Your Content Here
اليوم السبت 4 أبريل 2020 - 8:01 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 8 يوليو 2016 - 12:48 صباحًا

إستئناف مذكرات مكي بوسراو ، الحلقة الثامنة من الجزء الثاني : رفوجث

 
مكي بوسراو :
كان فصل الصيف هو موسم الأعراس بامتياز،  لأنه كان مرتبطا بتقليد فلاحي قديم يقضي بالاحتفال بعد موسم الحصاد، أما بعد ذلك فالارتباط كان أقوى بالعطلة المدرسية وبعودة المهاجرين من أوروبا. وكانت الأعراس في ذلك الوقت أي نهاية الستينات والسبعينات تتسم بطابع تقليدي إلى حد كبير من حيث الملابس والأطعمة ووسائل النقل …إلخ، قبل أن تزحف عليها ثقافة “التريتور” وماجاورها من أجواق وخيام ونكافات وألبسة وإضاءات  وقاعات حفل وبهرجة مبالغ فيها وزائدة عن اللزوم. كانت “ذامغرا” عندنا أو “أورا” عند أهل “ذمسمان” تدوم ليومين أو ثلاثة وتنتهي ب “رفوجث” أي الفرجة الليلية التي تبدأ بعد تناول وجبة العشاء وتستمر إلى وقت متأخر من الليل. وهي حفلة مشرعة للجميع ومفتوحة في وجه كل الناس لأنها كانت تتم في العراء أي في مكان أمام أو خلف أو جنب الدار يكون مناسبا لاستقبال أكبر عدد من الناس.
عادة ما تبتدئ الفرجة متأخرة ليلا وتستمر أحيانا إلى بزوغ الخيوط الأولى للنهار. كان الرجال يصطفون من الجهة المقابلة للدار، مشكلين نصف دائرة ومقتعدين الأرض، أما النساء فكن يجلسن من الجهة الأقرب إلى الدارلتسهيل خروجهن ودخولهن من وإلى المنزل. وكان وسط الدائرة مخصص للغناء والرقص وهو فضاء نسوي بامتياز، إذ لا يحق لأي رجل الاقتراب منه إلا ما كان من العريس أو أحد أقاربه لاستبدال “لمبة” أو “رفنا” حين ينقضي زاده من البنزين، وهما الوسيلتان اللتان كانت تستعملان لإضاءة المكان قبل أن يتم تعويضهما بالإنارة بواسطة الغاز( كامبين غاز) وأخيرا الإنارة الكهربائية التي صارت متوفرة في كل المداشر. لكن ما كان يعطي نكهة خاصة ل”رفوجث” ويجعل المشهد متميزا هو تلك الإنارة الخفيفة التي تتوسط المكان ولا تسمح برؤية الوجوه والملامح والإشارات إلا لماما.
كان الرجال  يبدأون  بإشعال النار أو إحضار المجامير لتدفئة دفوفهم ، بعد أن يكونوا قد استمتعوا بتدخين السباسا التي تنقلهم إلى عالم الانتشاء. بعدها تنطلق التسخينات الأولى وما يصاحبها من ضبط الإيقاع بشكل تدريجي ومتصاعد خصوصا إذا كان هناك متنافسون كثر. وكان الناي يرافق أحيانا الدف ويشكلان نغمات وإيقاعات منسجمة ومتناغمة. لكن المولعون ب”ذامجا” كانوا قليلون بالمقارنة مع المولعين ب”أجون”.
كنا نحن شباب القرية ننتظر بداية السهرة في شرفات المقاهي حيث نحتسي كؤوس الشاي المصحوبة بالسباسا والحكايات التي لا نهاية لها، إلى أن يلتقط سمعنا  أولى إيقاعات “أجون” و “ذامجا” وهي العلامة الدالة على أن رفوجث انطلقت، نغادر المقهى في فوج كبير صوب المكان المعلوم للانضمام إلى صفوف المتفرجين، خصوصا حين يكون المدشر قريبا مثل”إحدوشن” أو “رعزيب” أو “أيث بومنقذ” أو”إيبوجين”. لكن حين يكون المكان المعني بعيدا فإننا نتفق على التوقيت المناسب وننطلق مبكرين صوب المدشر المعلوم، وهكذا كنا نقطع أحيانا 10كيلومترات وأكثر ذهابا وأيابا على أقدامنا.
حين تنطلق الدفوف ويستقر الإيقاع يأتي دور الفتيات اللائي يحتلن الوسط وكن في الغالب يشكلن فريقين متقابلين يرددن “إزران” ويجتهدن في إبداع الأبيات للرد على الفريق الآخر، وكانت الأبيات الشعرية تخوض في كل المواضيع من الحب إلى القبيلة ومن الغيرة إلى الزواج ومن المدح إلى الهجاء. الميزة الأساسية في أداء”إزران” هي الذاكرة القوية، إذ ان الفتيات المنشدات كن  قادرات على حفظ مئات الأبيات الشعرية واستظهارها. أما الميزة الثانية فتتمثل في  سرعة البديهة المتمثلة في القدرة الهائلة على الارتجال والتي كانت تسمح لهن بابداع أبيات شعرية على الفور وبالتشاور بينهن في الوقت الذي يكون الفريق الآخر قد نطق لحينه بأبياته الشعرية. فسرعة البديهة كانت تقتضي الرد بسرعة على الخصم وبطريقة ذكية، وحين يفشل أحد الفريقين في مسايرة الآخر ينسحب وتتوقف الفرجة إلى حين خروج فريقين آخرين لاستئناف حصة إزران أو ترك المجال للفتيات الراقصات للتعبير عن ما بجعبتهن. في تلك اللحظات تكون الدفوف قد عادت إلى إقاعاتها القوية، وبعد البدايات الخجولة تنطلق أجساد الفتيات في رسم لوحات راقصة ينجذب إليها الجميع، وكانت كل فتاة تتجه صوب الايقاع الذي ينال إعجابها، لكن في الحقيقة كان القلب هو الذي يحسم منذ البداية لأن المشاعر والعواطف التي تقف وراءها قصص حب دفينة هي التي تملي على الفتاة وجهتها. فتتسمر في مربع لا تتجاوزه قدماها وتظل ترقص هناك متجاهلة الجهات الأخرى وذلك لغرض في نفس يعقوب.
