Your Content Here
اليوم السبت 23 مارس 2019 - 9:02 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 10:18 صباحًا

من الذاكرة : التعليم بإمزورن -مدرسة أبي طالب-

مكي بوسراو :
كانت هناك مدرسة ابتدائية واحدة بإمزون هي مدرسة أبي طالب والتي احضتنت جل أطفال القرية والمداشر المجاورة في الستينات والسبعينات. لا أدري متى بنيت هذه المدرسة، لكن ما أنا متأكد منه هو أنها أنشأت في زمن الاستعمار الاسباني وهندستها المعمارية شاهدة على ذلك، كما أن عددا من الرجال الكبار في العمردرسوا فيها، وهذا الأمر أكده لي والدي عدة مرات حين كان الاسبان مشرفون عليها، وفعلا داخل أقسامها تعلم الأب الحساب والكتابة باللغتين العربية والاسبانية. والبناية الأصلية لهذه المدرسة هي التي كانت تقع قرب “فيسينا” والمستوصف القديم وكانت تتضمن أربعة أو خمسة أقسام في الطابق السفلي، أما الطابق العلوي فكان مخصصا لسكن المدير وهو عبارة عن منزل جميل ينفتح على سطح كبير يطل على وسط إمزون. وإلى جانب الأقسام كانت هناك حديقة خلفية لا يلج إليها إلا المدير والمعلمون والمكلف بالبستنة، والأقسام آنذاك كانت تطل على الشارع لأنه لم تكن هناك أسوار مما كان يسمح للأطفال بقضاء وقت الاستراحة راكضين في الأزقة المجاورة وباحثين عن ماء يطفئون به عطشهم عند المنازل المجاورة التي لم تكن تبخل عنهم بالمياه.  ومن الجهة الأخرى كان المطعم المدرسي الذي يتوفر على مطبخ وقاعة للأكل، وكان المشرف عليه هو “سي حمو”، رجل فارع القامة، يلبس بذلة العمل(وزرة) بشكل دائم وفي المساءات يفضل الجلباب لأداء فرائضه التعبدية ومجالسة معارفه من أصحاب الحوانيت في القرية. وكان يساعده في عمله بالمطعم ” خاشي روازنا” وابنها ” عبد السلام” الذي كنا نطلق عليه”كتوح”، لكن سي حمو هو الذي يقوم بجل الأعمال: الإشراف على المطبخ، إعداد قاعة الأكل، إدخال التلاميذ إلى المطعم بعد مراقبة بطاقاتهم، وترتيب المحل بعد الانتهاء من وجبات الأكل، وهما وجبتان: الفطور الصباحي والغذاء أما العشاء فلم يكن واردا لأن المدرسة تحررنا مع الخامسة مساءا. وكانت خدماته موجهة بالأساس إلى التلاميذ الفقراء والمحتاجين وكذا الذين يقطنون خارج القرية، والاستفادة من المطعم تقتضي فقط التوفر على بطاقة كرطونية على شكل مربع صغير يتضمن طابع المدير ويوزع على التلاميذ من طرف المعلمين الذين يعرفون جيدا الوضعية الاجتماعية لكل واحد دون الحاجة إلى أوراق ثبوتية. وما زلت أتذكر نكهة بعض الوجبات مثل اللحم المعلب الذي كان مصدره  الدول المانحة وهوعبارة عن قطع لحمية لا تحتوي  على عظم وشحم، طعمها لذيذ جدا أو هكذا كان يبدو لنا ونحن صغار. وبالمقابل كانت هناك أكلات لا تنال إعجابنا، على الأقل بالنسبة لي ولبعض أصدقائي مثل ” باقالاو” وهي وجبة من السمك المجفف. أما الجزء الآخر من المدرسة فهو الذي كان يقع قرب المستشفى الجديد أي في أتجاه “بوسيطو” على اليمين ويمتد من المستشفى إلى محل مارا للنجارة، وهذا الجزء كان يتضمن عدد ا أكبر من الأقسام والحجرات بالاضافة إلى مساكن المعلمين، وكانت الأقسام هناك مخصصة للمستويات الدنيا، أما الجزء الآخر فكان مخصصا للمستويات العليا أي قسم الشهادة الابتدائية والقسم الخامس. كانت مدرسة أبي طالب ملتقى لكل أطفال القرية وكذا المداشر المجاورة.                                                                            
 أما امتحان الشهادة الابتدائية فكان مركزه الوحيد هو ثانوية البادسي بالحسيمة، و الحصول على تلك الشهادة كان يعني الانتقال حتما للدراسة بمدينة الحسيمة. وهكذا كان تلاميذ القرية يتممون دراستهم الثانوية بمدينة الحسيمة لأن إمزون لم تكن فيها إعدادية ولا ثانوية، وكل تلاميذ الاقليم كانوا يستكملون دراستهم بثانوية ” البادسي” التي كانت هي المؤسسة الوحيدة في الاقليم التي تتوفر على التعليم  الاعدادي والثانوي، وداخليتها كانت تعج بكل أهل المنطقة من شقران و أربعاء تاوريرت شرقا إلى تارجيست وكتامة غربا. إذ كان أغلب التلاميذ يحصلون على منحة  ليتابعوا مسارهم الدراسي. أما الذين كانوا غير ممنوحين من أهل القرية وما جاورها فإنهم  كانوا أمام خيارين : إما أن يتنقلوا يوميا إلى الحسيمة عبر الطاكسي أو الحافلة وإما أن يكتروا مسكنا صغيرا في الحسيمة إذا كانت وضعيتهم المالية تسمح بذلك.                                                       
في بداية السبعينات بنيت إعدادية جديدة في تركيست التي تبعد عن الحسيمة بسبعين كيلومترا جهة الغرب، وتم توجيه العديد من التلاميذ الممنوحين  في المنطقة إليها قصد استكمال الدراسة، وهكذا صار أبناء إمزون وأيث بوعياش وذماسينت وذاوريث وأجدير وايت حذيفة والمداشر المجاورة لهذه القرى يتابعون دراستهم ويقطنون بداخلية تاركيست، وفي هذا الاطار تم تحويل العديد من أصدقائي في مدرسة أبي طالب نحو هذه الاعدادية الجديدة. وعند نهاية السلك الاعدادي كان يتم توجيههم إلى ثانوية البادسي بالحسيمة وداخليتها الشهيرة التي كانت تستوعب جميع التلاميذ من كل أنحاء الإقليم. ذلك أن هذه الداخلية كانت تشكل معلمة في المنطقة  تخرج منها عدد لا يستهان به من الأطر وكانت النتائج التي يحصلها تلامذتها مفخرة للجميع.
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 3 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    مهتم says:

