Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 6:05 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 1 يناير 2013 - 2:56 مساءً

قلائل ريفيات منسيات في قرى الريف العميق

مصطفى المنصوري :

في جولة استكشافية نحو قرى جبال الريف المعروفة بشدة التضرس والتجزؤ وبقسوة الشتاء والطبيعة، آثار انتباهي ريفيات منسيات في الحقول الزراعية والضيعات الرعوية، وسط برد قارص وتغطية بياض الثلج، لا أحد يهتم بشأنهن ليخفف عبء مشاكلهن اليومية المتكررة. وضعية غاية في الصعوبة تتكرر يوما بعد آخر، فتراهن في جبال راعيات قطعان، أغنام وأبقار ومواعز، بعضهن قاصرات وأخريات راشدات، منهكات بالتنقل بين وعورة التضاريس وَسِلاَّن الأجراف والأودية، بحثا عن تعاشيب تقتات منه قطعان مواشيهن وماء إرواء ظمأى قطيعهن. لكن؛ حال الشتاء وقسوة المناخ وكساء الثلج قمم الجبال، زاد من تراكم معاناتهن في قرى الجبال؛ فصار وضعنهن الاجتماعي مثل وضع جمعاء البشرية أيام القرون الوسطى. وفي جانب آخر؛ تشاهد فتيات منسيات في أعمال الزراعة وأشغال استجماع الأحطاب قصد الطهي والتدفئة من البرد القاسي. هن منشغلات على مدى أطراف النهار، ففي الصباح الباكر، يقتسمن الأطوار والأدوار، تلك تذهب إلى أشغال الزراعة حيث الاهتمام بالأرض وبالحرث وباجتثاث الشوائب عن المزروعات، بينما أخرى تتجه صوب استجماع الحطب والإتيان به على ظهرها إلى حيث رحاب المسكن؛ والثالثة تهتم بالماشية إما بتسريحها إلى حيث مواطن السهوب والتعشيب أو بحصادها للمواد العشبية والعلفية مثل الفصة والشعير وغيرها، وأخذها إلى إسطبلات القطعان. هكذا ينتهي يوم المشقة والتعب عند الريفيات المنسيات في قرى ريفنا العميق، لا أحد ينظر إلى حالهن الاجتماعي ولا أحد يعير لهن الاهتمام لأنوثة فزيولوجيتهن وقساوة أتعابهن اليومية.

           صورة بانورمية كاملة تؤثث مجتمعنا الريفي في جانبه المعاناتي، نساء وفتيات مهملات تحت سلطة عقليات ذكورية، وفي ظل تهميش ممنهج لقرى الريف العميق، فأصبح هناك غياب شبه تام لشروط العيش الكريم عند الفتيات المنسيات في الحقول والضيعات. فترى المسؤولية قائمة على عاتقين لا ثالث لهما: الأولى تتجلى في ضعف وغياب مسؤولية الدولة وهياكلها المحلية؛ من جماعات محلية ومصالح خارجية وهيئات مدنية، في الاهتمامات التنموية الخاصة بالقرى والجبال، ولاسيما ونحن نعرف حجم الميزانيات المخصصة للقرى التي يتشدقون بها داخل قبة البرلمان، ونعرف حجم الاستراتيجيات المدونة في الأوراق الخاصة بالتهيئة والتنمية القروية وبالمقاربات المندمجة التي يتحدثون بها في حلحلة مشاكل البادية المغربية على وجه العموم. أما المسؤولية الثانية، فهي مبطنة بالعقلية الذكورية السائدة بقرانا الريفية النائية، فالمرأة عند هؤلاء مجرد موضوع يجب أن تقوم بكل شيء داخل المنزل وخارجه، فهي الساهر الأول على أشغال الفلاحة بشقيها، الزراعي والرعوي، دون إعارة أي اهتمام لمستواها العمري، ثم إنها الفاعل الأول في الأشغال المنزلية ورحابها، فهي إذن بهذا المنطق تتحمل كل شيء مقابل أي شيء سوى نيل رضا عقلية قرينها الذكر. هكذا تجمعت العقليتين لتترك منسيات قرى الريف العميق تحيا في مرمى الأتعاب والأعمال اليومية الشاقة.

           وبالمنطق الفينومينولوجي (علم الظاهرات)؛ يبدو أن الظاهرة منتشرة ومتكررة في مختلف بقاع وأصقاع المغرب العميق، بيد أن منسيات الريف حالهن يختلف شيء ما عن مثيلاتهن في عموم قرى الوطن، وهذا الاختلاف يكمن أساسا في طبيعة المجال وسوسيولوجية المنطقة. فالريف شاهد على نفسه بارتفاعات شامخة في الجبال تسكنها قرى عميقة، بعيدة عن أدنى شروط الحياة، قلما نجد مثيلاتها بباقي ربوع المملكة، لأن الأمر يتعلق بتراكم سنوات من التهميش الممنهج والسياسات الإقصائية لعموم الريف. هذا، إلى جانب سوسيولوجية المنطقة التي لعبت أدوارا طلائعية في سيادة العقلية الذكورية، فبعد أن كانت بالأمس القريب قائمة على روح التضامن والتعاون والتكافل في تقسيم العمل، تحولت الآن إلى برغماتية ذكورية وانتفاخ كلمة “أنا راجل”، لترمي بالأتعاب والمشقات اتجاه مسؤولية الإناث، فأدى ذلك إلى انتشار واسع لأعمال المرأة القروية. وهذا الأمر، بدا واضحا بقرى جماعة شقران ذات التضاريس الوعرة وذات النشاط الرعوي والزراعات الحولية، كما كان جليا أيضا ببوادي جماعة امربطن المتاخمة لجبال سيدي بوخيار، وجماعة بني عمارة، جماعة بني جميل مكصولين..الخ.