وكانت هناك لغة خاصة لها سننها السري الذي لا يقدر على تشفيره إلا المعنيان بالأمر، فالعاشق غالبا ما يأخذ مكانه قرب المتخصصين في”أجون” ولا يتوان عن إرسال الإشارات الدالة على وجوده في الظلام مثل إشعال السباسا أو السجائر أو التفوه ببعض الكلمات والتأوهات. وكانت الفتيات اللائي لهن باع طويل في الرقص يدخلن في تحد مع الضاربين على الدفوف، إذ يرفضن الاستسلام أوالانسحاب من الحلبة رغم الوهن البادي عليهن. ولكن حين يقع خطأ في الايقاع يعلنن انسحابهن احتجاجا على المعني بالأمر، بهدوء ودون تعليق إلا ما كان من حركات غاضبة باليدين. وكانت عودتهن إلى الرقص تتطلب إعادة تسخين الدفوف والشروع في تنفيذ الايقاع المطلوب وتدخل العريس واستجداءهن بهدف الرجوع إلى ميدان الرقص. وهكذا كانت تستمر الحفلة إلى وقت متأخر من الليل بل وإلى الفجر حين تكون “رفوجث” ناجحة وهادءة. ذلك أن ظاهرة الشغب كانت حاضرة وتهدد السير العادي للحفلة، وهي التي كنا نسميها” ذارز رفوجث” أو حين نتكلم عن صاحب الفعلة كنا نقول” يازا رفوجث” وهي فعلة كان يقوم بها فرد أو جماعة إما انتقاما من العريس أو العروسة أو من أهلهما أو حفاظا على الشرف حين يتم الاعتداء لفظا على إحدى الفتيات القريبات من أحدهم أو لأسباب واهية وتافهة أحيانا لها علاقة بالفهلوة والنرجسية المرضية. يبدأ الشجار من خلال التشابك بالأيدي وبعدها الضرب بالحجارة أو بكل ما يقع في متناول الأيدي مثل “إيفوذان” و”ذاهنديث” والزجاجات الفارغة. وحين “تنكسرالفرجة” يتفرق الجميع وينتهي كل شئ، إلا في الحالات النادرة التي كان يتم إصلاح ذات البين فتعود المياه إلى مجاريها.                                                                                                      
في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات برزت ظاهرة جديدة غزت ” رفوجث” هي بيع المشروبات التي كانت توضع في السطل أو” البرويطة” وسط قطع من الثلج لكي تكون باردة، وكان بعض شباب القرية والمداشر المجاورة متخصصون في هذه العملية التي تطورت فيما بعد إلى بيع الخمور وبالخصوص قنينات الجعة التي كانت تدفن تحت قنينات المشروبات العادية حتى لا تثير الشبهات. انتشرت هذه الظاهرة بسرعة كبيرة وأصبحت موضة جديدة يقبل عليها أغلب الشباب.
كنا أحيانا نسهر إلى آخر الليل في “رفوجث” ونتمم طريقنا إلى شاطئ البحر، خصوصا إذا كان الدوار يقع في الطريق إلى البحر مثل “إمجوضن” “أو سواني” أو “شطاري” أو “بورمعيز” …إلخ. ننام لبضع الوقت على الرمل، وحين تسلط الشمس أشعتها الحارقة على أجسادنا نستفيق لنلقي بانفسنا في زرقة وملوحة مياه المتوسط. وهكذا نقضي النهار كله في اللعب على الرمال والسباحة، إلى أن يحين الغروب لكي نغادر شاطئ “سواني” ونعود إلى ديارنا سيرا على الأقدام، أما إذا ابتسم لنا الحظ فإن أحد المعارف يقترح علينا الركوب على ظهر “التراكتور” الذي كان يصلح في فصل الصيف لنقل الرمل من الشاطئ إلى القرى والمداشرالمجاورة. ورغم تعبننا ووهنا الشديدين فإن نشوة “رفوجث”  تجعلنا نتحمل كل ذلك. ونظل لأيام نحكي عنها ونستحضر اللحظات الجميلة والممتعة للحدث.             
هكذا كانت “رفوجث” هي ملاذنا الليلي الوحيد الذي يسمح لنا بالمرح والانعتاق من الروتين الممل في قريتنا الهادءة. 
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    allouch says:

    a kci kh wurinek a senor mekki, sa7it bezzaf,

  2. 2

    يا سلام أيام الزمن الجميل