Your Content Here
اليوم الأربعاء 28 يونيو 2017 - 8:45 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 4 أبريل 2016 - 3:10 مساءً

إستمرار في تحقيق ظهير 9 أكتوبر 1926 المشؤوم… الشاهدة الوحيدة

جمال الكتابي *

في إطار استمرار التحقيق حول الظهير المشؤوم، ظهير 9 أكتوبر 1926 الذي بموجبه تم نفي رجال المقاومة من الريف ومصادرة أملاكهم قمت يوم 12مارس 2016 بزيارة ‘الشاهدة’ الوحيدة تقريبا التي مازالت على قيد الحياة السيدة الفاضلة والمجاهدة خديجة السي زيان الاجديرية. السيدة خديجة رأت النور بأجدير سنة 1925، والدها هو السيد امنحد حدو السي زيان (الملقب بأمغار) الذي تم نفيه بموجب هذا الظهير إلى جزيرة لاريونيون مع العائلة الخطابية، أما أخواه عبد الكريم ومحمد تم نفيهما كذلك بموجب نفس الظهير الى فاس (انظر رقم 2 و3 و4 في التحقيق الذي نشرته في بعض الجرائد الالكترونية وجريدة المساء عدد 13 يناير 2016 ). والدها أسند إليه الرئيس عبد الكريم مباشرة بعد معركة أنوال مهمة بناء جهاز المخابرات في الريف ليواجه ماسمي آنذاك بمرحلة المخبرين ضد الثورة وبالخصوص أن إسبانيا اقتنعت بعد انهزاماتها المتتالية في معركة ‘ادهار اوبران’ في مايو 1921 ومعركة ‘تيزي عزا’ في يونيو 1921 ومعركة أنوال في يوليوز 1921 أنه لا يمكن أن تهزم عبد الكريم بالاعتماد فقط على الآلة الحربية، بل بضرورة زرع مخبرين في الريف ومن داخل الثورة إن أمكن. عبد الكريم استوعب المخطط بسرعة مما جعله يعين مباشرة بعد أنوال والد السيدة خديجة السيد امحند حدو السي زيان (أمغار) على رأس الاستخبارات الريفية، كما أسند إليه كذلك مهمة الأمن الرئاسي، بالإضافة إلى تعيينه للسيد عبد الكريم عمر محمد رئيسا للأمن الوطني.

جمال الكتابي مع الشاهدة السيد خديجة

12921984_10205882571320209_588347982_o

السيدة خديجة ازدادت في أعز وقت حصار العاصمة أجدير من طرف قوات النخبة في الجيش الإيبري القادمة من مليلية مما جعل والدها لم يجد الوقت الكافي ليحتفل بازدياد ابنته البكر. السبب في ذلك أن والدها كان يرافق عبد الكريم أينما رحل وارتحل بحثا عن ‘الأماكن الآمنة’..

استرجعنا مع السيدة خديجة ذكرايات أليمة لا يمكن أن يمحيها الدهر. إنها تتذكر كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة حول ماتعرضت لها عائلتها من ظلم قل نظيره. إنها تحكي كيف طردت عائلتها في مايو 1926 (بعد أسر الرئيس عبد الكريم) من أرض أجدادها مع أمها وأختها الصغيرة التي لم يكن يتجاوز عمرها أشهرا قليلة الى فاس حيث تم عزلهن عن أبيها ولم يسمح لهن حتى توديعه ومعانقته قبل نفيه إلى جزيرة لا ريونيون التي تقع في وسط المحيط الهادي وتبعد عن أجدير بأكثر من 8000 كلم، كما تحكي كيف فقدت أختها الصغيرة والوحيدة في فاس في غفلة عن الجميع عندما كان الجميع منشغلا بالمصير الأسود الذي كان ينتظر والدها ومجموعته في وسط إشاعات تقول أن مصيرهم هو المقصلة او المحرقة. بعد نفي والدها في اتجاه جزيرة لارينيون في أكتوبر 1926 رجعتا (هي وأمها) إلى أجدير تحت رعاية جدها من أمها السيد أوشن. رجعوا بدون أختها الصغيرة والوحيدة التي دفنت في فاس. في أجدير كان المسكن مراقبا من طرف المخابرات الإسبانية التي كانت تزوره باستمرار، مما دفع جدها أن يحرق كل الرسائل التي كانت تصلهم من والدها المنفي في جزيرة لاريونيون.

