشروع الديمقراطي بل علي العكس ستعمل علي إعادة تكرار نفس التجارب الفاشلة السابقة .

ان مقاربتنا الجديدة للمسالة الديمقراطية تقتضي منا و من أي مبادرة سياسية تسير في هذا الاتجاه أن تحدد بشكل دقيق وواضح شركائها السياسيين المفترضين الذين لهم مصلحة حقيقية في أنجاز عملية الانتقال الي الديمقراطية ممن لم يتورطوا في الريع السياسي والاقتصادي ولكون طبيعة هذا المطلب ليبرالية وجب جعله كذلك شأنا عموميا لجميع القوي والفعاليات التي تعتبرنفسها حداثية وديمقراطية بغض النظر عن أصولها الطبقية والمرجعية و لا يجب اعتباره امتيازا او حكرا علي قوي اليسار الدموقراطي وان كانت مبادرة  إليه. كما أن هذا التحديد المفاهيمي للمسالة الديمقراطية وطبيعة القوي التي يمكن أن تلتف حوله ووضوح الرؤيا في هذا الباب هو من سيؤهله لربط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال ضد الأصولية الإسلامية وكل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي الذي تقتسم فيه المسؤولية الدولة المخزنية والأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد السياسي ومؤسساته الدستورية. وهو من سيجعل هذا المشروع يقف علي مسافة من كل المحاولات التي تسعي إليها بعض من هذه القوي التي تعمل علي جعل خطر الأصولية الاسلامية موضوعة جديدة للا جماع كما جعلت هذه الدولة وأدواتها السياسية موضوع الصحراء وموضوع مواجهة المد الأصولي الماركسي في أواسط السبعينات من القرن الماضي بداية ما سمي أن ذاك بالمسلسل الديمقراطي والإجماع الوطني.

ان المشروع الذي نحن بصدد طرحه يجب أن يكون منفتحا علي الفعاليات السياسية والفكرية والثقافية التي تتمثل قيم الحداثة و الديمقراطية لان النضال من أجل احقاق الديمقراطية سيتطلب بالضرورة  مواجهة القوي المخزنية  و حركات الإسلام السياسي لكونها قوي معادية لها. وبالتالي فإن بناء اي حركة سياسية جديدة يفترض منها أن تكون بديلة يجب أن تستثني القوي السياسية التي ارتبطت بنيويا ببنية الدولة المخزنية العميقة كونها غير مؤهلة لإنجاز هذه المهمة كيف لا وهي التي شكلت علي مدى عقود من الممارسة السياسية جزءا من الأزمة وليس من الحل وكانت مسئولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن واقع الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعيشها المجتمع المغربي منذ اوفاق اليكس لبان بحيث أصبحت هذه القوي مع تراكم امتيازاتها ومصالحها وارتباطها عضويا بمصالح النظام السياسي المخزني معيقا حقيقيا لأي فعل يروم الي إحقاق الانتقال الي الديمقراطية بالمغرب وتستوجب بالمقابل المحاسبة والمساءلة والحل وان اي إشراك لها سوف لن يعمل إلا علي تمديد عمر أزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب من خلال تجديد هياكل الدولة المخزنية وإعادة إنتاج ولو مؤقتا منظومتها السياسية المتهالكة.

اذا كان هذا ينطبق علي احزاب الحركة الوطنية التي اسميناها سابقا بالديمقراطية وتفرعاتها فما بالك بتلك المسماة  إدارية بقديمها وجديدها التي تعتبر جزءا من بنية النظام السياسي المخزني و التي تتقوي من قوته وريعه وتنحصر مع ضعفه. كما أن هذا النقاش يجب أن يكون حذرا في تعاطيه مع الكتل المصنفة يسارا ديمقراطيا  أو جذريا رغم كونها قد انتفضت علي الأحزاب الوطنية وتفرعت  عنها في مراحل تاريخية سابقة وذالك في سياق نقدها الشديد للأداء السياسي لهذه الأحزاب التي اعتبرتها اصلاحية وتحريفية ومتواطئة مع الدولة المخزنية ، ما لم تتلمس هذه الكتل الإجابات الحقيقية لمجمل الانتقادات التي صياغتها ضدها وكانت سببا في نشأتها، وكذالك ما لم تعبر عن استعدادها للمراجعة الجذرية لمسار تجربتها السياسية الفاشلة ولمجمل تصوراتها المرجعية المتحجرة التي استقتها من المدرسة اليسارية الشرقية التي ولدت مع حركة القوميين العرب التي نشأت على واقع الهيمنة العثمانية وكان لتوظيف العنصر القومي العربي أن ذاك أثرا مهما في مواجهة الاستعمار التركي، وهو  ما جعلها كذلك تشتغل بمنظومة فكرية غارقة في المركزية التنظيمية وبعيدة كل البعد عن واقع مجتمعنا المغربي الغني بتعدده الثقافي واللغوي وخصوصياته الجهوية والتاريخية مما حولها مع مرور الوقت الي مجرد نوادي سياسية. هذا في الوقت الذي كان مطلوب منها الوقوف عند أسباب انحصارها وفشلها في تحقيق الأهداف التي انفصلت من أجلها بما يستوجبه من قراءة نقدية شاملة تقتضي تجديدا شاملا لمرجعياتها ولتصوراتها الفكرية والسياسية ولآلياتها التنظيمية والاستفادة مما تمت مراكمته في هذا المجال من داخل الفكر اليساري بصفة خاصة والإنساني بصفة عامة وبكل ما هو تنويري في تراثنا الحضاري الذي يزخر به المجتمع المغربي من تعدد ثقافي ولغوي و بكل ما يمثله تاريخه الكفاحي من أجل الحرية والكرامة  و ذاكرته الجماعية المشرقة التي عمدت الدولة المخزنية والقوى السياسية الي تحريفها بشكل ممنهج بما يخدم استراتيجيتها في الاستمرارية والتحكم القائمة علي مبدأ الوحدة الوطنية والقومية العربية  المعدمة للتعدد وللهوية الأمازيغية للمغرب ولم يقم اليسار يوما علي منازعتهم فيها و إماطة اللثام عليها ومن ثم إدراجها ضمن تصوراته وآليات مواجهته لهم.بل استكان لمنطق الدكاكين السياسية  التي تسعي  للنقاوة الأيديولوجية ولا تري مخرجا لأزمة اليسار الا في عملية تجميع كياناته المازومة.  