           حقيقة الريفيات المنسيات تتجلى أكثر فأكثر في حرمانهن من أدنى مستلزمات الحياة. فبالنظر إلى مستوى التمدرس نجد نسب المتمدرسات ضعيفة جدا مقارنة بنسب الذكور المتمدرسين، إذ أن جميع الجماعات القروية المكونة لإقليم الحسيمة (31 جماعة قروية و5 بلديات)، تسجل أعلى نسب الأمية في صفوف الإناث، بينما الذكور هم أكثر حظا في التعليم. وبلغة الأرقام نسجل مثلا بجماعة امربطن (تماسينت) نسبة أمية تصل  58,3 %  منها 71,2 %  تخص  الإناث و42,5 % تخص الذكور. وفي ذات السياق، نسجل كذلك نسبة أمية مرتفعة بجماعة شقران زهاء 74,9 % من الساكنة، منها 85,4 %  تخص  الإناث و 60,9 % تخص الذكور. هكذا يتفوق العنصر الذكري على قرينه الأنثوي بمختلف جماعات الإقليم، وبنسب جد متقاربة في ميدان التعليم. أما بخصوص الميدان الصحي، فالمنسيات الريفيات في قرى الريف العميق يشهدن ظروفا صحية مذلة، فبالأمس القريب كانت بعضهن يضعن مخاضهن في بيوتهن، وكان ذلك أفضل بكثير من الانتقال إلى المستوصف الجماعي العديم الموارد أو المستشفى الجهوي الكثير المتاعب، غير أنه اليوم أصبحت عند بعضهن زيارة المستوصف المحلي أو المستشفى الجهوي ضرورة ملحة، ولكن ما أكثر ويلات زيارتها ومتاعب وصولها، فالذهاب مشاة يهول فزيولوجيتهن ببعد المسافة والمسالك الوعرة، بينما الذهاب راكبة السيارة، فإن في الأمر انعدام وهشاشة الطرقات والمسالك القروية، مما قد يضر بصحتهن خاصة إن تعلق الأمر بالولادة أو بأي مرض عضال يستلزم الانتقال الدائم. علاوة على ذلك، ونظرا لكون هؤلاء النسوة والفتيات منسيات في الحقول والخلاء، فإنهن يتعرضن لتجاوزات حقوقية خطيرة، تتعلق بتحرشات جنسية وهتك عرضهن من قبل بني جلدتهن من أفراد القرية أو غيرهم، مما يجعل سيكولوجيتهن تعاني في صمت دائم، وهذا الأمر قد يقودهن إلى ظواهر خطيرة مثل الانتحار، وهنا نذكر بحالة فتاة في مقتبل عمرها، ومن عمق قرى جماعة اسنادة القروية، حين هرعت وعلى حين غرة إلى شنق نفسها بجذع شجرة العام الماضي، لأسباب سبق وأن أشرنا إليها آنفا.

           وبالنظر إلى المفاهيم المعاصرة المستعملة في تأطير حقوق وكرامة المرأة المغربية، من قبيل: حقوق المرأة؛ المناصفة؛ مقاربة النوع..الخ. وإن حاولنا مقاربة هذه المفاهيم ومقارنتها بحقيقة الريفيات المنسيات بقرى الريف العميق، نصل إلى نتيجة تفيد بأن الناطقون بهذه المفاهيم وإمكانية تبييئها في أوساط فتيات الريف العميق، حقا إنهم لا يفقهون شيئا في الواقع المعاش، وشتانا بين أقوالهم وواقع المنسيات الريفيات، وبالتالي يحق لنا وبكل جرأة أن نرفع لهم شارة الأصبع الوسطى. ذلك أن منسيات الريف العميق بعضهن يعتقدن إلى حدود الحاضر بأن الحسن الثاني ما زال على قيد الحياة، وما بالكم بأن يعرفن حقوق المرأة والمناصفة بين الجنسين أو مقاربة النوع، والمهم لديهن هو أداء واجبهن اليومي من أشغال منزلية وأعمال فلاحية.

           على سبيل الختم؛ ومن باب المقارنة بين منسيات قرى الريف العميق ومحظوظات الريف من ساكنة المدن والقرى المحظوظة بالاهتمامات التنموية؛ نصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن المنسيات لا يعرفن معنى كماليات الحياة: غالبيتهن لا يملكن الهواتف الخلوية، أو شاشات التلفزة الحديثة، أو شاشات الانترنيت، بل حتى منازلهن بعيدة عن التيار الكهربائي والماء الصالح للشرب، ولا يعرفن معنى الأعياد الميلادية ولا حفلات السنة الجديدة، المهم عند بعضهن معرفة أوقات الصلاة ورؤية هلال شهر رمضان والتوقف عند الأعياد الدينية. أما المحظوظات من فتيات الريف وبالتحديد في الوقت الحالي المتسم بانضغاط المكان بالزمان (العولمة)، نجد حالتهن أفضل من المنسيات في قرى الريف العميق، لا يغدو أن تشاهد فتاة بلا هاتف خلوي أو بلا شاشة تلفاز…، والأكثر من ذلك أصبح قسط كبير منهن فايسبوكيات، بعضهن لا يعيرن أي اهتمام للأشغال المنزلية، والبعض الآخر فقيهات في مواسم وأعياد الحياة العامة، ولهن اهتمام واسع بالسياسة والعلاقات الاجتماعية، ويستفدن بدرجة كبيرة من التجهيزات المعاصرة في الأشغال المنزلية والدراسية وكذلك الصحية…الخ.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.