Your Content Here
اليوم الثلاثاء 20 أغسطس 2019 - 4:37 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 16 مايو 2017 - 11:01 مساءً

وجهة نظر موجزة في الإثتية والأمازيغية والصراع الطبقي

 

عمر سعلي 

أعرف أن إنصاف هذا العنوان لا يحتاج إلى مقال أو اثنين ، إنما إلى أبحاث واجتهادات جدية عميقة ومتكاملة ،ذلك هو التحدي الأن في تزويد الذهنية بمزيد من الأفاق والطاقة، التي تمّكن ماديا من تجاوز حصول الإرتباك وقلة الإجابات في حركتنا، ومن جهتها أيضا محاولة لإمتلاك قدرة دفع التنوع الذي بيننا بعجلات ديموقراطية كافية لإحراز تقدم نوعي في الذهنية والحركة،لابد إذن من خلق الدينامية في الفكر وبلورة حل يتناسب وموقع منطقتنا المتقدم ورصيدها في النضال إلى جانب شعوب شمال أفريقيا ،ورزمة هذه الحلول المقدمة منذ خمسين سنة بهذه الأرض لم تخرج عن دائرة محاولة معالجة أم المشاكل ، تلك المتمحورة دائما حول إشكالية البناء الغير الديموقراطي والغير الملتف على ثقافة الشعب الذي قامت عليه الدولة المغربية الحديثة ، إنها محاولة مني هاوية رغم تشعب المعارف أمامي وصعوبة تثبيت الأسلوب حتى ، ورغم ذلك  آمنت بأهمية الرصد وتسليط الضوء وتنبيه الباحث إلى الميادين الأكثر فقرا من ناحية تناولها وتعميق البحث فيها.

في عز الأخطار المحدقة بالمجتمعات أو في حالة خضم عسر ذهني لإبداع  نظريات التحرر الأقرب إلى الحقيقة الطبيعية والتاريخية لهذه المجتمعات ، تقول التجربة دائما أن المجتمعات هذه غالبا ما تستدرك أن القوة تكمن في داخلها ،وسواء كان هذا الإستدراك واعيا عبر الفكر والحركة القاصدة أم فطريا عاطفيا ،فإنه في كلا الحالتين يظل هذا ذا وضوح بيّن تجدر ملاحظته وتحليله والإستقواء به لحظة الأخطار ، وفي وجه كل أشكال الإذابة الثقافية وضد المستغل أيضا الناهب لقيمة كدحنا .

وجهة نظر أمازيغية في الأمازيغية

إن النضال الأمازيغي لابد أن يكون نضال ضد احتكارات السلطة ورأس المال ، وضد الحداثة الرأسمالية وتدفقها في شمال إفريقيا ، وضد التدوًّل المشوّه بايديولوجيته وذهنيته ،وضد الشكل السياسي الحالي للدولة المغربية الذي انبثق من مكر وخيانة ،فالمجتمع الأمازيغي تاريخيا لم يكن يوما من الأيام على وفاق مع الأشكال السياسية الإحتكارية في الثقافة أو في الإقتصاد ، وتاريخيا كذلك تمثلت أهم  بوادر بروز هذا التناقض بين المجتمع الأمازيغي والإحتكار مع البديات الأولى لتعرف هذا المجتمع على أول ديانة توحيدية متمدنة ، وأقصد المتدفقة من احتكارية روما ،إذ رغم استمرار الديانات الوثنية لدى شعوب شمال أفريقيا إلاّ أن المجموعات الأمازيغية التي اعتنقت المسيحية بعد أن أصبحت دينا رسميا لروما(380م)، لم يمر اعتناقها لهذا الدين إلاّ عبر عملية نزع فائقة الدقة لكل شوائب السلطة والتقديس وشرعنة الإستغلال والحروب التي أضافتها المدنية الإحتكارية في روما على المسيحية ،بل وتعدى هذا التقبل المشروط للأفكار المسيحية بما يتلائم والمجتمع الأخلاقي الأمازيغي إلى مستوى الحركة كذلك ، أقصد تلك المقارعة المشهودة لمسيحية السلطة التي ما فتئ الغزاة الرومان يستوردونها عبر مستوطينهم وبعثاتهم ، بمسيحية أخرى من إنتاج المتنورين الأمازيغ أنفسهم والتي تمثلت  في كل من الحركة المسيحية الدوناتية الأمازيغية بقيادة الزعيم الديني الأمازيغي دونات، والتي مثلت أهم حركة ثورية اجتماعية ذات طابع اشتراكي تأخذ على عاتقها طرد المستعمر الروماني والقضاء على ما تركه من أخلاق المدنية العبودية التي جلبها الغزاة الرومان معهم ، كما مثل خطاب هذه الحركة حسب أغلب المصادر التي بين أيدينا جانبا من المناعة التي يحاول بها المجتمع الأمازيغي جاهدا للحد من خطورة نمو العبودية وتحصنه من مخاطر تمأسس الإحتكار، وذلك بمزيد من المعركة الأخلاقية.

