Your Content Here
اليوم الجمعة 23 أغسطس 2019 - 2:39 صباحًا
أخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2015 - 10:28 صباحًا

سليمان علا: بناية “حبس إمزورن” ( الحلقة السابعة )

 “حبس إمزورن”

الحلقة السابعة

                                          
في بداية السبعينيات ، ونحن تلاميذ صغار في المتوسط الأول الابتدائي، ومن رصيف مدرسة أبي طالب ،كنا نسمع أصوات معتقلين ،يستعطفون المارة خبزا أوسيجارة إو إيصال خبر الاعتقال لذويهم….الأصوات كانت تأتينا من البناية المقابلة للمدرسة ،وهي بناية  من مخلفات الاستعمار، بناية كبيرة ،مربعة الشكل ، متينة، وذات باب حديدي تعلوه كوة تملأها القضبان الحديدية في اتجاه عمودي. يخيم عليها الرعب والخوف من كل جانب ،وبجانبها مخفرا “للمخازنية” ،”امخازنية ” غلاظ،سمان ، يشرفون على الأمن داخل البلدة. أحكامهم وقراراتهم جاهزة ونافذة في كل الأحوال : الجنحية والجنائية والمدنية …(الدبانة ماتزهق).  

وماكنت أتصور يوما أن أكون” ضيفا ” بهذه “البناية /الزنزانة” ، ولأحكي بسببها  أحداثا مضمرة قي ذاكرة المدينة ، تتعلق بسنين الجمر والرصاص التي هبت “لفحاتها” على بلدتنا كذلك ،و لم تستثنينا ونحن  أطفالا”مراهقين” في سن السادسة عشر من “حقنا “… لكن القدر شاء ذلك، وكان له ما أراد.

 ففي تلك الليلة من ليالي رمضان من سنة 1976 ،كان الجو حارا ،وبصحبة صديقي :(ط.م) و(ع.ج) أخذنا نتجول في الأزقة  المعدودة للبلدة ، وأثناءوصولنا لمقهى المرحوم”موح أقضاض”  ، فوجئنا بسيارة “رونو4” البيضاء تتوقف عند أرجلنا،لينزل منها “مخازنيين” إثنين، سمينين غليظين وفضين، انقضواعلينا كالنسور ،ثم حزمونا كما تحزم الأغراض الخفيفة في حقيبة قديمة، ورموا بنا داخل السيارة ….

    في الطريق،وفي اتجاه مجهول، وغصة الخوف في حناجرنا تحبس الأنفاس ، تعرفنا على السائق الذي لم يكن سوى قائد بلدة إمزورن آ نذاك،فارتعدت فرائصنا أكثر،لأننا كنا نعرف قساوة رجل السلطة ذاك ، ومدى جبروته وتسلطه… وماهي إلا دقائق  معدودة ، لقرب مكان الاعتقال بالمكان الذي سنساق إليه، حتى رموا بنا مرة أخرى،كما ترمى الأكباش، في مكان مظلم ،بفضاء تنبعث منه رائحة نتنة ، ظننا في أول الأمربأنه مرحاض، لكن بعد مرور الوقت، والتخفيف من هول الصدمة، وباكتشافنا بأننا لسنا بالمكان وحيدين،بل أن بشرا آخرين يشاركوننا هذا الظلام، توصلنا إلى أننا في “البناية المشؤومة”، بناية: “حبس إمزورن” !!!…. وتبين الأمر لناأكثر عندما بدأت تتكشف لنا  – من انعكاس ضوء أعواد الثقاب المتتالية على إشعال السجائر – بعض الوجوه،وهي وجوه أعتى المجرمين والمنحرفين المعروفين في البلدةآنذاك.
تكومنا في الداخل جنبا إلى جنب، نحن الإثنين،  في غياب الثالث منا، لإطلاق سراحه  عند باب “الحبس”  ،لأنه ابن رجل سلطة …   فخيم علينا الخوف     والمهانة.،وتجرعنا مرارة الشطط والتعسف … فنحن الطلبة الذين كنا نظن أنفسنا بأننا “النخبة” نحشر ضمن هذا الخليط من ذوي السوابق والإجرام ، وفي مكان لايمكن أن تقضي فيها حاجتك البيولجية إلا أمام مرأى ومسمع كل المعتقلين …أخذنا نسأل أنفسنا عن سبب هذا الاعتقال، والداعي لحبسنا في هذا السجن ،فلم  نجد لنا تهمة  سوى أننا خرجنا من منازلنا  تلك الليلة الحارة  للتجوال ببلدتنا ، والساعة آنذاك لم تتعد التاسعة والنصف ليلا …  فكانت تهمتنا ،ربما ،هيأتنا التي لم تعجب مزاج السيد القائد، إذ أن هندامنا عليه مسحة ” الغيوان” تقليدا وانخراطا في  تلك الموجة التي اجتاحت المغرب في تلك الظرفية ، وهو الشيء الذي أدى إلى تعكير صفوومزاج  السيد القائد الوصي على العباد والبلاد آنذاك ،فأراد أن يعطي بنا درسا لباقي الشباب. وكان ذلك ما يريده فعلا . فلقد تبين لنا ذلك بالملموس صباح يوم غد الاعتقال،إذ قبل الإفراج عنا، أخرجونا من الزنزانة واحدا تلو الآخر، في اتجاه مخفر المخازنية المحاذي للمعتقل  ،وهناك جزوا شعرنا الكثيف، كما تجز أصواف الخرفان. ومن بعد ذلك تم اقتيادنا تحت حراسة مشددة،وبالاستعانة من بعض الموظفين المياومين، نحو مكان السوق الأسبوعي- نكاية بنا – لتتم عملية كنس النفايات المتبقية من خضر وفواكه وأسماك و…التي تخلفت عن عملية التسوق بالأمس: يوم السبت ،موعد السوق الأسبوعي .
     الحمد لله أن البناية المشؤومة لم تفلت من العقاب و نالت جزاءها  ، إذ تم هدمها في أواسط التسعينيات مرتين، ربما لتغسل الذنب عنها وليتطهر المكان : تم هدمها بشكلها الأصلي لتتحول إلى قاعة الأنشطة بالبلدية ، ثم لحقتها عملية هدم ثانية ، لتبقى الآن بقعة جرداء وسط المدينة كذكرى لسنين الجمر والرصاص.

بقلم سليمان علا

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    allouch says:

    ……rhabs n’imzoun!!!!!maudit prison espagnole heritée par le makhzen pour la tarbiya” des jeunes des allentours d’imzouren, et avec un caid nain et plein de complexes et de mal a la makhzeniènne,beaucoup de gens s’en souviens très bien…….personnelement,j’ai y passé pres de 7 heures aux débuts des années 80, je n”avais que 13 ans, beaucoup d’abus de pouvoir et de corruption, et c était pire encore à tout les niveaux……contre l’oubli et la démémorisation de la ville, merci si suleiman……

  2. 2
    محمد says:

    moi aussi je dis merci a Mr souliman