السيد خديجة السي ريان

12919132_10205882429636667_1568121119_n

السيدة خديجة كبرت في كنف أمها وجدها، تتذكر كيف فقدت والدتها في بداية الخمسينات وهي مازالت شابة لم تتجاوز بعد 24 سنة. بعد وفاة أمها عاشت وحيدة ويتيمة حتى تزوجت.

والدها المنفي في جزيرة لاريونيون تزوج هناك من سيدة فرنسية وصار له طفلين هما إبنة إسمها ‘مميس’ وإبن إسمه ‘اليزيد’.

بعد 6 سنوات من إنزال/نزول عبد الكريم في القاهرة سنة 1947 رجع والدها في بداية الخمسينات إلى فاس بصحبة زوجته الفرنسية وإبنته مميس وإبنه اليزيد بموافقة السلطات الفرنسية، وذلك حتى يلتقي إبنته (السيدة خديجة). انتظرت السيدة خديجة هذه اللحظة على أحر من الجمر لتلتقي أبا لم تره إلا في الصور. بعد أن رخص لها ممثل السلطان في تطوان (حسن ابن المهدي) والمقيم العام الإسباني سافرت إلى فاس لرؤيته. السيدة خديجة تقول أنها عندما وصلت إلى فاس انتظرت والدها في مقهى ما في فاس القديمة، وعندما أتى للسلام عليها واصطحابها معه إلى المنزل منعته من التقرب منها وهربت منه من شدة وقع اللحظة عليها واختلاط المشاعر لديها (هنا نزلت دمعتان من عيناي وكاد المحقق أن ينهار). السيدة خديجة هدأت في الأخير وعانقت والدها وذهبت معه الى المنزل الذي كان يقطنه عمها عبد الكريم المنفي هو كذلك كما قلنا سنة 1926 في فاس. بقيت مع والدها في فاس لمدة لم تتعد سنتين. السيدة خديجة تحكي أن والدها ذات ليلة رجع هاربا إلى مصر بعد مداهمة مسكنه من طرف كومندو مسلح، قاومهم بالسلاح/بالمسدس الذي كان يمتلكه، حينها فهمت السيدة خديجة لماذا كان والدها دائما ينام مع سلاحه. بل فهمت لا حقا أن والدها الشجاع اعتبر كمجرم حرب من طرف اسبانيا وكان مطالبا القبض عليه حيا أو ميتا بعد تصفيته لثلاث عملاء اسبان أثناء الثورة (إحدى هذه التصفيات ذكرها السيد عبد الحميد الرايس في كتابه شهادات حول المقاومة). السيدة خديجة بدورها رجعت إلى أجدير بعد هروب والدها إلى مصر تاركا وراءه في فاس زوجته الفرنسية وطفليهما، وكان من النتائج الكارثية لهذا الوضع هو وفاة ابنه (أخيها من أبيها) المسمى ‘اليزيد’ في فاس أما زوجته وابنته الصغيرة مميس فقد رجعتا الى فرنسا ولم يتمكنا من مشاهدته قبل وفاته سنة 1962. زوجة والدها الفرنسية توفيت هي كذلك قبل عقود، أما ابنتيهما مميس فقد تكون ماتزال على قيد الحياة، انقطعت أخبارها منذ قبل سبع سنوات تقول السيدة خديجة.

السيدة خديجة تحكي قصتها بكل فخر واعتزاز على ما قدمته عائلة الخطابي وباقي المجاهدين من تضحيات جسام من أجل تحرير الأرض والإنسان، فضلا على أنها تحتفظ بذاكرة قوية رغم ولوجها العقد التاسع، كما تحتفظ بمعلومات جد قيمة شكلت إضافات نوعية لمسارات هذا التحقيق وذلك نظرا لموقعها في قلب العائلة الخطابية، فجدها من والدها السيد حدو السي زيان هو الاخ الشقيق لعبد الكريم الاب.

