Your Content Here
اليوم الأحد 9 أغسطس 2020 - 11:53 صباحًا
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الخميس 4 مايو 2017 - 1:42 مساءً

ذاكرة التحولات الإجتماعية في الريف من أواخر القرن 18 إلى بداية القرن 21

 

مرزوق الحقوني

    لقد تم نشر فحوى هذا المقال منذ زمن , ورأيت أن أعيد نشره في الظرف الراهن مع شيء من الزيادة والتنقيح.

  إذا كانت جغرافيا منطقة ما من العالم جسدا تجري عليه الأحداث والتفاعلات المختلفة , لكونه يحمل كائنات متصارعة على البقاء , فإن التاريخ يعتبر روحا لذلك الجسد لكونه يجسد المجال الزماني لصيرورة تلك الأحداث   والصراعات .

     وبما أن هذا الجسد( الجغرافيا )لايمكن أن يتوحد في كل مناطق الأرض فإن ذلك الروح( التاريخ )لايمكن أن يصور كشريط زماني غير ذي تمفصلات يتفرد كل منها بخصائصها ومميزاتها , وهذه التمفصلات هي ما يطلق عليها  (( الكتل التاريخية (1))) . والكتلة التاريخية هي العلاقة العضوية بين البنية الاقتصاديةالاجتماعية  والبنية الفوقية , والمسئول عن نسج هذه العلاقات هم المؤدلجون (= المؤطرون الأيديولوجيون للنسق ) , وفي الحديث عن التحولات الاجتماعية لايستغنى عن مفهوم الكتلة التاريخية .

     والكتلة التريخية في زمكانية منطقة الريف لا يمكن حصرها والإحاطة بكليتها , لأن جسد الريف ضارب في عمق الماضي , ولكن يمكن أن نتناول التمفصلات الزمانية الأكثر حداثة لكونها نعاين نتائجها حاليا وبكثافة , وهي مراحل ثلاث : مرحلة ما قبل الاستعمار – مرحلة الاستعمار-  مرحلة الاستقلال .

01) مرحلة ما قبل الاستعمار :

      تتميز هذه المرحلة بكونها مرحلة زراعية بالدرجة الأولى , زراعة تتميز بالركود , كل شيء فيها قار, ولم يحدث أن تطور شيء سواء فيما يتعلق بأدوات الزراعة أوبنية المجتمع الذي ينتظم في نسق تدرجي يبدأ من الفلاح الكبير صاحب الأرض الكثيرة ثم الرباع أو الخماس ثم المكلف بالرعي … مع الإحالة إلى أن شريحة أخرى من المجتمع كانت تمثل ما يشيه  الهيئة المعرفية وهم رجال الدين الذين كانوا يجمعون بين عدة وظائف : التدريس – الامامة – البث في المشاكل – الشهادة على الوزاج – الشهادة على تقسيم الأراضي بين الورثة – الاستشفاء عن طريق التمائم – الوساطة بين الأحياء وأموات الأولياء . وهؤلاء غالبا ما يكونون  في صف الملاكين الكبار .

    وهذا النسق التدرجي يوازيه نسق آخر والذي يتمثل في الهيئة المشرعة والتي تبث في الشؤون العامة والهامة ,  وخصوصا على مستوى العلاقات الخارجية ,  وهذه الهيئة يكون على رأسها شيخ القبيلة (أمغار ) ومعاونوه الأقربون والذين قد يكونون علماء فقه في حالات نادرة , والهيئة هذه تستمد قوتها وهيبتها من كبار الملاكين الذين في أيديهم سر الحل والعقد لكونهم هم المسيطرون على موارد الرزق .

     لدينا إذن بنيتان :  بنية فوقية تتكون من الملاكين والأعيان ومؤد لجيهم وبنية تحتية تتكون من الهيئة المشتغلة بالعضلات مع التمفصل الحاصل بينهما , والمنسوج من طرف فئة إجتماعية معينة هي الفئة المؤدلجة لها والحافظة على بقائها .