ان هذا التحفظ الذي يمكن أن يبديه اي مشروع سياسي يساري ديمقراطي يطرح نفسه بديلا في التعاطي والانفتاح علي الكتل السياسية اليسارية يجد مصوغاته كذلك في واقع التشرذم و الإحباط  الذي يعيشه الكثير من مناضليه ونخبه السياسية التي عملت الدولة علي الادماج المتدرج للكثير منها في هياكلها الإدارية والاقتصادية والسياسية وذلك بعد أن استشعرت هذه النخب هزيمتها وفشل مشروعها المجتمعي كما صاغته واعتقدت به وناضلت من أجله في مراحل تاريخية معينة وذلك مع انطلاق ما سمي بالعهد الجديد الذي اوعز اليها مهمة الإشراف علي  مسلسل الإنصاف والمصالحة وتكفلها بمهمة انجازها رغم كل الخروقات التي شابتها شكلا ومضمونا وتصدرت الدفاع علي هذه التجربة أكثر من النظام نفسه وسوقت لها داخليا وخارجيا متبنية بدورها ما كانت تنتقده بشدة لدي احزاب الحركة الوطنية حين اعتقدت هذه الاخيرة بالمسلسل الديمقراطي الذي أطلقه الملك الراحل في السبعينات من القرن الماضي وان التغيير ممكن من داخل الدولة الي ان تم استيعابها بشكل كلي فكان هي من فتغيرت في اتجاه المخزنة ولم تتغير الدولة في اتجاه الدمقرطة فتآكلت نخبها تدريجيًا حتي أصبحت في الوضع الذي هي عليه اليوم.

إذن فان المشروع الذي نحن بصدد طرحه اليوم اذا لم يستطع استيعاب الدروس من تاريخنا السياسي الحديث و الوقوف عند الأسباب الصريحة الكامنة  وراء فشل كل هذه التجارب السياسية ابتداء من تجربة الحركة الوطنية وانتهاء بقوي  اليسار الجديد وتفرعاتهما  في أنجاز مهام الانتقال الي الديمقراطية وما استتبعه من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي مأزوم وفر كل الظروف الخصبة لصعود القوي الأصولية الإسلامية التي أضحت تطرح نفسها بديلا مقبولا شعبيا بعد أن يأس من الفشل المتكرر للمشاريع السياسية السابقة في طبعتيها الوطنية واليسارية. وإذا لم نستطع تلمس أخطائنا في هذه المرحلة التي تقتضي منا النضال من أجل الديمقراطية وضد الأصولية الإسلامية وذلك من خلال الإجابة علي أماكن الخلل فينا وإعادة قراءة تاريخنا وتاريخ مجتمعنا وآليات مقاومته لكل أشكال الاستبداد السياسي والاقتصادي والثقافي والديني وتمثل متطلباته واحتياجاته في العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والكرامة وفهم تاريخ المغرب وتاريخ تعاقب الدول فيه والتغيرات السياسية الكبري التي عرفها عبر تاريخه العريق الذي شكلت   فيه الهوامش بالمفهوم الذي تطلقه أنظمة الحكم المركزية  في توصيف المجال الذي يقع خارج منطقة تمركزسيادة سلطتها  السياسية والاقتصادية  او جهاته التاريخية بالمفهوم الديمقراطي الذي يري في الجهات مجالات سيادية شريكة في صناعة القرار الوطني  وبناء الدولة الديمقراطية، الدور المحدد والفاعل الأساسي في تغيير وتثبيت أنظمة حكم جديدة وليس المجال المركزي الذي يحضنها والخاضع لهيمنتها المطلقة من خلال أتقانها لأدوات تحكمها فيه وعليه ، وهي بالتالي اي الجهات التاريخية من كان يصنع اللحظات المفصلية في تاريخ المغرب وليس عواصمه.

