Your Content Here
اليوم الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 - 6:12 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 4 ديسمبر 2012 - 10:54 مساءً

نحو تنمية الصناعة التقليدية بمنطقة الحسيمة

شهيد اليخليفي :

   حظيت الصناعة التقليدية  في الريف الأوسط منذ القدم بمكانة هامة لدى الساكنة المحلية، إلا أن الأوضاع المتلاحقة المرتبطة بالتغيرات التي عرفتها الأنظمة الإنتاجية على المستويات المحلية والدولية والهجرة القروية وما آلت إليه عملية التصنيع من تقدم مدهش على المستوى العالمي (انعكاسات العولمة)، مجمل هذه العوامل أدت إلى تقهقر نشاط الصناعة التقليدية على المستويات المحلية، بالرغم من أهميته من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والقيمة التاريخية التي يحملها.

بالمقابل يمكن القول أن تنمية الصناعة التقليدية في الوقت الراهن تفرضها العولمة نفسها التي يضطر معها الجميع للعودة إلى ما هو محلي وخصوصي قصد ضمان استغلال أمثل لهذه المقومات الاقتصادية، في ظل النمط الاقتصادي الجديد الذي يعيشه العالم (نمو القطاع السياحي). وهي شروط كفيلة بإدماج الصناعة التقليدية في المنظومة الاقتصادية لمنطقة الحسيمة، خاصة وأن هذا القطاع ما يزال يحتل مكانة سوسيو-اقتصادية هامة تتجلى في تشغيله لحوالي  10300 صانع وصانعة تقليدي(ة) على المستوى الإقليمي (مقابل 1006 منصب شغل في قطاع الصناعات الحديثة على سبيل المثال)، موزعين على أكثر من 107 حرفة ومهنة، 4507 منها مهن خدماتية (44%) و5793 حرف إنتاجية وفنية (56%). تجدر الإشارة إلى أن هذا الأرقام تبقى نسبية في غياب إحصاء يحدد الحجم الحقيقي للصناع المتواجدين بالإقليم. وعلى ضوء هذا التقديم يمكن أن نتساءل على الإمكانات التي يتوفر عليها قطاع الصناعة التقليدية بمنطقة الحسيمة؟ وما هي الأسس التي يمكن أن يرتكز عليها إنقاذ الصناعة التقليدية واستغلالها بشكل أمثل في مصلحة تنمية المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا؟

 

  1. الصناعة التقليدية ثروة محلية جامدة

تشكل الصناعة التقليدية ترثا حضاريا يختزن موروثا إنسانيا هاما، وموردا اقتصاديا لا يستهان به، ولقد تعاطى سكان الريف للصناعة التقليدية قديما، وبذلك ورثت المنطقة صناعة تقليدية أصيلة ومتنوعة تنتشر في معظم الدواوير. تمارس بالدرجة الأولى داخل البيوت من طرف كل أفراد الأسرة (رجال، نساء، أطفال)، وبالرغم من عدم توفرنا على إحصائيات مضبوطة حول الحرف الإنتاجية لكل مجال محلي داخل الامتداد الترابي لمنطقة الحسيمة، فبإمكاننا وضع جرد بسيط للحرف المزاولة بالمنطقة.

 

  • صناعة الدوم والحلفاء: تتواجد المصنوعات النباتية بجماعة الرواضي التي تتميز بمنتجاتها التقليدية ذات الشهرة الوطنية والدولية، يقدر عدد الصناع الممارسين لهذه الحرفة حوالي 2500 صانع تقليدي،

  • صناعة الفخار: تعرف المنطقة أيضا بصناعة الفخار؛ وتتواجد بكل من ادردوشن بجماعة امرابطن، اكني وبوكمالت بجماعة بني بوفراح، أحدوثا بجماعة بني حديفة، ثغزة بجماعة الرواضي وتوريرت بجماعة اربعاء توريرت (عدد الصناع حوالي 150 صانع)؛

  • النجارة والنقش على الخشب: تتواجد هذه الحرفة بكل من الحسيمة، ترجيست، بني بوعياش، امزورن، بني حديفة، كتامة وبني بوفراح…(عدد الصناع حوالي 500)؛

  • فن الخياطة والنقش: يتواجد بكل من الحسيمة، ترجيست، بني بوعياش، إمزورن وكذا  بني حذيفة، بني بوفراح، بني عمارت، أجدير، النكور، امنود، كتامة، امرابطن وسيدي بوتميم وغيرها (حوالي 790 صانع)؛

  • المصنوعات الجلدية: تتواجد حرف الجلد بكل من جماعة تاغزوت، بني احمد اموكزان وترجيست (عدد الصناع حوالي 300)؛

  • هناك أيضا حرف أخرى لا تعرف ازدهارا واسعا، وهي في حاجة إلى إحيائها وتطويرها، كالعمل على الحديد أو الحدادة على سبيل المثال.

       

    الصورة رقم 01: نماذج من المصنوعات التقليدية ا

    لنباتية المنتشرة بجماعة الرواضي

     

     

    الصورة رقم 02: نماذج من المصنوعات الفخارية

    المنتشرة بجماعتي الرواضي وبني بوفراح

    بالرغم من حضور قطاع الصناعة التقليدية وتوفره على مؤهلات مهمة، إلا أنه يعاني من مشاكل متعددة تجعله قطاعا هامشيا. القطاع يعاني من المنافسة الشديدة بين المصنوعة يدويا محليا ومثيلاتها المصنوعة آليا في الخارج، فضلا عن صعوبة التسويق في ضل غياب أسواق خاصة لعرض المنتجات بشكل دائم، وهي مشاكل تجعله (أي قطاع الصناعة التقليدية) في الوقت الراهن يعرف تراجعا مستمرا، إذ بدأ يظهر ضعف تأثير القطاع اقتصاديا واجتماعيا؛ فعلى المستوى الأول يتمظهر ذلك في ضعف اندماجه في نسيج اقتصاديات المنطقة، أما على المستوى الثاني فيتجلى ذلك في إفلاس بعض الصناع التقليدين وانقراض صناعتهم، ثم تفاقم البطالة. مما يؤدي إلى ترتكز الصناعة التقليدية في أماكن محدودة ولدى حرفيين محدودين، من جراء نفور وعدم إقبال الشباب من ممارسة هذا النشاط غير المنتج في نظرهم وتحولهم إلى العمل في قطاعات أخرى.

    1. مجهودات تصحيح وضعية الصناعة التقليدية كإنعاش اقتصادي واجتماعي للمنطقة

    أمام ضعف تأثير القطاع اقتصاديا واجتماعيا، يصبح التفكير الجدي في وضع أسس إستراتيجية أكثر فعالية من أجل إنقاذ هذا التراث الثقافي وجعله أكثر مساهمة في تحريك الموارد الاقتصادية والبشرية المحلية.

    ويمكن محورة مجهودات القائمين على شؤون القطاع، حول ما يلي:

    أولا: محاولة تشجيع الحركة التعاونية كوسيلة لمساعدة الصناع التقليدين ماديا (وقد تجلت في امتيازات مشروع قانون غرف الصناعة التقليدية الذي أسس لدعم مقاولات الصناعة التقليدية والصناع التقليديين وباقي المنظمات النشيطة في القطاع) وتقنيا (بما يقدم من تأطير تقني وبشري للمتعاونين).

    ثانيا: تنظيم التكوين المهني كوسيلة للرفع من مستوى كفاءة ومردودية هيأة الصناع وبالتالي تهيئهم للدخول في مرحلة إنتاجية متقدمة (مصلحة التكوين المهني المندوبية الإقليمية للصناعة التقليدية بالحسيمة).

    ثالثا: دعم التسويق عبر إحداث فضاءات للبيع والعرض بالحسيمة وجماعة الرواضي ومناطق أخرى، وذلك للتعريف بالمنتوج المحلي وتسويقه لإنعاش القطاع والرفع من مدخول الصناع التقليديين.

    رابعا: تنظيم وتشجيع الاستثمار من المكتسبات التي حظي بها قطاع الصناعة التقليدية لتطويره كما وكيفا، وتوفير مدخول قار وفرص شغل جديدة لفائدة السكان المحليين.

    1. إمكانات الصناعة التقليدية في تنمية المنطقة

    يمكن القول بأن قطاع الصناعة التقليدية بمنطقة الحسيمة،  يشكل من جهته رقما أساسيا في المعادلة الاقتصادية المحلية، وموردا من شأنه أن يعبئ ويحرك الإمكانات الكامنة بالمنطقة، بيد أن القطاع لم يوجه في هذا الاتجاه. فالمجهودات المبذولة في سبيل تنميته تظل تتسم بطابع كمي في غالبية الأحيان، تهدف أساسا إلى الزيادة في الإنتاج وخلق بعض فرص الشغل، دون البحث عن إستراتيجية تنموية جادة لترقيته عبر توظيف كل الإمكانات والطاقات المحلية.

    ففي هذا الإطار، ومن أجل إحداث تحولات عميقة تجعل القطاع ذو دور حاسم في تنمية المنطقة اقتصاديا واجتماعيا (امتصاص اليد العاملة)، ينبغي إيلاء المزيد من الاهتمام من خلال خلق وشق متنفسات جديدة لتطوير القطاع، منها:

    1. تنمية الصناعة التقليدية من تنمية السياحة

    لم تعد السياحة كما كانت في السابق مجرد خدمات إيوائية تقدم لدعم السائح الذي يقضي أيام معدودة على الشاطئ صيفا، بل غدت السياحة فنا وصناعة على كل المستويات والأصعدة. فالخدمات السياحة يجب أن تقدم بطرق جذابة ومتجددة، وإلا انتهت منطقيا بالكساد.

    وبصفة عامة، تلعب السياحة دورا أساسيا في تنشيط القطاعات الاقتصادية، ومنها قطاع الصناعة التقليدية الذي يزداد ارتباطه بالسياحة في إطار ما يعرف بالسياحة الثقافية. وهنا تكمن ضرورة استغلال الفرص المتاحة في الميدان السياحي، من خلال تكثيف جهود المعنيين بالقطاعين لبرمجة وتنظيم رحلات جماعية لفائدة السياح إلى قرى ومعارض وأوراش الصناعة التقليدية، وهي عملية ستهيئهم نفسيا ومعنويا لاقتناء المنتجات التقليدية، خاصة وأن السياح عادة ما يكونوا شديد الحرص على شراء التذاكر والهدايا.

    إن تنمية السياحة بالمنطقة، ستساهم بطبيعة الحال في إنعاش قطاع الصناعة التقليدية، وإعطاءه دفعة جديدة، خاصة وأن المنطقة معروفة بأهميتها السياحية وقدرتها على استقطاب أعداد كبيرة من الزوار.

    1. دور الجالية المغربية المقيمة بالخارج في مساندة القطاع

    تشكل الجالية المقيمة بالخارج جسرا هاما لتنمية قطاع الصناعة التقليدية بالمنطقة. فالريف عموما يتوفر على أهم جالية مهمة بالخارج، بإمكانها أن تساهم في الاقتصاد المحلي والجهوي.  وبطبيعة الحال يمكن أن تساهم ايجابيا في التعريف بالمنتوج الصناعي التقليدي المحلي بالخارج.

    لكن وعلى العكس من ذلك، تساهم الجالية المغربية أحيانا وعن غير قصد بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني وبالخصوص الصناعة التقليدية، وذلك بسب جلبهم المنتوجات المختلفة المستعملة وعرضها في الأسواق المحلية بأثمان جد مغرية أو عن طريق البيع المباشر مما يلحق الضرر بمختلف الصناعات التقليدية.

    1. الاهتمام بمسالك التسويق خيار أساسي لتنمية الصناعة التقليدية بالمنطقة

    ترتهن الآفاق المستقبلية المطروحة أمام تنمية القطاع، بخيار البحث عن سبل فعالة لتسويق المنتوجات التقليدية وتوسيع دائرة السوق، إذ لا يمكن تصور تنمية الصناعة التقليدية بالمنطقة في إطار أسواق محلية أغلبها قروية، أو حتى في فضاءات كقرية الصناع التقليدين بالرواضي لوحدهما. بل أن تحقيق الاستغلال الأمثل للمنتجات التقليدية يجب أن يتم في إطار إقليمي وجهوي ولما لا وطني، وذلك بفتح محلات تجارية وخلق متاحف للصناعة التقليدية بالأسواق الكبرى (بالمراكز الحضرية المجاورة الحسيمة – تطوان، طنجة…) التي يتردد عليها -بشكل يومي- عدد كبير من المتسوقين. يكون الهدف من وراء هذه العملية إشهار وتسويق المنتوج وفق صيغة زمنية يومية قادرة على أن تدر مدخولا قارا لفائدة الصناع، عوض الاقتصار على المعارض الموسمية ذات المردودية التجارية المحدودة للغاية. ومن شأن تنظيم هذا العمل في إطار تعاوني أن يساهم في تحقيق جل الأهداف، بل ويتجاوز هذه الأخيرة في أبعاده الاجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما سينتج عنه من توطيد تقاليد وسلوكات ايجابية في التعاون والتعاضد بين الصناع. وعلى مستوى تنظيم الإنتاج فإن هذا الإطار سيوفر ظروف التأطير الفعال، ويضمن شروط التسويق الأمثل للمنتوج.

    كما أن الطريق الساحلية طنجة-السعيدية من المنتظر أن يكون لها وقع لا يستهان به على مستوى خلق دينامية مجالية وسوسيو-اقتصادية بالمنطقة، خاصة بعد استكمال المقطع الرابط بين الجبهة وتطوان، الذي سيفك العزلة الاجتماعية والاقتصادية عن المواقع التي سيمر منها، ما سيساعد على تطوير الإنتاج وتسهيل عملية التسويق. وستكون أيضا مناسبة للصناع التقليدين لعرض منتوجاتهم كخطوة أولى للتعريف بالمنتوج.

    وللتأكيد، فإن أي محاولات لإدماج قطاع الصناعة التقليدية في نسيج اقتصاد المنطقة، من الأفضل أن تراعي الجوانب المتعلقة بالتعريف بالمنتوج، والبحث عن أسواق لتصريف المنتوجات.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.