السيدة خديجة تتذكر كيف تم الإستيلاء الغير المشروع على أملاك والدها في أجدير من طرف قوات الاحتلال والعملاء وحتى من طرف بعض ذوي القربى الذين حاولوا منذ الوهلة الاولى من نفي والدها السيطرة على المستندات وأوراق ملكية الارض.

السيدة خديجة تعيش مع ابنتها في بروكسيل ولها إقامة دائمة حصلت عليها قبل 17 سنة من طرف الدولة البلجيكية. هذه الدولة التي كرمتها ووفرت لها معاشا ورعاية صحية.

زوجها الذي كان يملك مركبا لصيد السمك في الحسيمة رحل قبل عشرين سنة.

السيدة خديجة طالبت مني أن أفكر معها في كيفية حصولها على شهادة وفاة والدها الذي توفي في القاهرة سنة 1962، وذلك حتى تتمكن من التصرف في ما تبقى من أملاكه القليلة جدا.

والدها السيد أمحند السي ريان -أمغار-

12959584_10205882431716719_7136986_o

السيدة خديجة تجمعها علاقات طيبة مع بنات عمها محمد عبد الكريم الخطابي من بينهن عائشة ومريم ورقية.

عندما فتحنا التحقيق قبل سنتين تقريبا حول الظهير المشؤوم، ظهير 9 أكتوبر 1926، كان أملنا دائما أن نعثر على شاهد او شاهدة على قيد الحياة حتى يقربنا من هذه التجربة الرهيبة، وكم كانت سعادتنا كبيرة أن نلتقي بالسيدة خديجة رغم طول البحث عنها.

يقول محمد محمد عمر بلقاضي الذي شغل مناصب مدنية وعسكرية في حكومة عبد الكريم وبالخصوص وزارة العدل يقول في كتابه ‘أسد الريف’ الصفحة 21 “أنه كلف من طرف امحمد الخطابي ولمدة أربعة أيام ان يسجل العائلات التي ‘قررت الخروج’ وهم 500 عائلة ( مايزيد عن 3000 نسمة)”. لقد قام بهذا الاحصاء في نهاية ماي 1926 بترجيست التي كانت المنفذ الوحيد تقريبا للترحيل الى المناطق الفرنسية. أغلب هذه العائلات قررت الخروج إما خوفا من انتقام القوات الاسبانية وإما تقرر فيها النفي. يسترسل السيد محمد محمد عمر بالقاضي ويقول “أنهم اخذونا الى تازة مع باقي المهجرين حيث قضينا اربعة ايام ومن ثم فرقونا..”، لقد تم نفيه هو بصحبة وزير/ناظر الفلاحة السيد عبد السلام بن سلام اليخلوفي الى زرهون وبقي في المنفى في زرهون لمدة 24 سنة لم يسمح له الرجوع من طرف الاحتلال الفرنسي والاسباني إلى الريف إلا سنة 1950. هذا يعني أن المآت من الأفراد قرر فيهم النفي والترحيل من الريف الى المنطقة الفرنسية أو خارج المغرب أو تم الزج بهم في غياهب السجون الإسبانية في مليلية أو في جزيرة لاس شفارينس دون أن نتمكن من معرفة مصيرهم.

من بين المعلومات الهامة التي أدلت بها السيدة خديجة في هذه الشهادة الموثقة بالصوت والصورة ولم يتطرق إليها أي مصدر تاريخي هو أن والدها تطوع كرهينة ليقضي ما تبقى من مدة سجن محمد ابن عبد الكريم الخطابي في سجن القلعة ،الموجود بمليلية، عندما أطلق سراح هذا الاخير بسبب المرض سنة 1916. بموجب هذا الاتفاق قضى أبوها ما يقارب ستة أشهر في هذا السجن.