إذا كان وضع المرأة ودرجة حريتها معيارا قويا وأمميا عن وضع المجتمعات القديمة والحريات فيها ، فإن نقاش وضعها ضمن التطور التاريخي للمجتمع الأمازيغي لأهم بحث وموضوع قادر على مدنا بمزيد من الحقائق العملاقة عن المجتمعية الأمازيغية ، ومنها الذهنية التي سادت في مختلف الأطوار التي مرت به الشعوب الأمازيغية في شمال أفريقيا ، إن المجتمع الذكوري لم يعرفه الأمازيغ قط، سواء في فترة ما قبل “الفتح” الإسلامي أو بعده في الأحزمة البعيدة عن التمدن (التمدن وفق تحليلات فرنان بروديل لتاريخ الإقتصاد ) ، إذ أن المرأة في المجتمع الأمازيغي هي من كانت تمتلك الدور المحوري في الإقتصاد (الإقتصاد المنزلي الذي يمثل التضاد مع  الإقتصاد الإحتكاري/التعريف الإغريقي ) و هي كل شئ في الأسرة و السياسة والحكمة (الراهبة) ، حيث كل ميثلوجية الأمازيغ قائمة على أركان هذه الحقيقة الإجتماعية ، منها  التعبد الوثني الواسع النطاق الذي ساد عند أمازيغ شمال إفريقيا والمتمحور حول تقديس الإنتاج (الخصوبة) وتأليه الإلهة الأنثى ، كتعبير أثبتت الدراسات السيوسيولوجية أنه مثل أرقى درجات الذهنية في مجتمع أخلاقي ايكولوجي تفتقد فيها الهرمية والعبودية مقوماتها الميتافزيقية والعملية،وبالتالي لم يكن بوسع وحش المجتمع الهرمي الظهور والتفوق إلاّ عبر إعلان الحرب المادية والأخلاقية على المرأة وحريتها ، حيث كان على الدوام تدمير المجتمع الأخلاقي وإحلال المجتمع الهرمي ومن ثم العبودي محله لا يمر إلاّ عبر حساب وضع و دور المرأة، تلك الحقيقة التي لم تغفلها معظم الدراسات السوسيولوجية  التي تناولت ظهور الهرمية ، ومن جانبنا نحن أيضا لن نغفل مثال الكاهنة الأمازيغية (الحكيمة) دهيا التي جسدت في ملحمتها المادية روح المجتمع الحر ضد فيضان البرابرة الحقيقيين،وهي الصورة الرمزية الواضحة عن مقاومة الثقافة الإيديولوجية  المتمحورة حول المرأة والأرض ضد ميثولوجية الدولة المتمحورة حول الهرمية والذكورية والسلطة ، ثالوث الموت والغزوات وتدمير البيئة والثقافة والإنسان .

