Your Content Here
اليوم الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 9:52 مساءً
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : السبت 16 يناير 2016 - 7:50 مساءً

سليمان علا: “إمزورن في أيام محنة الزلزال” الحلقة الخامسة عشرة

 

حينما أسدل ليل يوم 24 فبراير لسنة 2004  ستاره على مدينة إمزورن، لم يكن في بال أحد من الساكنة أن تأتيه الكارثة في ذلك الوقت وبتلك القوة ، لكن ذلك حدث ، ومشيئة الله هي التي اختارت المكان، فلا راد لقدر الله … لكن ذلك كان يستوجب قبل حدوثه  تجربة في التعامل مع مثل هذه الطوارئ،تتولى جمعيات المجتمع المدني ذات الاهتمام بالموضوع التدخل في الوقت المناسب و توفير بنيات الاستقبال: الصحية،والنفسية، واللوجيستيكية ، التي هي من اختصاص الدولة المجلس     والجماعي .

ليس ذلك لأن ساكنة إمزورن لم تختبر المحن والنكبات،بل أن في تاريخها من الكوارث ما تتذكره الساكنة الأولى للبلدة  جيدا، وما إمزورن في حقيقة الأمر إلا نتيجة كارثة الفيضانات المتكررة في فصل الشتاء حيث كان واد النكور يجتاح أراضي السهل فيغمرها بالمياه فتلتجئ الساكنة نحو آيت موسى وعمر،حيث إمزورن الآن، من أجل الاستقرار هناك لمدة ،إلى أن يحل الصيف فتبدأ الرحلة الثانية ، أو الهجرة المعاكسة نحو سهل النكور للتفرغ للزراعة من جديد.

كما لا يمكن للذاكرة المحلية أيضا أن تنسى بعض الكوارث  السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها ساكنة إمزورن في محطات مختلفة وهي في طريقها نحو إثبات الذات  ،وحيث نلمس قدرة هذه الساكنة على تجاوز محنها واختباراتها بفطرة التضامن والتلاحم التي جبلت عليها، الشيء الذي كان يقودهم دائما نحو بر الاستقرار والعودة إلى الهدوء والعيش الطبيعي بكل تلقائية وسرعة .

ففي تاريخ النكبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلدة، ومن بين ما عرفت بلدة إمزورن ،هناك حدثين هامين ، او نكبتين اثنتين: النكبة الأولى كانت سنتي 1958/1959 عندما حل الخراب ببلدة إمزورن على أيدي “إقبان” لما نهبوا وسرقوا و…كل ما تحتويه البلدة من ممتلكات ومؤن ،ومعهم بعض الانتهازيين المتواطئين الذين حذوا حذوهم فظهرت عليهم النعمة فيما بعد، بعد مرور الوقت بمدة وجيزة من الحدث ،وهو حدث ما كان سيمر دون أن يخلق اضطرابا وفوضى وتصفية حسابات و… لكن عزيمة وإصرار أهل البلدة على العودة إلى الهدوء وضبط النفس لتجاوز المحنة كان من الأولويات، فأرجعت الأمور إلى نصابها،وتم إعمار البلدة من جديد.

الحدث الثاني  هو حدث 19 يناير من سنة 1984،عندما أحست الساكنة بوطأة الأزمة التي أدت إلى ركود قطاعها الحيوي الوحيد:التجارة،وذلك نتيجة سياسة التقشف المملاة حينئذ على المغرب كله في إطار ما كان يسمى بالتقويم الهيكلي…فانتفضت الساكنة بعدما أشعلت شرارتها الأولى الحركة التلاميذية التي امتدت إلى شوارع البلدة من السوق الأسبوعي ،فتدخلت السلطة المركزية بشكل عنيف،وزاد الوضع تأزما بتمديد الحصار الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي على بلدة إمزورن بصفة خاصة ،وعلى منطقة الريف بصفة عامة، وما كانت الأزمة/الكارثة  كذلك سينجلي ليلها ، لولا تشبث سكان إمزورن  من جديد ،ببلدتهم وصمودهم أمام مثل هذه الهزات التي كانت ستؤدي إلى ظواهر اجتماعية خطيرة ، وماكان بالتالي سيرضى بها أجداد ساكنة إمزورن ،سواءالأحياء منهم المخضرمين،ولاالأموات  الذين هم في قبورهم اراقدون.