إلى جانب اللحظات الأليمة التي توقفت عندها السيدة خديجة بكل التفاصيل في روايتها، كان لقاؤنا معها كذلك مناسبة للضحك و شئ من إزران، بحيث أن السيدة خديجة تحفض على ظهر قلب العديد من إزران (الأغاني الريفية) التي كانت ترددها النساء والشابات أثناء الثورة أو بعد أسر قائدها مولاي موحند، من بينها:

أيا مولاي موحند معاذ أديروح… معاد أديحيا… أمعاذ أديني أخويس ذازكزا…

Aya molay mohend ma3ad adirewah.. ma3ad adihaya.. ama3ad adini akhoyes dazeghza..

الترجمة: هل سنرى عبد الكريم مرة أخرى، هل سيحيا مرة أخرى، هل سنراه مرة أخرى راكبا على فرسه ذو اللون ‘الأزرق’.

قبل أن أشكر السيدة خديجة وإبنتها الفاضلة وزوج ابنتها وحفيدتيها على حسن الإستقبال والضيافة في مسكنهم في بروكسيل أود أن أشير أن التحقيق وجمع المعلومات حول الظهير المشؤوم مازال مستمرا وكان آخرها قبل أربعة أسابيع زيارتنا لعائلة محمادى الحاتمي في سلا و التي كانت كذلك مناسبة لزيارة قبر هذا الشهيد البطل هناك، وكذا اللقاء الذي جمعنا مع السيد عبد مالك بولحية في الحسيمة حول جده قاضي الريف ووزير العدل السيد علي الوكيلي بولحية. وكما التقينا في طنجة بشخصيات أخرى.

نود أن ننوه أن المحطة الأخرى من هذا التحقيق ستكون جزيرة لاريونيون. الجزيرة التي يحرسها القرش قبل الجيش كما يسميها الفرنسيون. هذه الجزيرة التي جعل منها المحتل القاسي مكانا لدفن أحلام الشعوب في التحرر والانعتاق. الجزيرة التي قضى فيها الرئيس عبد الكريم وباقي أعضاء العائلة الخطابية وبعض مرافقيهم من بينهم والد السيدة خديجة عشرين سنة من النفي والاسر. الرحلة ستكون برفقة صديقين من هولندا في أواخر شهر أبريل.

من خلال ملخص شهادة المجاهدة السيدة خديجة السي زيان ومن خلال كذلك فلسفة الانتقام التي بني عليها الظهير المشؤوم يتبين لنا شيئا فشيئا الهدف السياسي الرهيب لهذا المخطط والمتمثل أساسا في قطع الطريق على أية إمكانية لتسليم السلط بين الاجيال.

بشهادتها القيمة هاته تكون السيدة خديجة قد قربتنا من بعض حيثيات النفي والانتقام التي أعقبت سقوط الثورة، بل فتحت لهذا التحقيق مسارات ودروب أخرى تجعلنا نستكمله بكل ثقة.

المجاهدة خديجة تستحق لوحدها أن يكتب في حقها كتابا أو تحويل روايتها إلى فيلم درامي، إنها ثروة وطنية بكل المعاني. نطلب لها الشفاء وطول العمر.

وفي الاخير أشكر إبنتها (ج) وزوجها (م.أ) القاطنين بالحسيمة على دورهما الكبير في تحقيق هذا اللقاء.

ملاحظة: اتفقت مع العائلة على نشر هذا التقرير وبعض الصور من أجل تعميم الفائدة. هذه الصور تنشر كلها لأول مرة وأرجو من القراء أن يشيروا الى المصدر إذا أخذوها بمعزل عن هذه الشهادة/التحقيق.

في الصورة التي جمعت عبد الكريم ومحمد الخامس سنة 1960 بالقاهرة يبدو والدها واقفا وينظر الى الرئيس كمن يقول: أنا مازلت مكلفا بحراستك.

12966257_10205882438356885_1884537726_n

 

*مهتم وباحث في قضايا الريف وحقوق الإنسان

عضو مؤسسة عبد الكريم الخطابي في هولندا.

أمستردام 2 أبريل 2016.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.