    هدم المدرسة من أجل إقامة الساحة كما هي على شكلها الحالي هو اغتيال لجزء من ذاكرة إمزورن، كان على أوصياء المدينة أو مهندسيها التفكير في إقامة نصب على الأقل بالمكان الذي كانت تتواجد فيه المدرسة الطرف الغربي الجنوبي يؤرخ لوجود هذه المعلمة التاريخية للأجيال المقبلة الذين لا يعرفون شيئا عن هذه المدرسة، وسيكون هذا النصب التذكاري احتفاءا أيضا بالذاكرة الجماعية للمنطقة

  2. 2

    السلام عليكم:
    أخي الكريم، سليمان علا إنها بالنسبة لي فعلا من أهم ذكريات عمري
    و التي لم أتمكن لحد الساعة أن أنساها…
    تقريبا كل أسبوع أحلم كأني أعيش بين سكان إمزورن و التي قد قضيت بها
    معظم أيام فترة شبابي…”يا ليت الشباب يعود يوما..”

  3. 3

    السلام عليكم:
    أخي الكريم، مكي بوسراو، إمها بالنسبة لي فعلا من أهم ذكريات عمري
    و التي لم أتمكن لحد الساعة أن أنساها…
    تقريبا كل أسبوع أحلم كأني أعيش بين سكان إمزورن و التي قد قضيت بها
    معظم أيام فترة شبابي…”يا ليت الشباب يعود يوما..”