 لنرجع إلى الهزة الأرضية إذن،ولنترك الخوض في باقي الهزات غير الطبيعية ،إلى أن يحين الوقت لذلك… إلى تلك الهزة الطبيعية التي باغتت الساكنة ليلا، وأخذت بالنفوس والألباب مأخذا، فلم تترك لأحد الوقت من أجل أن يستوعب ما حدث…

 هي ثوان معدودة ،لكن ما حدث فيها كان عظيما: فزع وترقب الأسوأ ، هو المسيطر على القلوب والعقول،فغاب الثبات عن الساكنة أمام هول ما كانت تسمعه الآذان من أنين الأرض والأشياء الصلبة، وهي تحس تجاهها بالشفقة قبل نفسها… وبسبب ما تراه أعينهم  من تحطم جدران البنايات وملحقاتها وتساقطها كما تتساقط أوراق الأشجار في فصل الخريف،فيصيب الهلع النفس لتجعل الأبصار شاخصة ،لكنها لا تكاد ترى ولا تصدق ما يدور حولها من هول…. تريد الحناجر أن تنطق وتعبر عن الموقف، وإذا بالصدمة تحبس الأنفاس،وتعطل قدرة النطق، وتصيب ملكة ترتيب الأفكار بالخلل والشلل التام… صدمة ، هي أكبر من صدمة.

 حل الزلزال ليلا ببلدة إمزورن ،ولقد استغرق مروره ثوان قليلة  ،لكن وقعه كان قويا وسريعا . مر كالوحش الهائج ، لم يدع بيتا إلا وهزه ورجه،  ولا نفسا إلا أفزعها وأرعبها ،وإن كان من النفوس والبيوت  ما صمد وقاوم . ومنها ما انهار، إما جزئيا أو كليا …هي ضحايا من مختلف أنواع البنايات و الفئات العمرية والجنسية، ضررها متفاوتتة  ومتباينة من حي إلى آخر،و النصيب الأكبر من هذه الأضرار، سواء منها البشرية أو المادية ، قد حلت بالشريط السكني الممتد من مسجد المرحوم”الحاج محوت” :مسجد الإمام مالك، إلى حيث إعدادية القدس،ففي هذه الرقعة من مساحة البلدة حضرت الكارثة بشكل كبير، وتم انهيار منازل من طوابق متعددة،وحصدت أرواحا كثيرة ،غيبتها الأنقاض ، فكان مصيرها إما الموت أو الإصابات المتنوعة،أو النجاة بقدرة إلهية.

فعل الزلزال ما فعل في تلك الليلة،وجاء الصبح بنوره فأنارت الشمس البلدة بضوئها المؤنس،وذلك بعد ظلمة حالكة، مخيفة وموحشة. وتحت أشعتها بدت البلدة في أنقاضها كأن سربا من الطائرات الحربية قد مرت من فوقها، و ألقت بكل ما حوت بطونها ،من قذائف وصواريخ حربية مدمرة ،على أحيائها وأزقتها ،وشوارعها… فأصبحت، وكأنها ما عمرت بالأمس، ولا كان ناس البلدة بها يتنقلون ويتسوقون ،يبيعون ويشترون… بل أن أكثرهم نفروا وفروا من دورهم ،وأصبحوا لا يطيقون الدخول إليها ،بعدما أن عاشوا بها من هول الزلزال ما عاشوا،مع استثناءات قليلة لبعض الأفراد من الساكنة  الذين جازفوا بأنفسهم من أجل حاجة ماسة احتوتها تلك المساكن المخيفة، فكانو يقتحمون أبوابها وكأنهم يدفعون بأنفسهم إلى موت محقق…وفعلا فكم من مجازفة من هذا النوع ،وفي وقت تلك الهزات الارتدادية ،قد أدت إلى هلاك بعضهم ،وهذا ما حدث للمرحوم “…… “،وهو الذي كان قيد حياته مهاجرا متقاعدا، في مقر سكناه المتضرر من الزلزال بحي الثانوي ،إذ انطبقت عليه أسوار منزله تلك، بعد دخوله إليه مباشرة بدقائق معدودة، فقضى فيه نحبه تحت أنقاضه ، نتيجة إصراره على الدخول – رحمه الله- وحيث لم تنفع  معه نصائح أهله في ثنيه على الإقدام على ذلك..

