Your Content Here
اليوم الجمعة 3 يوليو 2020 - 11:19 مساءً
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الأربعاء 15 يونيو 2016 - 4:09 مساءً

إستئناف مذكرات مكي بوسراو ، الحلقة السابعة من الجزء الثاني : سبث إمزون

مكي بوسراو :
يوم السبت يوم استثنائي وغير عادي، إنه يوم السوق الأسبوعي، حيث كل الطرق تؤدي إلى “إمزون”. أما الاستعدادات لهذا الحدث الأسبوعي فتبدأ  مساء الخميس بعد عودة المتسوقين من سوق” رخميس نذمسمان” حيث يحطون أمتعتهم وسط السوق لكي يستريحوا يوم الجمعة. كان “سوق نسبث” سوقا رائجا جدا، يقصده الناس من كل جهات الإقليم وحتى المناطق البعيدة مثل آيث حذيفة وآيث توزين. المكان الذي كان ينعقد فيه السوق آنذاك هو بناية شيدها الاسبان على ما أعتقد لأن بصمات الهندسة الاسبانية واضحة للعيان، وتقع البناية قبالة المقبرة من جهة و”فيسينا” من جهة أخرى وبالضبط في الموقع الذي بنيت فيه البلدية. كان السوق فضاءا يتسع لكل المهن والحرف، وحتى النادرة منها مثل الحدادة وصناعة” إغاكنن” (الشواري) وصناعة وتركيب” ذيشظيين”(جمع ذيشضيث أي قطعة الحديد التي توضع في حوافر الدواب)، ولكل الأنشطة مثل بيع الأثواب والألبسة، بيع الأدوية، لعبة القمار التي كان يتقنها أحد الرجال من المداشر المجاورة، نظرا لخفة يديه، وبيع أدوية الحشرات التي كان يدلنا عليها من بعيد مكبر الصوت والعبارات الرنانة التي كان يكررها صاحبها بكل ما أوتي من قوة وإيقاع موسيقي.
كانت وسيلة النقل المفضلة والرخيصة آنذاك لبلوغ السوق هي”باساخيرو” أي الحافلة التي كانت تقل الناس من وإلى القرية، وفي الأيام العادية كانت تقوم برحلات مكوكية بين الحسيمة وإمزون ، وبعدها صارت هناك حافلتين ثم ثلاثة. حافلة “باساخيرو” هذه كانت لا تتوقف عن العمل وتأتي بالناس من كل حدب وصوب، وكان صراخ مساعد السائق يسمع من بعيد بحثا عن زبناء محتملين. أما الحافلة الأخرى التي كانت تسجل حضورها  الأسبوعي في وقتها المعتاد والمظبوط  فهي حافلة ” نادي البحر الأبيض المتوسط” التي كانت تنقل السياح من مقر النادي بشاطئ المجاهدين للقيام بزيارة السوق والتعرف على بعض من تراث وتقاليد المنطقة. وهكذا صار الأوربيون يشكلون جزءا من المشهد يجد فيه الكل ضالته، الباعة كما المرتادون، فالكل كان يستحسن قدومهم الذي يسمح لهم باختلاس بعض النظرات إلى الأجساد النسائية الرشيقة وتبادل التحيات والابتسامات المصحوبة بغواية مضمرة. كانت الشقراوات هن الوحيدات اللائي يخرقن الطابع الذكوري للسوق. إذ أن هذا الأخير كان رجاليا بامتياز، فهو يكاد يخلو من الحضور النسائي، إلا ما كان من بعض المتقدمات في السن واللائي كن في الغالب  أرامل او مطلقات، يتحملن لوحدهن  مسؤولية منازلهن وأسرهن، وكان منهن من يقصد السوق لبيع ما تيسر ليديها من أشياء كالبيض أو الدجاج أو التين الجاف(المجفف: ذازاث يوزغن)مقابل التبضع من السوق .  