Your Content Here
اليوم السبت 4 أبريل 2020 - 5:27 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 27 يناير 2016 - 12:45 مساءً

سليمان علا: إمزورن في أيام محنة الزلزال ( الجزء الثاني )

الحلقة السادسة عشرة

إمزورن ،أيام محنة الزلزال (2)

على وقع الهزات الارتدادية المتتالية منذ الرجة الكبرى  لليلة 24 فبرير لسنة 2004 ،بدأت ساكنة إمزورن تتأقلم مع الوضع الطبيعي الجديد،لكن ما لم يتم استساغته من طرفهم هوغياب الدعم اللوجيستيكي في الساعات التي أعقبت الكارثة، الشيءالذي ترك تذمرا في النفوس، وإحساسا بالعزلة والغربة ،تجلت في طول انتظار ساكنة إمزورن فيما قد تسفر عنه ردود الأفعال الإيجابية الوطنية والدولية تجاه الحدث الجلل .  وكان من الأولويات التي ينتظرها المنكوبون هو توفيرمايمكن الأسر المشردة  من الاستقرار في مخيمات بأحيائها القريبة من مساكنها التي هجرتها، و هو دعم يهم الأمن الذاتي ،وحماية الممتلكات التي أصبحت عرضة للنهب والسرقة من طرف غرباء عن المدينة ، هؤلاء الذين بدأوا يتوافدون على المدينة المنكوبة في عصابات من أجل سرقة محتويات المنازل، مستغلين في ذلك خلو أحياء بكاملها من قاطنيها، وهم نازحون في فضاءات متفرقة ،سواء داخل المدينة أو خارجها .

        لكن عندما تقاطرت وسائل الإعلام الوطنية والدولية على بلدة إمزورن المنكوبة،وتناقلت مخلفات الزلزال الذي باغتها ليلا، وبواسطة ماهو مكتوب أومسموع أومرئي، استطاعت أن تنقل معاناة الساكنة المنكوبة إلى مختلف الجهات، الوطنية والدولية،الحكومية منها ومن مجتمع مدني، فتقوت أواصر التعاطف والمواساة آنذاك، كما عجلت الدولة بإرسال قواتها العمومية، وبدعمها إلى عين المكان لاستباب الأمن ،من أجل الاستقرارالمادي والمعنوي لساكنة إمزورن المتضررة.

ولعل من أهم مظاهر التعاون الموجه للساكنة المنكوبة في تلك الفترة العصيبة، هوذلك الذي جمع المنظمتين الكبيرتين : الوطنية ،الممثلة في “الهلال الأحمر المغربي”، والدولية المعروفة بالصليب الأحمر الدولي، حيث تمكنت المنظمتان معا من الاشتغال جنبا إلى جنب على أكثر من صعيد،وكان أهمها توفير بعض الخدمات الصحية والنفسية التي كانت من بين الأولويات في تلك الظرفية الحرجة. ولا ننس كذلك دور الوقاية المدنية والمجلس البلدي الذين عملا على نقل الجرحى والمصابين على متن سيارات الإسعاف ،وأحيانا في سيارات خاصة،إلى مستشفى محمد الخامس بالحسيمة من أجل تلقي الإسعافات والعلاجات الطبية الضرورية والمستعجلة.

كما تستحضر ساكنة إمزورن أيضا ذلك الدعم المادي الذي قامت الجالية المغربية من مواطني مدينة إمزورن بأوروبا بتوفيره،إذ أن شحنات من مختلف المواد وردت على كل

الأحياء في الوقت الذي كانت فيه الساكنة المنكوبة  في أمس الحاجة إلى هذا الدعم المادي من أغطية وخيام ومواد غذائية …ولقد وقعت هذه المساعدات في النفوس موقع سد الحاجة بالنسبة للمحروم،كما أبانت هذه الالتفاتة مرة أخرى ، عن متانة  تلك اللحمة التي تجمع دائما بين أبناء إمزورن: القاطنين ،والمهاجرين.

مخيمات منتشرة في جميع أحياء مدينة إمزورن،وفي كل فضاء فارغ  خال من البناء، هذه المخيمات التي كانت تختلف من حيث حجمها واستغلالها للمساحة التي  تم اختيارها باختلاف عدد الأسر التي لها صلة القرابة أوالجوار بعضها ببعض، فجلها كانت مكونة من منكوبين يعرف بعضهم بعضا،عملا بمبدأ التضامن والحماية القديمين، إذ أن هذا يذكرنا بحقبة تاريخية معروفة لدى الريفيين ، ، كان أفراد العائلة الكبيرة كلهم يسكنون في منزل واحد  من أجل الاستقواء و تعاضد بعضهم ببعض، ولقدأعادهذا السلوك  نفسه في هذه المحنة بقوة وبشكل تلقائي، فآزر أصحاب المخيم الواحد بعضهم بعضا،وعم الأمن جوانب هذه المخيمات،وبدأت الطمأنينة والسكينة تعرف طريقها إلى النفوس المصدومة.

مساعدات غذائية وأغطية وأدوية وخيام،قدمتها مختلف الجهات،الوطنية والدولية. لكن الحاجة الملحة إليها، خلقت نوعا من التهافت الزائد لدى بعض الساكنة المنكوبة بإمزورن،وظهرت سلوكيات وتصرفات من خلال هؤلاء ،ميعت الصورة النمطية التي عرف بها أهل البلدة ،وكانت الضرورة تقتضي تدبير المرحلة بتعقل وضبط النفس،و من أجل ذلك تشكلت جمعيات الأحياء التي يرجع إليها الفضل في القضاء على ذلك التهافت والجري وراء الشاحنات المحملة بالمساعدات، وأسندت إليها مهمة استقبال المساعدات وتخزينها وتوزيعها ،وبواستطتها طاب المقام في المخيمات ،وتحسن الوضع تدريجيا إلى حد نسيان هلع الزلزال.

كانت الضرورة  أيضا ،بعد مرور الزلزال بأيام،تفتضي رجوع أطفال إمزورن إلى مقاعد دراستهم،والعمل على إخلاء الأسر للحجرات وللفضاءات المدرسية، خاصة مع زوال خطر الزلزال الذي كان يهدد مبانيهم ومساكنهم ،وهو ما استجابت له الساكنة المستفيدة من الإقامة بهذه المؤسسات التعليمية ، فرجع المدرسون إلى حجراتهم الدراسية مستقبلين لتلامذتهم زمرا بعد أخرى، وكانت فرصة لهؤلاء الأطفال الذين عايشوا هلع وخوف الزلزال على طول أيام حدوثه أن يستفيدوا من لقاءات تواصلية مع جمعيات ومنظمات عالمية كاليونسيف في موضوع الدعم النفسي ،تلقوا فيها مجموعة من الدروس لها علاقة بكيفية تخطي الأزمات و مخلفات الكوارث ،خاصة النفسية منها في مثل هذه المحن، ولقد تطوع إلى جانب هؤلاء الأعضاء من المنظمة ،أطر تربوية محلية أبانت هي الأخرى إلى جانب المجتمع المدني عن كفاءتها وقدرتها في الانخراط من أجل الأخذ بيد فئة من الساكنة  المنكوبة نحو بر الاستقرار، والتوازن النفسي .

 

 

 

بقلم سليمان علا

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.