إذن فان اي محاولة لتجميع ما تشتت من اليسار أو من هم لازال منتظما علي أفكار وتصورات  سياسية و  تنظيمية استنفذت تاريخيا في إطار التجارب الفاشلة المتعددة لليسار المغربي لا يمكنها كذلك إلا أن تؤدي الي مزيد من الإحباط وتهيئ الظروف لما تبقي من نخبه الفكرية والثقافية والسياسية لأن تصبح وقودا محتملا لتجديد هياكل الدولة المخزنية ولنظامها السياسي وسيشكل من سبق والتحق من هم نموذجا يحتدى  به لمن تبقي أو سيأتي منهم وكان قدر اليساريين الديمقراطيين المغاربة هو تجديد دورة الحياة للدولة المخزنية، بعد أن تصدروا النضال من اجل مهام كان من المفروض أن تتولاها القوي الليبرالية لو وتواجدت فعلا كقوة سياسية مدركة لمهامها التاريخية، وذلك بعد أن استنفذت  احزاب الكتلة الديمقراطية هذه المهام وشاخت في عمرها السياسي والبيولوجي.

إذن يمكننا القول إن  المرحلة دقيقة بما تشكله من واقع محجوز و بما تتسم بها من تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية وما تفرضه من تحديات تتطلب تكاتف جهود كل الفعاليات الديمقراطية والحداثية أفرادا ومجموعات طالما  لم تتورط  فيما شهده ويشهده المغرب من إفساد للعملية السياسية من جهة والتي هي مستعدة لإجراء مراجعات عميقة وجوهرية لمجمل تصوراتها من جهة ثانية من أجل إطلاق النقاشات العمومية حول كل هذه القضايا في أفق تأسيس حركة سياسية مجتمعية بديلة محفزة للنخب الفكرية والثقافية، حركة سياسية تروم الى تحرير المشهد السياسي المغربي من الكائنات السياسية التي تتحمل الي جانب الدولة المخزنية قسطا وافرا من المسؤولية في إفشال عملية الانتقال الديمقراطي  وفي كل ما حدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان من خلال مشاركتها في الكثير من الاستحقاقات السياسية والحكومات الصورية المتعاقبة التي توجتها وعملت من خلالها كذالك علي إضفاء الشرعية علي سلطة الاستبداد والحكم الفردي الذي أقر العالم والمؤسسة الملكية نفسها ولو ضمنيا بطبيعته الدكتاتورية من خلال تبني المغرب رسميا لموضوع العدالة الانتقالية التي خصت بها الأمم المتحدة  الشعوب التي عرفت أنظمة شمولية واستبدادية وليس الأمم الديمقراطية. وبذالك تكون  هذه القوي كذلك قد ارتبطت مصالحها الاقتصادية والسياسية بلوبيات الفساد للدولة المخزنية العتيقة المطلوب تغييرها.

كما أن علي هذه الحركة واجب إعادة صياغة الأرضية الثقافية والفكرية والسياسية وفق تصورات جديدة تقطع مع الأساطير المؤسسة للفكر السياسي المغربي المعاصر وتتحرر من مخلفات الماضي التي نتجت عن عقود من الممارسة السياسية والاقتصادية  الفاسدة  أدخلت بموجبها  فئات واسعة من المجتمع المغربي في هشاشة شاملة واغتراب هوياتي و روحي ينزع نحو التطرف واللا تسامح وكل أشكال التمييز مما يعيق اي فعل فكري وسياسي يروم الي إحقاق قيم العدالة والحرية والديمقراطية الضرورة لأي ممارسة سياسية نزيهة قوامها التنافس الديمقراطي علي اساس البرامج وممارسة السلطة علي قاعدة المسؤولية والمحاسبة. وهي الأرضية البديلة التي علي هذه الحركة كذالك واجب تثبيتها وتسييدها بالشكل الذي سيوفر الظروف الخصبة لتشكل مشهد حزبي جديد.

إذن فبالقدر الذي يجب علي هذه الحركة أن تتسم به من وضوح في تصوراتها ومواقفها من  المسألة الديمقراطية يجب عليها كذالك أن تتخذ موقفا حازما من المشهد الحزبي المغربي ومن طبيعة الدولة والمؤسسة الملكية كمسؤولين تاريخيين علي واقع الأزمة الشاملة التي تكاد تعصف بالجميع وذالك بعيدا عن أي مجاملات سياسية تروم الي إخفاء الحقيقة والتي يمكن أن تنم عن تحريفية سياسية جديدة تسعي الي إعادة إنتاج التجارب الفاشلة السابقة وتزيد من حدة  التوتر والقلق الناتجين عن واقع الأزمة التي يعيشها المجتمع المغربي.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.