Your Content Here
اليوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 2:38 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 11 سبتمبر 2012 - 7:31 مساءً

الدعارة الفكرية

محمد المساوي :
عبر التاريخ كانت بعض النخب تؤجر افكارها ومعارفها للسياسي أو رجل السلطة، وغالبا ما كان يتم هذا تحت غطاء محدد، كأن يكون مستشاراً له او موظفاً في ديوانه. لكن في العقود الأخيرة وبالتزامن مع انهيار حائط برلين وما تلاه من انهيار وسقوط لقناعات كانت تبدو في يوم ما راسخة وضاربة بجذورها في الأعماق، تسارعت وتيرة تأجير الافكار والمعارف، وتعددت الجهات التي تستأجر. لم يعد رجل السلطة هو فقط من يستأجر بل انضاف رقم اخر الى معادلة التأجير، تجسد أساساً في ما سمي بالمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الثقافية والاقتصادية الدولية…أصبحت هذه المؤسسات تتجه رأساً الى بعض النخب المحلية التي بلورت رأسمالاً رمزيا خلال نشاطها النضالي والسجال الفكري والسياسي…
لن نخصص هذا العمود للأجراء لدى المنظمات غير الحكومية، سيكون ذلك في عمود لاحق، لكن أود أن أثير هنا التأجير الذي يطال الحياة السياسية المغربية، وكيف أصبح بعض “الأقزام”، الذين يعرف الكل قدرهم جيداً، يفتون في كلّ شيء، يفتون في القضايا الكبرى والسجالات الثقافية والفكرية والفلسفية حتى…فأصبحوا مثل حمادي في احدى قصائد الشاعر احمد الصادقي؛ “اهي حمادي يكّان ادفهم اوخا ينود دغير خدغيوري..”…
أحيانا تقرأ بعض المقالات موقعة بأسماء لها موقع في تدبير الشأن العام، فترى صاحب المقال ينظّر ويفتي ويشرّح ويشرح…جميل جدّاً أن يكون لنا من هم في موقع المسؤلية بهذه الكفاءة والقدرة على الانتاج، لكن، هيهات، فما إن تتمعّن المقال جيّداً، حتى يطلّ عليك صاحب المقال الحقيق، ليس فقط انطلاقاً من الأسلوب، لأن الأسلوب هو الرجل كما يقول الفرنسيون، بل حتى من سياق الافكار التي يدافع عنها، تدرك لا محالة أن الكاتب الحقيق متوارٍ خلف الاسم الذي وقع المقال…
قبل سنة ونيف، اتصل بي احد “الرفاق” سائلاً إياي كي أمده ببعض الأفكار والمعطيات حول موضوع الجهوية، وقلت له ليس لي إلمام بالموضوع ولا أنا مهتم به، بعد أيام حكى لي رفيق اخر انه توصل بنفس الطلب من ذات الشخص، لنكتشف اخيراً، أن هذا “الرفيق” كان يعدّ مداخلة لأحد مسؤولي تدبير الشأن العام في جهة الحسيمة، ليشارك بها في ندوة بطنجة حول الجهوية؟؟؟
حقيقة، ف”دعارة الافكار” أصبحت تقليعة رائجة، يجني من ورائها الأجير والمستأجر أرباحهما، الأجير يقبض ثمن مجهوده الفكري والمعرفي دراهم وامتيازات، والمستأجر يربح صورة المثقف العالم ببواطن الأمور، وصورة المسؤول غير الأمي المتميز عن باقي المسؤولين الأميين الذين يعجّ بهم الوسط السياسي الوطني..
إنه التردّي الذي يضرب بأطنابه مجمل مناحي الحياة السياسية والثقافية الوطنيتين، وهي التميمة “الناجحة” التي يشتغل بها أكبر مسؤول في هرم السلطة الى أصغر مسؤول، ليس بدءاً برئيس الدولة ولا الأمير الأحمر الذي يلمّ حوله”جيش من المثقفين والصحفيين”، وليس انتهاءً بأبسط رئيس للبلدية…العهر السياسي والفكري هو سمة هذا الزمن الرديء بامتياز، فعلى الأقل يا معشر داعري الأفكار لا تخفوا وجوهكم، فكما نقول في ثقافتنا الشعبية أن من عادة الراقصة أنها لا تخفي وجهها، فأحرى بكم أن تكشفوا عن دعارتكم القذرة…

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.