وعلى ذكر سياح “نادي البحر الأبيض المتوسط” أو ما كنا نسميه اختصارا “كلوب”، فقد سرع حضورهم الدائم إلى السوق بظهور حرفة جديدة هي “البازار” الذي فرض نفسه في القاموس التداولي للقرية في السبعينات، والمتخصص فيه بامتياز هو “باسطا” (رحمة الله عليه)الذي كان يعرض على السواح بعض الأواني التقليدية من الفخار والكمبري المصنوع من قوقعة السلحفاة والطامطام و “الكحول” أي الكحل الذي يزين العينين، وكان الرجل يتفوه بنفس الكلمات مئات المرات في اليوم bonjour msiou gambri,tamtam. bonjour madame, khoul a madame ولأن “باسطا” لم يكن يتقن الفرنسية فإنه استخدم مجموعة من تلاميذ القرية وكلفهم بالتجوال في السوق لبيع منتجاته للسواح مقابل أجر ضئيل يتقاضاه هؤلاء مساء يوم السبت في محله الذي كان يقع في شارع “كوريو” أي البريد. وكل ما كان يهم أولئك هو فرصة الكلام إلى السياح الأوروبيين وتبادل الحديث معهم بفرنسية متلعثمة، وكان ذلك الانجاز مصدر فخر واعتزاز بالنسبة لهم. أما القبلة التي كان السواح لا يتوانون عن قصدها فهي” ركوري” للتفرج على الدواب هناك وهي تتناكح ملء الهواء الطلق، وكان السواح  يعتلون أحد أسوار السوق المطلة على مسرح الغواية لكي يضمنوا لأنفسهم مشهدا بانوراميا مفتوحا على كل الزوايا، وكانوا يقتعدون أعلى الحائط ويستمتعون بمشاهدة البغال والحمير وهي تمارس لعبة الجماع، ويأخذون صورا فوتوغرافية لتأبيد اللحظة. وكم كانت السعادة تبدو على محياهم وهم ينظرون إلى الحمير والبغال وهي تمارس حريتها الجنسية المطلقة. لا بد من الاعتراف هنا انه أول درس في علم الحياة تعلمناه ونحن أطفال صغار، وهو الدرس الذي كان معدوما ومغيبا من المقررات الدراسية التي كانت أسيرة منهجية التحنيط ولغة الخشب.
كانت القرية تتحول يوم السوق إلى  فضاء يغلي بالحركة والغبار: سيارات الأجرة،البغال، الحميروالرجال الذين كانوا يسرعون الخطو في اتجاه بوابة السوق. كان أغلب الناس يتركون دوابهم تلك وسط القرية في كل أمان، رغم وجود مكان مخصص لها جنب السوق . وكانت الحوانيت والمقاهي تحقق أعلى رقم معاملاتها يوم السبت، بل إن بعض المقاهي والحوانيت داخل السوق كانت لا تفتح أبوابها إلا يوم السوق وحده وتغلق أبوابها طيلة ايام الأسبوع. أما الاستثاء الوحيد فهو مقهى ” عزي حمادي” الذي كان له زبناؤه المحسوبين على رؤوس الأصابع وكانت له طقوسه الخاصة التي كان لا يعرف أسرارها إلا المولعون بالسبسي والكيف وعلى رأسهم صاحب المقهى وشريكه الأبدي” الراضي”. أما الحافلات والطاكسيات فكانت لا تتوقف عن الحركة من وإلى إمزون. حتى أصحاب “شورو” كان يرتفع رقم معاملاتهم، إذ الطلبات لم تكن تتوقف، أما منتوجهم من العجين المقلي فينفذ بسرعة لا مثيل لها. وحتى كراء الدراجات كان عليه إقبال منقطع النظير يوم السبت، إذ لا تجد ولو دراجة واحدة عاطلة عن العمل عند “شامبيط” (رحمه الله)صاحب المحل الوحيد لكراء وإصلاح كل أنواع الدراجات. ومن أفعالنا الشيطانية المشاكسة أننا، نحن أطفال القرية، كنا نترصد الأطفال القادمون إلى السوق من المداشر والقبائل المجاورة، ونقوم بانتزاع “الشورو” من يديهم ونركض بعيدا للتلذذ بأكله، بينما هم يذرفون دموع “الحكرة”.  وحتى الدراجات المكرية من عند “شامبيط” لم تكن تسلم من فعلتنا تلك، حيث كنا ننتزعها منهم ونتوارى على الأنظار للاستمتاع بركوبها، إلى أن يحضر”شامبيط” بدراجته النارية لاسترداد  دراجاته المختطفة متوعدا إيانا بالزجر والعقاب. أما نحن فنكون قد أرخينا العنان لأرجلنا منتشين ببطولتنا وساديتنا الطفولية.