    إن مجتمعا كالذي رأينا لابد أن تحكمه خلفيات صراع يهيمن فيه نسق من القيم الثقافية ( ألأيديولوجيا )  التي  تتحرك في الخفاء ثم لاتلبث أن تظهر في شكل سلوكات تعتبر في حقيقة الأمر شاهدا على زمن القطع لهذه الكتلة التاريخية , والتي تتمثل في البحث عن موارد الرزق بطريقة أخرى كالهجرة إلى خارج الريف ,خصوصا وفي هذا الوقت كانت منطقة الريف قد وضعت ضمن مخطط الدول الكولونيالية التي قامت بتصدير الاستعمار وضمنه جهاز الدولة الكولونيالية الذي وضع منطقة الريف فجأة في صيرورة تاريخية مليئة بتناقضات هي من صنع جدلية التاريخ , فدخل الريف في مرحلة تاريخية أخرى , هي مرحلة الاستعمار

02 )  مرحلة الاستعمار  :

       تعتبر المرحلة التي تعرض الريف فيها للاستعمار هي الزمن الفاصل بين العلاقات الاجتماعية القديمة

     مرحلة الزراعة الراكدة وما بعدها , مع تنامي المرحلة الاستعمارية ولد نوع جديد من النسق الاجتماعي الذي كان السبب الرئيسي في ظهوره هو التغيير الذي لحق التعامل مع الأرض الأم الذي أصبح فقط نوعا من الحب وليس كمصدر وحيد للرزق . إذ عرفت المنطقة نقصا في اليد العاملة بسبب الهجرة إلى خارج الريف (= الجزائر , والذي كان يسمى الشاق(= الشرق) آنذاك ) من جهة ,ونتيجة التحاق الشباب بتنظيمات المقاومة من جهة أخرى . ومع أن الانقطاع مع الأرض لم يكن كليا إلاأن التعامل النقدي الذي  صاحب قدوم المهاجرين من خارج الريف غير وجه المجتمع , فأصبح الغني هو من يملك النقود  و الذي يستطيع شراء كل شيء, وليس من لديه عدد من أكوام التبن ومطامير لخزن الحبوب , وهدا ما أدى إلى تفويت أراض كثيرة من مالك إلى آخر بسبب وجود العملة النقدية الكافية لذلك , بالإضافة إلى عملية تفويت الأراضي إلى اليد العاملة من طرف زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي .

      إن ظهور هذه الفئة ونسجها لاقتصاد جديد أدى إلى نشوء علاقات اجتماعية رأسمالية إذ  أن ملاكي الأرض الكبار  لم يكن لديهم فائض في العمالة حتى يفرضوا تحديد الأجور . و تحررت اليد العملة من سلطة العائلات شبه الإقطاعية وأصبحت حرة واختارت الهجرة.

      من المعروف أن مقاومة الريف للاستعمار ظهرت مع بدايته 1914.حيث كان زعيمها الأول محمد أمزيان ,  في الريف الشرقي, ثم بعده محمد بن عبد الكريم الخطابي والمعروف في الريف بمولاي موحند, وهذه المقاومة كانت نموذجا عملاقا لأسلوب المقاومة وحرب العصابات , ولو أن جنودها لم يتلقوا تدريبا عسكريا يذكر, بل تكوينهم كان طبيعيا , وأحسن تكوين ما كان علي يد الأرض الأم.

     ومع دخول المقاومة سنة 1926 في البيات حتى ظهر نوع آخر من الهجرة , إنها الهجرة إلى أوروبا , وهي : إما هجرة طلبتها الحرب الأهلية الاسبانية في الثلاثينات , وإما هجرة طلبتها العمالة في  باقي دول أوروبا بعد الحربين والتي بدأت من ألمانيا وفرنسا وخصوصا عن طريق الجزائر , حيث كان أهل الريف يستلمون جوازات السفر من فرنسا هناك , كما أن تعرض الريف للمجاعة سنة 1944/1945 والمسمى في الريف بعام ((  الستين))( الذي قيل إن سبب تسميته بهذا الاسم هو أن نصف قنطار من الشعير بلغ 60 دورو أي 30 درهما آنذاك , وقيل إن سبب التسميةهو أن أسنة 44/45 ميلادية وافقت سنة  1360هجرية ,- يحتفظ بالتشديد على 60 ),حيث عرف الريف الهجرة بكثافة ,و ذلك بالعائلات, إلى مناطق شمالية أخرى ( تطوان – طنجة – أصيلا – العرائش – القصر الكبير ), ولحد الآن لاتزال هناك عائلات جذورها من الريف .

     وبهذا غاب التعامل مع الأرض وساد نوع من فقدان الثقة بها .

     ومع بداية الخمسينات كانت الهجرة إل أوروبا قد بدأت تؤتي أكلها وتعدى الانسلاخ من الأرض إلى الانسلاخ من الطبيعة ككل , فلم يعد الخشب والحجر والطين يستعمل في البناء والطبخ كما كان ,بل حل محل هذه الأشياء البترول المستورد وأدوات حديدية دخلت من الشاق ( الجزائر ) وأوروبا علي يد المهاجرين الشيء الذي سيغير وجه المنطقة فيما بعد الاستقلال .

