Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 7:37 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 19 ديسمبر 2016 - 2:05 مساءً

الإحتجاج : حق دستوري أم فتنة دينية

عبد المجيد بهي 

بعد اندلاع شرارة الإحتجاجات الشعبية ضد الحكرة عل إثر استشهاد محسن فكري بالحسيمة واستمراريتها ؛ ارتفعت أصوات رجال الدين في المشرق والمغرب مشهرة فتاويها الشرعية المحرمة لهذه الإحتجاجات اللتي يعتبرونها خروجا على الحاكم ومهددة لإستقرار البلاد وأمنه .  ويستدلون بأحاديث نبوية وآيات قرآنية في تحريمهم لهذا الحق الدستوري اللذي يكرسه دستور 2011 في فصله التاسع والعشرين . إنهم يعتبرون التظاهر السلمي ضد الحكرة والحرمان والقهر والفساد والإستبداد فتنة وخروجا على طاعة السلطان وأولي الأمر مستدلين على ذالك بالآية : ( يا أيها اللذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) . ولا يجيزون الخروج عليهم إلا لكفر بواح أوارتكاب المعاصي حسب ما ورد في الحديث الشريف : ( السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ؛ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) . ويحرمون حتى الخروج على الأمير الجائروالظالم استنادا على أحاديث كثيرة من السنة من بينها الحديث اللذي أخرجه البخاري (7053 ) ومسلم ( 1851 ) عن بن عباس عن النبي قال : ( من كره من أميره شيئا فليصبر ؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) .

إلى جانب تهجم رجال اللاهوت على ممارسة حق دستوري وعرف من أعراف الديموقراطية ووجه حراك الريف طيلة أربعين يوما باللا مبالاة والتجاهل المطلق من قبل أولي الأمر مما يكرس مشروعية وأولوية الخطاب الديني الكلاسيكي السائد والمتجذر في ذهنية العقل الجمعي المسلم على حساب مضامين دستور 2011 اللذي يؤسس لدولة مدنية يكون فيها المواطن عنصرا فاعلا وقادرا على معارضة السلطان من خلال حق التظاهر السلمي والحضاري . إن الخطاب الديني ينظر إلى الفرد كعبد لله وتابع لخليفته وليس له أية حقوق خارج القيم الدينية اللتي تؤطرها ثقافة الحلال والحرام . يبدو من خلال الوقائع والممارسة وعدم تجاوب السلطان وأولي الأمر مع مطالب الجماهير اللتي تمارس حقا دستوريا مشروعا أن الدستور ربما وضع للإستئناس والترويح عن النفس وليس هناك فرق بينه وبين كتب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وأولاد حارتنا وغيرها .

فما قيمة الفصلين الدستوريين 20 و22 اللذين ينصان على حق الإنسان في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية في الوقت اللذي يطحن الناس في الشوارع ومخافر الشرطة وفي المحاكم .

وما قيمة الفصل 25 اللذي ينص على حرية الرأي والفكر في الوقت اللذي يشهر تجار الدين سيوفهم ضد المفكرين والمبدعين ويهددونهم بالقتل بدون حسيب ولا رقيب .

وما قيمة الفصل 31 اللذي ينص على حق التطبيب والعناية الصحية في ظل غياب المستشفيات والمستوصفات في المدن والقرى والمداشر وارتفاع تكلفة العلاج بالنسبة للفقراء والطبقات المتوسطة .

وما قيمة الفصل 23 اللذي يجرم التحريض على العنصرية أوالكراهية في الوقت اللذي ينعت فيه الريفيون بالأوباش وأولاد الصبنيول حتى من قبل الأجهزة الأمنية .

وما دور المجلس الأعلى للحسابات في الوقت اللذي تنهب فيه الصناديق الوطنية وتختلس منها الملايير من الدراهم اللتي تحصل من الضرائب المفروضة على المواطنين .