إن  المجتمع الأمازيغي كان مجتمعا أخلاقيا بامتياز (غير رأسمالي ،ايكولوجي ،ديموقراطي ) وهو أقرب إلى المجتمع الطبيعي في حضور الحرية والفضيلة والفن الغير المبضّع وقيم الجمال، الحقيقة التي تظل تؤكدها وضعية المرأة وقيمة الأرض المنعكسة على الإدارة والقانون (أقصى عقوبة للقاتل هي النفي /قدسية الأرض ،) وديموغرافيا عرف المجتمع الأمازيغي  أنه (مجتمع مستقر لا مترحل ) ، هذا يعني في المحصلة وجود مجتمع على قدر كبير من النضج الأخلاقي و الإداري وبالتالي لم يكن يحتاج إلى نظام أخلاقي جديد ، كالذي جاء وصيّغ  لمجتمع القبائل العربية في الصحراء بغية حل أزمتها (قضية وأد البنات وإشكالية بناء الدولة مثلا ..) ، كون ظهور الأديان وصراعها تقرأ من الزاوية السوسيولجية والإقتصادية كونها تعبيرا عن ذهنية المكونات الإجتماعية التي تواجدت وتطورت في الشرق الأوسط ، خاصة من ناحية نتائج نمو المدنية (المدن-الدول العبودية  ) وما جنته من ويلات قاسية على المجتمع الأخلاقي في الشرق الأوسط ،خاصة مدنية السومريين /النماردة ، أوفي المدينة العبودية في مصر / الفراعنة ، بحيث أينما أنشأت حركة فقراء تحررية (نضال النبي عيسى /النبي ابراهيم ) كان هناك استعباد واستعمار (الغزو اليوناني للشرق الأوسط/المدينة العبودية في نينوى ) وحيث كان هناك مجتمع بدوي يفتقر للقانون كانت هناك شريعة (الإسلام ) وبالنسبة لدعوة النبي موسى فيمكن قرائتها اجتماعيا بثورة أقلية تبحث عن الدولة والإستقرار والتحرر، نفس النتيجة التي خلص إليها أيضا الفيلسوف وعالم الاّهوت اليهودي اسبنوزا في أبحاثه ومناقشاته ، رغم أن الهدف الأساسي المحرك لإستنتاجاته هو هجومه المستتر على سلطة الكنيسة الكاثوليكية تحت قناع الدفاع عن العلمانية والدولة المدنية ، أما مصطلح العلمانية هنا فتجاوزا لأنها لم يكن قد تداول أيام اسبينوزا .

إذا كانت مشاكل البيئة تلخص تناقض الطبيعة والمجتمع مع احتكارات الرأسمالية ومبدأ الربح الاّمحدود فيها فإن حرب الحداثة المعلنة على الأخلاق وتسيّس المجتمع نابعة أيضا من تناقضها مع المجتمع السياسي والأخلاقي ، فالمسألة البيئية ليس  ميدان يمكن حمايته بالقانون فقط ، فنقاط احتكاك الفرد مع البيئة لا حدود له ، هنا تطرح الأخلاق أهميتها كأس في القضية الإيكولوجية وحلها ،وإشكالية الإيكولوجيا هذه لم ينشئها مجتمع الإنسان المعمر مئتي ألف عام، وإنما أنتجها تغول تحالف ثنائية السلطة والإحتكار ، أي أنها نتيجة لوجود طبقية ،( الأغنياء يدمرون البيئة لمراكمة أرباحهم والفقراء يدمرون البيئة لتوفير مصدر رزق يومهم ) وبالتالي خوض النضال الإيكولوجي لا يمكن إلاّ أن يكون نضالا يساريا مفعما بروح المجتمع الأخلاقي ، وهنا بالظبط يبرز جانب من الجوانب التي يظهر فيها للأسف كسل الحركات اللبيرالية التي تتدعي تمثيل الأمازيغية ومجتمعها.

