Your Content Here
اليوم الخميس 1 أكتوبر 2020 - 5:18 مساءً
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الخميس 19 نوفمبر 2015 - 3:28 مساءً

موسم الهجرة الى الغرب

عبد الباقي أشن :

تحلق الغربان على ارتفاعات منخفضة ، صمت مريب يلف المنطقة … سكون يجرح القلوب … ثمة أحداث طارئة … انقطع صياح الديكة , لاقوقأة ولا شيء ينبس ببنت شفة …الأرض جرداء قاحلة ، ترمي الأنوف بعجاجها الأكدر …ـترسل طلائع النذير القادم …الى من اطمأن لماما ، بعد رحيل السم الزعاف … عن العيون , بعد اختفائه في الماء ، وفي الأديم …رغم رحيل نجوم الأرض …في أيام العز …بهائم نفقت ، ذكريات تركت …رحيل …زرافات ووحدانا …

التقطت أذنا أبي علي صوت آذان المغرب بعناء وجهد ، بح صوت الفقيه وضعف ، ربما أنهكته خراطيم املاق بدأت تشق طريقها المعبدة الى ذوات الانسان , الى الحيوان … تصنع الكهل قوة الحركة وسرعتها ، كما عهد عنه في كل وقت ، وصل متأخرا ، لا صلاة أقيمت ، ولا مصلين ، استطلع الأمر باندهاش وفي ارتباك ، بدأ الخوف يدب في نفسه ، أطل من نافذة صغيرة ، على بيت من بيوت المسجد ، شاهد رجلا في نعش ، مغطى  برداء تظهرعليه  علامات البلى والبؤس … يكاد لا يصدق ، ما الخطب ؟ تساءل وعقله يوشك أن يطيش  ، لا سيما بعد غروب المعجزات …ألنعش يتحرك ،ينبعث منه صوت غائر ، لايكاد يبين …طفق الكهل عائدا الى بيته ، لا يلوي على شيء ، وفي الطريق ، سأل مقدم المسجد ، عن هول مارأى ، أخبره في حسرة وألم : لقد سقط تحت ضربات الضيف الجديد … لم يعد بالامكان اسعافه ، وصل أبو علي الى المنزل ، ثقيل الخطى ، على غير عادته ، مكفهر الوجه ، لا حظت على ملامحه أم عمر سمات الأسى وعلامات الوجوم ، سألته وهي تمد اليه يديها المتجعدتين ، متذكرة أيام حضانته ، أماه ، ان لم نتدارك أمورنا ، سنسقط كأعجاز نخل خاوية …

لم تفهم كلماته ، التي تحمل ألغازا ، زادتها حيرة وارتباكا …,في الصباح الباكر ، أرسل براح القرية صوتا يشبه نعيق الغراب ، ينعى فيه الذات الآدمية ، التي ودعت مكرهة،حياة البؤس الأبدي …هذا تـأويل اشارتي البارحة ، أمي الحنون …

بدأت أم عمر تراجع أوراقها …بدأت تعيش بعيدا عن لحظتها ، بعيدا عن المكان الذي آوت اليه ، في الحزن كما الفرح ، ولدي ، واكبداه ، لا مكان لنا هنا ، حان موعد الرحيل ، الى أين يا من لم تنل نوائب الدهر من اصرارها العجيب على الحياة ؟ الى حيث يشاء الله ، عليه توكلت واليه أنبت …أماه … لاتخافي من يوم ذي مسغبة ، ولدك لن يستسلم …لن يركع … لضيوف النحس …ونحن على العهد كما كنت ، أصرت الأم على القرار الذي لا رجعة عنه ، طلبت في أنفة وعزة نفس ، أن يرافقها الأحفاد الثلاثة في هجرتها ، التي ربما تطول هذه المرة ، بدأ يستعطفها ، كيف لك أن تعيلي أبنائي ، وأنت في مؤخر العمر ؟ ولا عليك ياولدي ، سأشد برفقتهم عضدي ،في الغربة ، وآنس بهم وحشة الطريق …وان رفضت لن أسامحك أبدا .

لم يبق للابن بد من قبول رغبة الأم ، رغم قسوة الفراق ، لاسيما وأن الأكبر منهم لم يتجاوزالتاسعة ، أما الثاني فمازال في السابعة ، ناهيك عن البنت التي لم تبرح الخامسة .

هيا على بركة الله ، جهزت أم عمرمتاع الرحيل ، ركب الثلاثة  الحمار ، أما الجدة فقد تظاهرت بالقوة ،كي لا تزيد ولدها ألما على ألم ، لكن الكبر والفاقة أثقلا ممشاها الى المجهول …وقف الابن البار يودع أمه مكرها ، ونظرات الحسرة لا تفارق عينيه ،أماه يا أماه ، ابقي معنا …ابقي معنا يا أماه ، ابقي معنا ،لكن لا سماع لمن يناديها …عاد أبو علي الى بيته ، مشتت البال ، مفتت القلب ، لماذا هاجرت أمي وأنا بها كفيل ؟

انقطعت أخبار الأم والأبناء ، في الغربة ، ظل الرجل مصرا على مواصلة الكد ، رغم سنوات المسغبة والمأساة … يرخي التربة ويسمدها بما تيسر له ، يبحث عن مصادر الرزق بلا توسل ، بلا ذل .

كانت الجدة ، تتقن صناعة الخزف ، بطريقتها اليدوية التقليدية ، فكانت مصدر دخلها الوحيد ، لاعالة أحفادها الصغار ،في بلاد الغربة ، في منطقة الغرب ، كان الثلاثة في نشاط ولعب ، يمرحون ، لم تغادر شجون الطفولة سيماهم ، لم يشعروا بما يكدر صفو طفولتهم ، ثم سرعان ما فقدوا عزيزتهم ، بعد مرض قصير، دون سابق انذار ، حزن رهيب بدأ يخيم عليهم ، في غمرة الحرقة ، حرقة الفراق الأزلي ، أقبل الشتاء بزخاته المطرية ، التي لم تأخذ استراحة الا كتلك التي ينعم بها المحارب ، لا مجال أمام أم عمر، لممارسة مهنتها المفضلة ، فالأواني الخزفية في حاجة الى الشمس ، التي كانت بخيلة تلك السنة ، نقص الزاد والمتاع ، لاحيلة أمامنا الا جر أذيال العودة ،وتذوق مرارة الفقد ، خاطبت حفيديها والدموع تنسكب مدرارة على خديها . تكاد الأم تفقد توازنها ،تضاريس الزمان وغدر الغزاة ، أرخيا بسواد كالح ، على الأمل في هذه الحياة …في عام الستين (1360 ه\1940-1941) … خرج أبو علي ، كعادته في مساء ذلك اليوم ، يتفقد محيط المنزل ، سمع صوتا رخيما ، أصغى مليا ، فجأة انتعشت أساريره ، لما رأى مقدم العائلة المهاجرة ، لتتبدد في سرعة البرق : طفلان صغيران يلبس كل واحد منهما ازارا رقيقا ، طغى عليه التقادم ، زادت معاناة الغربة والسفر جسميهما هزالة وضعفا ، ثياب الأم ممزقة ، تخفي عريها  القسري باحدى أغطية الفراش ، قدمت الزوجة اسعافات أولية متيسرة : طعام ، لباس ، مجمر تلتهب ناره ، لتدب الحياة من جديد ، في أجساد بني آدم ، في غياب البنت ، التي لم تغادر ذاكرة الأب الموجوع ، يبكيها وهو في أرذل العمر .

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.