ما قيمة هذه النصوص كلها أمام المنظومة الدينية المسيطرة على العقل الجمعي المسلم ؛ اللتي تطالب المؤمنين بالصبر على ظلم السلطان وطغيانه والإستعانة بالدعاء له بالفلاح والتوبة حفاضا على نعمة الإستقرار والأمن . لا يجب علينا إذن أن ننزعج ونشتكي من عدم تنزيل دستور 2011 إلى أرض الواقع ؛ لأن المنظومة الفكرية والسياسة المطبقة على أرض الواقع تتعارض وتتقاطع تماما مع مضامين هذا الدستور اللذي لن يصلح إلا لدولة مدنية تسعى لخدمة المواطن وتسخر كل أدواتها ومؤسساتها للسهر على طمأنينته وكرامته وسعادته . أما المملكة المغربية فهي دولة دينية لا تقيم أي وزن للفرد خارج الجماعة وتكرس كل مجهوداتها لخدمة الدين والشعائر والطقوص الدينية وبناء المساجد ورعايتها على حساب الحاجيات الأخرى الضرورية لحياة الإنسان من شغل وسكن وتعليم وتطبيب……إلخ .

هكذا يبدو إذن أن الدستور المغربي ليس سوى ديكورا وضع لتجميل وتزيين الواجهة السياسية للنظام المخزني القوروسطوي ؛ مثله مثل البرلمان والحكومة والقضاء والجماعات المحلية اللتي لا تقوم بأي دور في تكريس دولة الحق والقانون . وليس هناك أي إرادة حقيقية لدى أولي الأمر في تشييد دولة مدنية حديثة توفر الكرامة والحرية والديموقراطية لمواطنيها  لأن مصلحة المعتقد لديهم أولى من مصلحة الإنسان.

ومن المعطيات اللتي تؤيد هذا الرأي ؛ الفصل الثالث من الدستور اللذي ينص على أن الإسلام دين الدولة رغم أن الدولة ككيان سياسي لا يمكن عقليا أن يكون لها دين ومعتقد لأن الإيمان مسألة قلبية ووجدانية تخص الإنسان الفرد . وبالتنصيص على هذا الأمر يكون المشرع قد أضفى على أولي الأمر وأعمالهم وخطبهم وتعليماتهم وأوامرهم قدسية تضاهي قدسية الأوامر الإلاهية اللتي يتكفلون بضمان تطبيقها واحترامها في الحياة الدنيوية . هكذا  تم الإلتفاف على كل ما يتضمنه دستور 2011 من إيجابيات وحقوق لأن مكانة الدين وقيمه القوروسطوية تعلو في حالة التعارض على كل القيم الحديثة من عدالة اجتماعية وحرية وديموقراطية ومساواة . في هذا السياق  يمكن فهم موقف رجال الدين واولي الأمر من أي احتجاج أو حركة مطلبية تتوخى ترسيخ قيم الحداثة وإعادة الإعتبار لكرامة الإنسان.  فهذه الثنائية والإزدواجية والمتناقضات الصارخة اللتي يتسم بها دستور 2011 هي اللتي تقف في وجه تعبيد الطريق نحو تشييد دولة الحق والقانون اللتي يستحيل أن تتعايش مع الدولة الدينية و دولة التعليمات والأوامر السامية والمقدسة .

إن الإسلام هو الدستور الضمني اللذي يعلو فوق دستور 2011 وينسخ كل ما ورد فيه من قصص وأحكام وتشريعات . وهو اللذي يعطي المشروعية لرجال الدين اللذين يؤطرون أغلبية المجتمع لمهاجمة كل من يريد الخروج عن النص القرآني : ( يا أيها اللذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ؛ والحديث النبوي : ( من كره من أميره شيئا فليصبر ؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) . أما الفساد والإستبداد واختلاس المال العام والتوزيع الغير العادل للثروة والفقر المدقع كلها أمور تافهة لا توجب الخروج للشارع ولا عصيان أولي الأمر . والسبب الوحيد اللذي يجيزون من أجله الخروج على الحاكم هو الكفر البواح الظاهر كترك الصلاة أو الإفتار في رمضان أوالزنى أو الردة والإلحاد .

 

عبد المجيد بهي

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.