لا يمكن للرأسمالية إذن وقرينها الإحتكار أن تشرعن ذاتها في ظل وجود ذكاء عاطفي ، أي وجود ذهنية متمحورة حول البيئة والمرأة ، ثقافيا أو ميثولوجيا ، وإن انهزمت هذه المقومات فإن البعد الأخلاقي سيزال حاضرا في لا شعور المجتمعية الأمازيغية ومنها المعاني في اللغة كمثال أقرب إلى التناول اليومي وإلى فهمها وإدراكها رغم كل التشوهات التي طالت هذا المجتمع ، هنا يتجلى مرة أخرى التناقض الصريح بين الرأسمالية القائمة على الذكاء التحليلي وإدامة الربح بأحابيل الخداع والإستعراض وبين قوة حضور المعنى في إنتاجات المجتمع التاريخي الأمازيغي ،لكن ورغم هذه الحقائق الجلية ، للأسف أن الفلسفة السياسية والممارسة العملية للحركات التي تقدم نفسها ناطقا بإسم الأمازيغ قد تحولت بقصد أو بدون قصد وبسبب خذلانها لجوهر المجتمعية الأمازيغية ،إلى أحد أخطر منافذ الحداثة الرأسمالية وبالتالي إلى كائنات وظيفية تشكل خطرا على الأمازيغية نفسها وستظل على الدوام تكبح جماح جوهر وحقيقة المجتمع الأمازيغي ،الذي يواجه أخطر مسعى لإفراغ مضمونه وحقيقته بعد أن نجت بعض أطرافه من التعريب ، بهكذا النوع من الحركات اللبيرالية الفلكلورية.

إن تدمير الفلاحة الممنهج والمجال الزراعي المعمر منذ العصر أواسط العصر الحجري لضمن المخططات المعروفة في سردنا ،فلا وصف يصف ذعر حراس الرأسمالية من المجتمعات الإيكولوجية ،إذ أصبح فصل الفلاح عن أرضه عاطفيا ووجدانيا مع طلاء ميدان الزراعة بكل ألوان وويلات الرأسمالية، أي بإسهال الصناعة واحتكار رأس المال ،قد أصبح منذ ستين عاما مهمة عاجلة أمام الرأسمالية وحراسها الإقليميين ، فتدمير الزراعة المعيشية هو تدمير لأي علاقة ممكنة مع الأرض ،وهو أسلوب من أساليب الحداثة الرأسمالية لضمان فائض دائم للعاطلين عن العمل ،وهو نهج يراد منه ضمان سلطة دائمة أيضا لرؤوس الأموال ، ومنه يصير العامل خائف ومهووس من فقدانه العمل ، وبالتالي سيصح حتما عاجز نفسيا بما يراه من بطالة مشتشرية على تنظيم نفسه في نضالات رفع  الأجور ، حتى لا أفهم خطأ مرة أخرى ، فإني لا أنصب نفسي عدوا للمدينة ،وجودها ودورها ، وإنما أحاول أن أثبت ملاحظاتي فقط وسأخلص إلى الدفاع عن أهمية وحيوية التوازن بين القرية والمدينة ، وتخليص الأخيرة من توّرم الرأسمال والبروقراطية فيها، إنه التنبيه على التحلي بالتيقظ الدائم من طبيعة التنمية الوافدة وأهدافها ، وأقرب “التنميات” لنا في اعتقادي، تلك التنمية القائمة على مبدأ الخصوصية في الثقافة والإيكولوجية.

على ضوء ما سبق تجدر ملاحظة أن تحقق الأخلاق في المجتمع دافعة لإستيعاب السياسة ، وتحقق التسيّس في المجتمع بادرة على تحرره ، هذه هي الحقيقة التي استوعبتها الرأسمالية ومؤسساتها ،وليس النفخ في الحريات الفردية مقابل كبح الحريات الجماعية أو تشويه أهدافها إلأ مقدمة وجزء جبل الثلج الطافي في مسيرة شرعنتها للإحتكار و حربها على الأخلاق المجتمعية وتعويضها بأخلاق السلطة والفردانية (الأنا الإمبراطورة والسباق المحموم على المصالح الفردية) ، وإن بحث الجيل الحالي على هوية ما من خلال تشجيع فرق كرة القدم إلاّ مظهر مبسّط من التخريبات الجمّة والتشويه المتفاني فيه الذي يطال عمدا الروح الجماعية للبشر…

وجهة نظر في الإثنية من الريف .

