Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 6:22 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 22 يونيو 2016 - 1:53 صباحًا

إستئناف مذكرات مكي بوسراو ، الحلقة السابعة من الجزء الثاني : طفولة بلا حدود

مكي بوسراو :

ذلك كان عنوان أيامنا المزهوة ومغامراتنا الباذخة المؤثثة باللعب والشغب الطفولي. هكذا كان اللعب موسميا ويخضع لإيقاع منظم ودقيق، فهناك موسم ” ذيبولارين” وموسم ” ترومبا” وموسم إمزرقفن”. أما لعبة “ذانوفرا” فكانت حاضرة بشكل يومي في كل المساءات حين يحل الظلام ويسهل الاختباء ويصعب اقتفاء الأثر، وكذا لعبة”صاربا” التي كانت تتمثل في القدرة على تحريرأحد أصدقائك وهو في دائرة الأسر وتحت حراسة مشددة دون أن تتخطى الدائرة ودون أن يلمسك أحد الحراس أو يقبض عليك.

أما المغامرات الطفولية  فكانت تتمثل في القنص أو بالضبط لعبة القبض على الطيور في موسم الربيع وكذا مغامرة الهجوم على الحقول لقطف الفواكه، حيث كنا ننطلق في مجموعات صوب الحقول المجاورة كمنطقة “أخزان”التي توجد غرب القرية وهي هضبة مزروعة بأشجار اللوز، كنا نهاجمها خلال فصل الربيع للاستمتاع بأكل اللوز في مرحلته الجنينية حيث تكون النواة رطبة والقشرة خضراء ذات نكهة خاصة، ولا يتوقف قطفنا وأكلنا حتى تتضرس أسناننا. كانت هضبة “أخزان” فضاء شاسعا لا يحدها أي شئ وكان هذا الفضاء يمثل بالنسبة لنا نحن الأطفال أفقا للحرية ومجالا رحبا لممارسة هواياتنا وألعابنا بعيدا عن أية رقابة أو أي نهي أو إحساس بالخوف، وكنا نمضي الوقت هناك ولا نبالي بأي شئ.

أما وجهتنا الثانية لممارسة شغبنا الطفولي فكانت هي “كرانخا” وهي عبارة عن مشتل تابع لوزارة الفلاحة ويحتوي على عدة أصناف من الخضر والفواكه كانت تسيل لعابنا، وهكذا كنا نتفق على موعد لتنفيذ هجومنا خصوصا أيام العطل المدرسية حيث يكون لدينا الوقت الكافي للكر والفر. وكانت الفواكه التي تثير شهيتنا هي العنب والرمان والخوخ، أما الخضر التي كنا نشتهيها أكثر هي السفرجل لأنه كان مفقودا في السوق ولا مكان له في الطبخ المحلي. وكنا نقصد “كرانخا “في مجموعات صغيرة أو مجموعة واحدة سرعان ما تنتشر في اتجاهين لتشتيت انتباه الحارس الذي كان يهش علينا بعصاه الغليضة ويلقي في اتجاهنا الأحجار ويتوعدنا بكل ما أوتي من قوة الصوت وخشونة الحركات والإشارات. رغم كل تلك التهديدات نستمر في هجومنا ولا نبالي لأن الهدف هو الفوز بالغنيمة: كمشة من الفواكه والخضر التي نأكلها بعيدا عن أنظار الحارس، بعد أن نكون قد تعبنا من الركض ومن لعبة القط والفأر. وهكذا كنا نجد مكانا آمنا للتلذذ بأكلة الفواكه التي كان مذاقها حلوا جدا وحتى حجمها كان متميزا عن مثيلاتها في الحقول الأخرى، فهي كانت تخضع لعناية كبيرة واهتمام فائقين من طرف تقنيي الفلاحة. وحتى السفرجل لم يكن يسلم من حصة التلذذ والاستمتاع تلك، إذ كنا نأكله نيئا. وفي الوقت الذي كنا نحن نتلذذ  يكون  الحارس في أوج حنقه وفي قمة” سعاره”. وحين تنتهي غزوتنا كنا نعود منتشين إلى منازلنا وكأن شيئا لم يقع.

أما صيد الطيور فتلك قصة أخرى مليئة بالمغامرات.

يبدأ موسم الصيد على ما أتذكر مع قدوم فصل الربيع حيث تهاجر إلى المنطقة أصناف من الطيورمثل “عكشة” و “أبدان”. وكنا نخرج إلى الصيد كلما اتيحت لنا الفرصة وكلما اتفقنا وهيأنا العدة لذلك، إذ أن الصيد يحتاج إلى أدوات تقنية كالفخاخ، والفخاخ فيها ما هو أرضي وما هو سماوي. فالذي كنا نضعه في التراب كنا نسميه” ذاخشبث” أما الذي كنا نعلقه على أغصان الشجر فكنا نسميه”رمضوز” الفخ الأول مصنوع من الحديد وهو عبارة عن دائرة مقسومة على إثنين، في حالة عدم الاستعمال تكون على شكل نصف الدائرة، لكن حين استعمالها نفتح نصف الدائرتين ونحولهما إلى دائرة واحدة تتوسطها قطعة صغيرة من الحديد الخفيف الذي توضع في رأسه دودة حية نستخرجها من تحت الأرض هي التي تثيروتهيج الطيور وتجرهم إلى حيث حتفهم النهائي، فحركة الدودة هي التي تستفز الطيور وتدعوهم إلى وجبة دسمة سرعان ما تتحول إلى مكيدة أليمة حين يجد الطير نفسه بين مخالب الفخ الذي ينسد على جسمه الخفيف، فنركض نحن بكل ما اوتينا من سرعة لفك الفخ والقبض على الطير المسكين الذي يكون إما فارق الحياة أو دائخا بقوة الضربة التي تلقاها، وبعد الإمساك به نسارع إلى ذبحه.

أما الفخ الثاني فهوالذي كنا نسميه ” رمضوز” وهو مصنوع من  قطعة من القصب يصل بين طرفيها خيط، وله شكل دائري يوضع خصيصا على غصن الشجر، إذ أنه لا يصلح تماما لوضعه أرضا مثل “ذاخشبث”.

وكنا نصطاد به”أبدان” ذلك الطير الصغير والخفيف الحركة الذي يعرف للسكون معنى، وكذلك “عكشا” الطيرالباذخ ذو الألوان الزاهية البني الممزوج بالأبيض.

من الأدوات التي كنا نستعملها أيضا” روطاف” المصنوع من قطعة من القماش التي تتوسطها عقدة يوضع فيها الحجر، وحين تكون جاهزة يتم تحريكها بقوة باليد على شكل دائرة وبعدها يتم إطلاق أحد طرفي روطاف لكي تنقذف الحجارة إلى البعيد. وبما أن هذه الأداة تحتاج إلى مهارة كبيرة وفنية عالية فإنها كانت قليلة الاستعمال في القنص. لكننا كنا نستخدمها للعب والتباري: أي واحد منا يستطيع الالقاء بعيدا وأي منا يصيب الأهداف افضل من الآخرين. وأتذكر أن لا شئ كان يسلم من قذيفات روطاف هذه، فكل الأهداف متاحة ما دام اللعب هو سلطان اللحظة والنزوة محركه والانتشاء هدفه المبين.

ولنا عودة إلى أشكال اللعب الطفولي في الحلقة القادمة.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1

    ذكريات جميلة رجعتنا إلى الماضي الجميل(صديقةأختك فريدة رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه)