Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 1:24 صباحًا
أخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2015 - 2:30 مساءً

سليمان علا: ” بوسيتو امزورن ” الحلقة الرابعة

الحلقة الرابعة

            بوسيطوPOSSITO

قبل الزحف الإسمنتي الكاسح على البلدة ، وفي بداية تشكيل معالمها االأولية، ظهرت لنا بناية ” بوسيطو” بشكلها المعماري المميز،وبلونها الوردي ،مختلفة تماما  عن غيرها من البنايات المألوفة المتواجدة بالبلدة …. فهي البناية التي تتراءى لكل من يقصد بلدة إمزورن ،ومن كل الجهات تقريبا، كمنارة مضيئة وسط فضاء فسيح  يسمى عند الساكنة ب “الساحة” … شكلها المخروطي الشامخ المغروس في الأرض،والمنتهية في الأعلى على شكل  “قبعة” ،يتخيلها الزائر للبلدة جنديا نظاميا حازما ، حارسا  للحدود ،على أهبة الاستعداد للدفاع عنها  من كل خطر محدق بها في كل وقت وحين ….

شخص واحد ووحيد كنا نراه يدخل هذه البناية “اللغز” وفي يده قضيب حديدي بطول ذراع ،منته برأس مثقوب وملولب ، جزمنا نحن أطفال البلدة آنذاك بأن الأداة يستعملها داخل البناية لغرض ما، لكن لم نستطع التوصل إلى حقيقة  الأمر إلا بعد مدة اهتدينا فيها إلى معرفة  اسم الشخص الذي اعتاد الدخول إلى بناية “بوسيطو ” من بابها الصغير… فهو لم يكن سوى المرحوم “امحمد بو وامان” :(امحمد المكلف بالماء) ،وأن تلك الأداة التي لزمت الشخص – حتى وهو متنقل على دراجته النارية – ، يستعملها في عملية تحرير ضغط المياه عبر شبكة محدودة المساحة من أجل تزويدالساكنة بالماء الشروب ….

فالبناية إذن هي خزان المياه ،المصدر الوحيد لتزويد بلدة إمزورن كلها بالماء الصالح للشرب ،والتي كان فيها المرحوم “امحمد بو وامان” يسهر على عملية التزويد في فترات محدودة ولساعات قليلة، ثم لتختفي هذه المادة الحيوية من المنازل نهائيا إلى الغد ،  بعدما أن تكون الأسر قد قامت بعملية الخزن للماء إما في أوعية كبيرة أو في “الجب” الذي  كان داخل كل منزل … فالمرحوم “امحمد بو وامان” هوالشخص المسؤول والوحيد الذي يعرف  خبايا ماتتضمه هذه البناية من أجهزة  لعملية الضخ تلك ،وهو المسؤول عن صيانتها وإصلاح أعطابها ، كما أنه العارف – ومعه ثلة قليلة من الساكنة- مصدر المياء التي تخزن بها ،هذه المعلومة التي لم نتوصل إليها نحن أطفال البلدة إلا بعد مرور سنين ،حينما كبرنا وعلمنا بأن تلك المياه التي كنا نستعملها في منازلنا ،كانت تأتي من بئرعادي  بدوار “إعكيين” على مسافة تقرب من سبع كيلومترات و عبر أنبوب إسمنتي يخترق مجموعة من المداشرليصل في الأخير إلى بلدتنا إمزورن.

بناية “بوسيطو” مازالت شامخة في مكانها بإمزورن ،لم يتصدع هيكلها بالرغم من مرور الزلزال من تحتها… منتصبة القامة تنظر إلى أسفلها وما حولها، تستنكر كل يوم الفوضى العارمة التي تحدث بفضائها بفعل الأنشطة التجارية غير المنظمة ، وكذا تقاعس القائمين على الشأن المحلي بالمدينة على إيجاد حل لمحتلي فضائها…

هي الآن عاجزة عن  النظر إلى بعيد ،وذلك بفعل الزمن الذي فاجأها على حين غرة بهياكل إسمنتية عالية  تسببت في حجب الرؤية عنها إلى كل الفضاءات التي كانت تطل عليها، وبذلك فهي الآن تحس بأن وظيفتها في البلدة قد انتهت…انتهت عندما أصبح الناس لايعترفون بها كمعلمة ” REPERTOIRE ” عندما كان الزوار والغرباء عن البلدة يعتبرونها المركز: إذ منها كان يتم تحديد الاتجاهات وتتبع المسارات للوصول إلى الوجهة المقصودة … وهي كذلك خائفة…خائفة على مصيرها ومستقبلها الذي قد يكون الموت و الزوال على أيدي سماسرة العقار بذريعة المصلحة العامة  أو أن تواجدها – البناية –  في ذلك المكان المغري للا ستثمار التجاري،تشوه جمالية المدينة !!!.

بقلم سليمان علا

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    Imzourni says:

    نعم كان بوسيتو معلمة يمكن إعتبارها بمثابة تور إفيل باريس أو تمثال الحرية بأميركا. لكن هيهات بين الأمس و اليوم. لم يبق من بوسيتو إلا الإسم بعد أن حاصرها المد الإسمنتي. شكرا للأستاذ على المعلومة المتعلقة بمصدر المياه التي ملأت بطوننا ورحم الله امحمد بو وامان. إمزورني مغترب