  بين ليلة وضحاها إذن ،وجد ناس مدينة إمزورن أنفسهم في فضاءات المدينة كالمشردين، افتقدوا إلى كل شيء، فلا مأوى يضمهم، ولا مرافق صحية لقضاء حاجتهم،ولا مأكل ولا مشرب إلا ما كان في بطونهم بالأمس،ولا اتصال بالعالم الخارجي إلا مخاطبة الهاتف الآلي المسجل وقولها :يتعذر علينا الاتصال بمخاطبكم …

  هي معاناة مادية انضافت إلى المعاناة النفسية،فاقتحم ناس البلدة فضاءات المؤسسات التعليمية : الابتدائية والثانوية والإعدادية، والساحات العمومية ،وكل بقعة فارغة توسموا فيها الأمن والاحترام … تجمعوا في مجموعات ،حيث تجسدت المعاناة بكل أشكالها وأنواعها: أطفال رضع في أمس الحاجة إلى حليب،مرضى ومسنون يحتاجون إلى مراقد، نساء حوامل متعبة …. ، وأمام هذا الوضع ،أصبح  من الضروري على كل رب أسرة أومعيل، أن يتحرك من أجل توفير بعض الضروريات ، وأهمها كانت خيمة ستأوي من هم تحت مسؤوليتهم، لتحميهم من قساوة الطبيعة ، وتوفر لهم خصوصياتهم في حدها الأدنى. فتجمعوا أمام مقر السلطة المحلية ،وبناية المجلس البلدي، لنقل معاناتهم إلى هؤلاء المسؤولين، والمطالبة بتوفير الضروريات.

     في الجانب الآخر من مسرح الكارثة،حيث تراجيديا الموت، ودم الجرحى، وفي بعض الأحياء الأكثر تضررا، كانت المأساة أعمق ، و الضرر أفدح ، لا من حيث  الخسائر البشرية ولا المادية، وهناك أيضا ،كانت عملية الإنقاذ قد بدأت بشكل متواصل منذ الساعات الأولى من الكارثة،

و بإمكانيات بشرية ومادية محدودة، إذ أن الساكنة  قد تكتلت في مجموعات لهذا الغرض ، فبدأت الجهود تتكاثف ،والإحساس بالمسؤولية يتعاظم، فاقتحموا العمل الميداني،بالرغم من حجم المهمة التي كانت أكبر بكثير، من سواعد بشرية ذات طاقة محدودة، ومن معاول لا حول لها ولا قوة أمام إسمنت مسلح،وأنقاض متراكمة و سميكة.

انخرط سكان مدينة إمزورن المتضررة في العمليات السطحية البسيطة ،و كانت البداية من الأماكن المتضررة التي  لا تحتاج إلى عمق في الحفر، فكلل أغلبها بالنجاح، حيث تم إنقاذ الناجين ،وانتشال جثث الهالكين… أما المستعصية منها ،و التي كانت تحتاج إلى حضور آليات كبيرة ،وخبرة بشرية  لها إلمام بتموقع الضحايا تحت الأنقاض وبكيفية انتشالهم، فلقد اكتفت الأهالي المتكتلة، بمواساة عائلات الضحايا ،والعمل من خلالهم على تمديد حبل الأمل لديهم  لعل الله سيحدث بعد ذلك أمرا.

برفع الحصار على الذبذبات التي يلتقطها الهاتف” من أجل المكالمات :الريزو” ،انتشر خبر الكارثة في بقاع العالم،وبذلك تلقى “أصحاب إمزورن بالخارج “،خاصة منهم مهاجري أوروبا، النبأ كالصاعقة،فتقاطرت المكالمات الهاتفية على ذويهم بإمزورن المنكوبة  وهم يستقصون الأمر،كماتوصلت  وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة بالخبر، فتقوى الدعم الدولي والوطني تجاه البلدة المنكوبة، وأصبح اسم إمزورن متداولا في مختلف وسائل الإعلام الوطنية والعالمية، كما حلت بالمكان أول وحدة للإنقاذ من مدينة مليلية ،وهي وحدة مدربة ومتمرسة على مثل هذه الطوارئ ، كانت تملك مايهم، من الآليات والأطر المؤهلة سواء منها البشرية ،وكذلك تلك الكلاب التي كانت تستعمل في تحديد موقع الجثث والمصابين الذين هم تحت الأنقاض،فزرعت الأمل في نفوس أهل الضحايا… وفي نفس الوقت تقاطر على المكان أيضا جماعات من سكان الناظور والدريوش وهم  على متن شاحناتهم  المحملة بالخبز والحليب ،فتم توزيع ذلك على المنكوبين،الذين كانوا في أمس الحاجة إلى ما سيسدون به رمق جوعهم، وأشركوا معهم جمعيات الأحياء التي بدأت تتشكل وتنتظم في عملية التوزيع، على اعتبار هم أدرى بشعاب البلدة وبمن هم أكثر أحتياجا  .

                                                     يتبع ….

 بقلم: سليمان علا

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.