لقد ساعدنا طرحنا لموضوع الأمازيغية في الجزء الأول إلى التقرب أكثر من شرح صميم مقولة التناقض بين تاريخ السلطة والإحتكار بكل ماديتها وذهنيتها وبين تاريخ المجتمع بكل تجلياته الذهنية والإيكولوجية ، فالرأسمالية وقبلها الإقطاعية وقبل الإقطاعية حيث التاريخ الطويل من المدن_الدول ونمطها الإنتاجي العبودي إنما هي تشوهات طارئة ومتطفلة على المجتمع ، فالرأسمالية في تفسيرنا المعدل ليست ذلك الوجه التقدمي للإستغلال الذي وقف على أنقاض الإقطاعية ،إنما هو نسيج واستمرار لتدفق تاريخي يجد ضالته دائما في التورم على الإقتصاد والإنتعاش من السلطة والهرمية بحيث لم يترك شئيا ماديا إلاّ واستغله ولا مثالية إلاّ واستخدمه لصالحه (الفن المبضّع،الجنس المبضّع،الرياضة المبضعة،العلموية والشكليات ،ألهة الأستغلال بعد سقوط الكنيسة) ، لكن ورغم ذلك فالرأسمالية في جميع الأحوال لم تسطيع أن تصبغ طور تاريخي ما بلونها كليا ، فتاريخيا تعداد الرأسماليين-البروليتاريين لا يعدوا أن يحتل أكثر من 20 في المئة من كامل المجتمع في كل طور ، وعلميا الأن وفي عصر الرأسمالية الصناعوية والإمبريالية المنيّبة (بأنياب) الإرهاب ،لا يمكن أن يستمر هذا الإسهال في الصناعة دون مجتمعات غير صناعية ، ووجود هذه الحقيقة كافية بأن تبرز وجود مجتمعات غير رأسمالية ووجود مجتمعات غير رأسمالية يؤكد ما ذهبنا إليه أنفا أن التحليلات التي بصدد نظرية الصراع الطبقي حقيقة ، لكنها في نفس الوقت لا تمثل كل الحقيقة ، ومن نواقص المادية التاريخية انحيازها إلى العلمية والوضعية ذات المنشأ الأوربي واغترابها عن بعض الحقائق الطبيعية في المجتمع، أقصد تغلب الإيديولوجيا عن السوسيولوجيا ، وبالتالي كان لابد من مؤازرة الإستنتاجات الفكرية الخالصة من تطبيقات الجدلية بالدراسات العميقة العاكسة للحقيقة الإجتماعية ،وحتى لا نسقط في الدغمائية ونخسر كل الطاقة في محاولة نحت مضنية لصرح المجتمع التاريخي العظيم الذي ساهم في تشييده ألاف الملايين من الرجال والنساء والتضحيات ، ليستجيب لقاعدة أو نص ساهم في وضعه فرد أو فردان ، هنا حتى لا أفهم خطأ ،فإني لا أسخر من العلوم ، إنما كل التنبيه على أهمية  الدراسة والبحث الإجتماعيين، والدراسة نفسها ليست شيكا على بياض أمام فكي العلم والعلموية لتجزيئها ونحتها مرة أخرى على مقاس “المؤسسة” ، إنما هي في رتبة الأدوار الجليلة التي تنتظر من أخذ على عاتقهم أصعب المهمات التاريخية والإجتماعية في سبيل انعتاق الشعوب واسترداد حياتها الحرة أو في سبيل وقف النهاية المتدحرجة لكامل الحياة بسبب الإحتكار والإستغلال ودمار الإيكولوجيا والنزيف البيئي .

