Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 7:33 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 15 يوليو 2016 - 5:51 مساءً

وجـــوه إمـــــزورنـيـــــة : شريــف ن تسعذونــت

مكي بوسراو :
 هو أحد الوجوه المعروفة في إمزون، وقد بصم هذا الرجل تاريخ القرية في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي. شريف هذا كان ينتمي إلى ” زاويث نسيذي يوسف” شمالي إمزون في اتجاه قرية “ذماسينت” وبالضبط دوار”ّذاسعذونت”، ومن هنا اسمه ” شريف نذسعذونت” . كان رجلا قصيرالقامة ضعيف البنية، ذو لحية كثة وعينين صغيرتين ورؤية حادة  وذكاء خارق. كل شئ فيه كان صغيرا: الرأس، العينان، اليدان، الفم، الرجلان… كان الشريف سريع الحركة وخفيف الظل إلى حد أنه كان محبوبا لدى أغلبية ساكنة القرية ولا يثير اشمئزازا إلا عند أصحاب النفوس الصغيرة أولئك الذين لا يعطون للحكمة قيمة ولا يعرفون إلى السخرية الماكرة طريقا.                                                                                         
كان حضوره  إلى إمزون يوميا: يأتي صباحا، يقضي النهار كله في القرية ويروح مساءا إلى مدشره بعد أن يكون قد أدى مهمته على أحسن وجه ألا وهي لسع مستمعيه بحكمه الذكية واستفزازهم بهزل  نفاذ، يعرف هو وحده كيف يمرره إلى محاوريه بسلاسة وهدوء. أما “السبسي” فلم يكن يفارقه أبدا كما لم تكن تفارقه ابتسامته الطفولية والماكرة. الشريف هذا لم يكن يطلب الصدقة ولا مساعدة أحد لأنه كان معتزا بكرامته وكبريائه، وكل حكمه وتخريجاته اللغوية كانت متمحورة حول القيم النبيلة مثل الاحترام والتسامح والعدالة والمساواة والخير. لا زلت أذكر مثلا كيف كان يتحدث بروح من الانفتاح والتقدير عن اليهود باعتبارهم بشرا يمتلكون كرامة و يستحقون الاحترام، إذ كان يكرر دوما في وجه محاوريه قوله المأثور” ماغا أولد سيذي، أوذاين ذايثماثنغ مين ذاغنكين؟”. أما حكمته عن الشيطان فتمثل قمة الذكاء، إذ حين يطلب منه أحدهم بأن ينعل الشيطان ينتفض “الشريف” في وجهه قائلا” ماغا إثغانعرغ، مين ذاغ نيكا مسكين” مضيفا ” قابناذم إكجان ذشيطان، أما شيطان أويكي والو”. وهذا القول المأثور كان معروفا عند القاصي والداني  من أهل القرية، حتى أن الناس كانوا يتغامزون  ويتعمدون استفزازه بالسؤال عن لعنة اليهود أو الشيطان، وكان جوابه هو هو دوما وأبدا وموقفه صامد لا يتزعزع قيد أنملة.                 
كان “الشريف” يجالس الذين يرتاح إليهم ويتبادل معهم أطراف الحديث بطلاقة ودون رقابة ذاتية، كما يتبادل معهم “السباسا” بسخاء، ولا زالت شاخصة أمام عيني الطريقة الخاصة التي كان يقبض بها السبسي: يشد على السبسي ملئ كفه، ثانيا هذا الأخير إلى الوراء جهة ذراعه. إنها الطريقة المميزة للشريف، أما لازمته التي لا تفارق شفاه فهي”  ييه أولد سيذي” والتي يوقع من خلالها مشاركته في الحديث واهتمامه بما يقوله المتكلم ونزوعه إلى الاتفاق معه،. أما العبارة التي كان يسجل عبرها رفضه لفكرة ما وعدم اتفاقه مع موقف أو حكم ما فهي جملته الاستنكارية المعهودة ” ماغا أولد سيدي”. وحين يثير غضبه أحد أويتم استفزازه فإنه كان يجمع كفيه استعدادا للشجار وكان ينط  في مكانه ويلقي ببعض اللكمات في اتجاه خصمه لينسحب أخيرا وهو مكشر الوجه ومشيرا بيديه الصغيرتين كتعبيرمنه عن سخطه، وما زالت ذاكرتي تحتفظ  بتفاصيل تلك الحركة التي لا يتقنها أحد سواه.                                                                     
كانت عادة الشريف هي التجول في القرية والتوقف عند بعض المحلات التجارية والمقاهي التي كان يرتاح إليها مجالسا روادها ومتقاسما معهم أطراف الحديث أو مستمعا إليهم بهدوء وروية. وهكذا كان يقضي النهار كله إلى أن يحين وقت الرواح إلى مدشره “زاويث” مساء، لكن بعض المرات كان يـتأخر عن موعده المعهود إذا أعجبه الحديث وسحر السبسي. وقبل أن يغادر القرية لا بد أن يتبضع أشياء هو في حاجة إليها كالشمع والسكر عود الثقاب، أما محله المفضل فهو “ذحانوت نبوسراو” الذي كان يتبادل مع صاحبها أطراف الحديث ويتحاور معه في كل القضايا والمستجدات، لأن العلاقة بين الرجلين كانت وطيدة.  وآخر محطة يتجه إليها صاحبنا هي “مقهى بوحسن” لانتظار السيارة التي ستقله إلى “زاويث نسيدي يوسف”. وبما أنه كان محبوبا عند الناس فإن أصحاب السيارات والشاحنات كانوا لا يبخلون عليه. لكن حين يكون مسرعا فإنه لا يتوان في أخذ الطاكسي أو سيارة أحد “الخطافة” مؤديا ثمن سفره بكل اعتزاز وأنفة.                                                                                                                        
شريف نذسعذونت كان خفيف الظل ذو شخصية قوية أساسها الكبرياء والثقة في النفس والتواصل مع الآخرين والذكاء والحكمة. فرحم الله الرجل.
 
في الحلقة المقبلة: عدنبي نسوق  
                                                                           
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.