كان السوق يحتوي على “مطاعم” تقليدية تلقى إقبالا منقطع النظير لأنها المكان الوحيد الذي كان يقصده المتسوقون لمقاومة الجوع. وكانت الاستعدادات تبدا باكرا جدا بالنسبة لأصحاب هذه المهنة، وكان أشهرهم هو”بوفاريك” الذي كان ذو بنية جسدية ضخمة وقامة فارعة وصوت جهوري، وكان يقبل عليه الكثير من الزبناء نظرا لطبخه اللذيذ ولكن أيضا لخفة ظله، حيث أن هزله ومستملحاته وطريقة كلامه كانت محط استحسان الناس.  
كان يوم السوق هو يوم الحلقات بامتياز، وكانت  تلك الحلقات تقام، في البداية داخل السوق، لكن حين ضاق المجال بأصحابها انتقلوا إلى خارج السوق، وكان مكانها بالظبط الساحة الفارغة أمام الحديقة جوار القيادة. أما منشطو تلك الحلقات فكانوا برانيين وغرباء عن القرية يتكلمون بلسان دارجي فصيح، وكانوا يحضرون إلى القرية مساء الجمعة وينزلون إما في فندق” رفوندا نحمادي أوغدار” أو “رفوندا نحمادي نسماعيل” وهما الفندقان اللذان يمتلئان في نهاية الأسبوع بمناسبة السوق، أما الأيام الأخرى فيظلان  فارغان ينتظران الذي يأتي ول يأتي.  كانت حكاياتهم في الحلقات تشمل كل المواضيع المفترضة: السحر، التراث، الطب والحكم الشعبية مثل حكم سيدي عبد الرحمان المجدوب التي كنا نرخي إليها السمع ونتجاوب معها أيما تجاوب .كنا إذاك، ونحن صغارا، نجد متعة لا حد لها للاستماع إليهم وتتبع خيوط قصصهم وادعاءاتهم، وكنا نسبح معهم في خيالاتهم التي لانهاية لها، لأن “الحلايقية” هم ملاذنا الوحيد للسفر عبر الزمن والهروب من الواقع  وتعلم روح المغامرة وتأثيث ذاكرتنا التخييلية بآفاق رحبة و جديدة ما أحوجنا إليها في مثل ذلك السن.
ومن الأشياء التي كانت تباع في “سبث إمزون” الكتب و بعض المجلات البالية، أي نعم كان هناك أحد الباعة المتخصصين في الكتب والتي كانت في أغلبيتها  كتب تراثية وبضع قصص للمنفلوطي  وديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب وكتيبات صغيرة الحجم تتضمن قصائد أغاني  ناس الغيوان وجيل جيلالة وهي منشورات ازدهرت في السبعينات وكانت تلقى إقبالا كبيرا عند الشباب. أما الكتاب الذي كان لا يعلى عليه فهو ” الروض العاطر في نزهة الخاطر” لصاحبه الشيخ النفزاوي والذي كان هو المرجع في الثقافة الجنسية والكتاب الوحيد في هذا الموضوع الذي تجده في كل الأسواق وعند كثير من الناس وهو يتضمن أسماء الأعضاء التناسلية وأوصافها وآداب الجماع ونصائح حول الحياة الجنسية عموما. وياما استمتعنا بقراءة صفحات هذا الكتاب، وياما ضحكنا من بعض الأوصاف والأسماء، لكن ما نال إعجابنا أكثر هو جرأة المؤلف وقدرته على تناول موضوع الجنس في مجتمع كان فيه وما زال هذا الموضوع طابوها ينتمي إلى دائرة المسكوت عنه.                                                             
ومن بين الأشياء التي كانت حاضرة باستمرار في المكتبة المفتوحة على السماء، صور سيدنا آدم وأمنا حواء وهما واقفان جنب شجرة التفاح، عاريان من أي لباس وأعضاءهما التناسلية مستورة بأوراق الشجر، والثعبان إياه ملتو على الشجرة. ومن تلك الصور صورة سيدنا علي بسيفه البتار الذي قطع رجل أحد أعدائه، وصور أخرى كثيرة تخلد قصص الأنبياء والرسل. وكانت هذه الصور تلقى إقبالا كبيرا عند الناس وتعلق في الأماكن العمومية كالمقاهي والحوانيت وكذا المنازل، ولم تكن تثير أية اشمئزاز أو مقت أو تحريم  كما يقع اليوم مع الرهبان الجدد ومرتزقة الدين.     
ياما ذكريات أحتفظ بها من سبث إمزون. 
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1

    tahia makay ,bravo les souvenirs de passé eh oui cést ça lévolution humain