لاشك أن ظاهرة الإثنية التي كان لها الدور الأساسي في سحق الإستعمار الإسباني في منطقة الريف ،هي أحد مظاهر مقاومة  المجتمع الأخلاقي وحفاظه على ذاته ومجتمعيته ، إدارتها وثقافتها ، وانطلاق هذه الظاهرة الإجتماعية أي الإثنية كان من المجتمع الطبيعي واستمرارها قد صبغ المجتمع الذي سميناه أخلاقيا ، أي الغير المرسمل ،وهذا المجتمع والطور ليس كما صوره إنجلز كمرحلة تم تخطيها ونفيها ،بل على العكس إذ من غير الصواب أن نتسلح باستنتاجات انجلز في كل بقاع الكرة الأرضية وهذا هو عمق فهمنا لمقولة التحليل الملموس للواقع الملموس ، أي أن التناقض الكائن في خصوصيتنا نحن إن أردنا إيضاحه وتسميته فلاشك أنه هو التناقض بين المجتمع الأخلاقي الإيكولوجي وبين “مؤسسة” السلطوية والإحتكار والإستغلال، تلك الموظفة لأسلوبي الحقيقة من الميثولوجية لتخدير المجتمع واستبعاده والعلم لإستغلاله هو وإيكولوجيته وتثبيت الفردية فيه وتكريس الأنانية والاّخلقية ،يحدث هذا رغم أن العلم والمتافيزيقيا كلاهما إنتاجان إجتماعيان والمجتمع أحق بهما من السلطة ، فعودتهما إلى كنف المجتمع مرة أخرى مهمة تقف على عاتق المتنورين ، من أمثال الإيكلوجيين وحركاتهم ، المرأة وحركتها ،رجال الدين ومواعظهم (مواعظ فقط وليست حركة سياسية) ،وبجانبهم أكادميات السوسيولوجيا المرنة الأسلوب (خلاف العلموية والوضعية )   يعني هذا، أن الإنكباب على نقد الإستغلال لابد أن يمر على نقد وشرح مستفيض لمفهوم الدولة ، ونقد الدولة لا يعني البدئ توا بهدمها بل هو أولا الإنغماس في معالجة مصادر قوة الدولة وهي أيضا هدم ركائزها المعنوية والتاريخية ، وهما ثالوث السلطة والهرمية والإستغلال ، وفي تطورها في الحداثة الرأسمالية حيث تقنعت بالحرية الفردية والإستهلاك والصناعة الغير الإيكولوجية هذا وبالرغم من أن علماء “المؤسسة” والدولة السوسيولوجيين ومنظري الحركات الثورية لم يتقدموا جديا في معالجة هذه الأطروحة فإن طرحها ومعالجتها ضمن خصوصياتنا ليس مانعا أو محرما ،في هذا الباب تحديدا نستشعر حاجتنا لأبحاث من هذا النوع .

أرد على من زعم أن مصالح الإستعمار أو الإمبريالية تلتقي مع الإثنية (الإثنية بحقيقة كقيم مجتمعية وليس في أدلجتها ) فإني أعتبره كسل ،فالإثنية ضاربة جذورها في التاريخ قبل الرأسمالية وقبل تشكل أول دولة قومية أو أمة في العالم، والإثنية بطبعها وبنيتها الإجتماعية هي من حافظت على أخلاق المجتمع الطبيعي الحر وهي من وقفت بعد ذلك في وجه الغزو والإذابات الثقافية وهي التي ستحرس المجتمع الإيكولوجي الذي طرحناه أنفا ووضعناه على النقيض من سلطة الإستغلال والعنف ، والأجدر هنا القول وكخلاصة للفكرة أن التعبير الإيديولوجي على الإثنية هو من يخدم الرأسمالية وليست الإثنية كحقيقة اجتماعية واقعية وتاريخية.

لا يجب أن نرى الإثنية شكلا بدائيا متجاوزا غارق في الرجعية والتخلف أو مرحلة تاريخية متجاوزة كما عالجها العلمويين، لبيراليون كانوا أم اشتراكيون ، فمضمون الإثنية أي المجتمع الأخلاقي لم يفنى ولو أثقلته السلطة بتشويه ذهنيته بالإستغلال ،وإننا نعتقد أن أي طور من حركة التاريخ لم يفني نقيضه بشكل كامل ومطلق بقدر ما هي الكرة الأرضية متسعة في الوقت نفسه لكل أنماط الإنتاج وبالتالي لكل أشكال المجتمعية  ، خصوصا المجتعات البعيدة عن شريط تطور الرأسمالية.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.