 

03 ) مرحلة الاستقلال : ومع تطور الهجرة المنظمة والمقننة والمتفق عليها بين المغرب ودول أروبا حيث اتسعت رقعتها هناك وشملت باقي البلدان , دخل الريف في تحولات عميقة عل المستويات الاقتصادية والاجتماعية , وبات سوقا لكثير من السلع الأوروبية , وساهم في ذلك منطقتا سبتة ومليلية المحتلتين , كما أصبح الشاب في الريف يتطلع إلى الهجرة الأوروبية, ثم زادت الهجرة كثافة عندما سمحت هذه الدول للمغاربة المقيمين في الخارج بالتجمعات العائلية مما خلق أسلوبا جديدا للهجرة المقننة( الزواج ) . وهنا وتم الانسلاخ من الأرض الأم كليا , وأضحى هم الشباب ( رجالا ونساء) هو الهجرة إلى أوروبا , خصوصا وأنهم يشاهدون أقرانهم المهاجرين يتمتعون بعطلة صيفية يعتقدونها فائقة . ومما زاد في التحول نحو الأسوأ, انجراء الشباب وراء بنات المهاجرين للزواج منهن قصد قد اثبات أوراق الاقامة في أوروبا , فساد التأخر في الزواج رجالا ونساء ,وفليتخيل القارئ ماذا سيحدث إذا ربط ذلك بتدفق السيولة النقدية من أوروبا مع ضعف مبادئ التربية الحسنة , وتوفر وسائل الاتصال .  

     وتجدر الاشارة إلى أن هذه الهجرة, أيضا , حولت الريف إلى مزبلة للأدوات المستنفذة الصلاحية, كما أن ظهور النقاش حول المسائل الدينية والذي يعتبر المهاجرون أنفسهم فيه علماء , بحكم تفاقم الأمية فيهم , ومنه عدم تقديرهم للعلم وماهيته, أضر بالمنطقة أيضا .   

        إن وجود هذا النسيج العلائقي في الريف , حيث يفد أشخاص من المهاجرين على المنطقة بظاهر شبه أغنياء وبداخل مخرب بسبب القهر تحت ظروف العمل والعنصرية في الغرب , وآخرين ربطوا الثقافة الدينية بأوروبا بسبب التقائهم بأمواج من المهاجرين الإسلاميين من الشرق العربي, أدى ذلك بغير المهاجرين في الريف بالإحساس بالدونية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي وضمنه الديني , وكانت النتيجة أن ظهر صراع غريب بين ابناء طبقة اجتماعية واحدة هي الطبقة المسحوقة , وبدا في ظاهره صراع بين الأغنياء والفقراء , أما  جوهره فهو صراع بسبب الفقر هنا في الريف والقهر هناك في أوروبا , صراع استغلته شريحة تجار الأراضي والعقار والمواد الاستهلاكية بصفة عامة , وهذه الشريحة التجارية بمختلف أوزانها الاجتماعية هي التي تستفيد بالإضافة إلى الدولة ,( التي أتتها العملة الصعبة بكثرة) .

      وهنا انتقل التعامل مع الأرض الأم من ذم الانسلاخ إلى خطورة النسيان , فانتعشت قوارب الموت ومات من من مات , وبقي من بقي.

   ولما سد باب الهجرة  في وجه أهل الريف , حيث القوانين الجديدة الصارمة على الهجرة , وكثرت البطالة  , وسد باب الوظيفة في وجه الخريجين  من الجامعات , فقد شباب الريف بوصلته الاقتصادية , فلا أمل في الهجرة ,  ولا أمل في الوظيفة ,  ولا مخرج من النفق المسدود , فظهر التعبير عن السخط على الواقع الاجتماعي المر , وهذه نتيجة طبيعية , فلا يمكن للمختنق ألا ينتفض .

    هذا ما كان  , أما الزمن فلا زال يشتغل على جسد الريف غير آبه بأحد, تاركا التغيير الحتمي يعمل عمله ودن أن يأبه هو الآخر برغبات الناس , وتلك هي الدنيا,  والناس فيه أبناء لبيئتهم . يقول الفيلسوف الصيني هوشيه : ” إن مدنية جنس من الأجناس هي خلاصة قدرته على ملاءمته نفسه لبيئته” .

 الهامش

 (1)  ظهر مفهوم الكتلة التاريخية قديما ثم عند غرامشي فيما بعد حيث طوره وزاد في ليونته .

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.