Your Content Here
اليوم السبت 4 أبريل 2020 - 9:04 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 23 سبتمبر 2015 - 10:47 مساءً

موسم سيدي بوخيار بين التراث الشعبي والخرافة

عبد العزيز التوزاني :

 

التسمية:

سيدي بوخيار هو خيار بن إبراهيم ولد في الأندلس ونشأ فيها خلال القرن السادس الهجري ثم بعد ذلك رحل إلى القسطنطينية التي مكث فيها فترة من الزمن ثم انتقل إل المغرب عبر تلمسان وبرفقته ستة من الأولياء المعروفين هم: “سيدي مالك، سيدي بوشعيب أومفتاح، سيدي عابد، سيدي الحاج بوبكر، سيدي الحاج أوسعيدي آيت عمارث، وأخيرا سيدي بومدين الغوث”.

وفي رواية أخرى فإن الولي الصالح سيدي بوخيار بومدين جاء من الجزائر صحبة أخيه عبد القادر وزوجته التي دفنت إلى جواره في جبل حمام بدوار محلات بجماعة شقران.

وحسب روايات شفوية أخرى من أشخاص قاطنين بشقران فأغلبهم يؤكدون ويتفقون على أن سيدي بوخيار رجل قدم من الجزائر ولكنه لم يتزوج قط، وأفنى حياته في الخلوة والعبادة، كما أنه لم يغادر قط جبل حمام، حيث توفي ودفن هناك ليتحول قبره إلى ضريح، أخذ خاصيته وشهرة كبيرة في الأوساط الريفية عامة، إذ أصبح قبلة لعدد من الزوار اليوميين والموسميين ، من أجل التبرك به وطلب الشفاء من بعض الأمراض المزمنة (كالصرع، الصم، البكم، العمي، العقم، الزواج…) كما أن الفضل في شهرة هذا الولي الصالح حسب الأستاذ الباحث خالد الحدوشي فإنه يرجع بالأساس لعائلة الغبزوريين وبالأخص سيدي امحند أمقران حيث يرجع له الفضل في تأسيس عرفة في ثلاثينات القرن الماضي.

ويبقى في الأخير صعوبة تحديد التعريف بالولي الصالح “سيدي بوخيار” لاختلاف الروايات الشفوية وعدم وجود مصادر موثوقة حية دونت حياته وتاريخه إلا نادرا ككتاب دافيد هارت مونتكميري… ونحن كباحثين ميدانيين تلقينا عدة روايات شفوية متضاربة ومختلفة بشكل كبير خصوصا بين شرائح المجتمع الريفي حيث أن شيوخه وشبابه لا ولن يتفقوا أبدا على مثل هكذا مسائل ومواثق..

وفي ذكر أصل سيدي بوخيار فقد رأى هارت وافترض أن يكون أصله من تلمسان بالجزائر .

الوصف المورفولوجي (للموقع) والتحديد الجغرافي:

يبعد ضريح سيدي بوخيار عن جماعة شقران بحوالي عشرة كيلومتر في اتجاه بني عمارت بالتحديد في يمين الطريق إذا كنا متجهين من شقران إلى آيت اعمارث، ومعظم أشجار الغابة المحيطة حوله هي شجرة البلوط حيث يغطي مساحة شاسعة، وطبيعة الأرض هي أرض رملية وصخور هشة.

ويقع ضريح الولي الصالح في جبل حمام وهو عبارة عن جبل هرمي يطل على جميع الجهات فيشكل قمة في الأعلى تطل على كل الجوانب إلى نواحي تارجيست آيت عمارث، آيت حذيفة، آيت عبد الله … والأستاذ الباحث اليماني قسوح يوافق دافيد كثيرا في اعتبار جبل حمام هي أعلى قمة في هذه السلسلة الجبلية فعندما يكون الجو صافيا بشكل واضح فإن جبال مايوركا تظهر من هنالك.

لم يكن بديهيا أن يختار لضريح سيدي بوخيار “أعلى قمة في جبل حمام ، والتي يصل علوها 1984 م، على بعد ثلاثة إلى أربعة كيلومترات من مدشر “بومعدن” ، وتتعرض هذه القمة للرياح الشديدة والتعرية المتواصلة مما يجعلها تبدو صخرة جدباء .

إن الضريح نفسه عبارة عن بناء من الحجر والتراب مستطيل الشكل وبدون سقف، كما أنه يفتقر إلى أي نوع من التزيين والزخرفة ويجاوره في جهة الغرب مسجد صغير يسمى أيضا “مسجد سيدي بوخيار” ويفصل بينهما فضاء مفتوح يطلق عليه اسم سوق الصالحين، وفي الأعلى قليلا ناحية الشمال الغربي توجد قمة جبل حمام عند النفقة المسماة “ثمرابطت” حيث دفنت ولية أنثى “رالة يامنة” .

تم تجديد بناية الضريح سنة 1990 وأثناء عملية الحفر وجدت هنالك نقود يرجع تاريخها إلى القرن 17 ولم يظهر لها أثر بعد ذلك.

وهذا البناء مربع الشكل طول ضلعه ستة أمتار، له بابان أحدهما من الخشب غير مستعمل والآخر من حديد مفتوح دائما من خلاله يلج الزوار إلى داخل الضريح شيد بشكل عادي كأنه منزل ولا يتوفر على قبة كباقي الأضرحة.

يتشكل المبنى من الداخل من أربع غرف رئيسية، اثنتان منهما تستخدمان لتناول الطعام غير أنه لا يقع اختلاط بينهم وبين النساء، كما هو متعارف في الأعراس والمناسبات الريفية، وغرفة أخرى تستعمل للطبخ وإشعال النار والشموع. وبها مدفأة وغرفة أخرى لإقامة الصلاة، وأخرى فيها تابوت الولي الصالح سيدي بوخيار الذي وضع بجانبه صندوق حديدي لوضع الصدقات.

ويتميز الولي الصالح بشهرة كبيرة تمتد غلى خارج الوطن…أما وطنيا فله شهرة كبيرة وتتجلى كذلك في اختلاف الزوار الذين يتوافدون على الضريح ويحضى لدى الساكنة بأهمية كبرى، وينال منهم قداسة بالغة. حيث أن حضوره في أذهان وعقول أبناء الريف على وجه الخصوص أصبح قوي ومرسخ منذ زمن بعيد وتم توارثه إلى يومنا هذا حيث أن السكان القريبون من الضريح باتوا يحملون أفكارا جامدة وغير قابلة للتغيير رغم التطور الذي عرفته المنطقة، واستمرارا على ما كان يفعله الأجداد على أنه الصواب والحق. فهو رمز المجد ومن ترك التقاليد والأعراف وعدم التبرك بالولي فهو منبوذ ولا سمة له بالمجتمع والجماعة الشقرانية بالخصوص.

ويقام للولي الصالح سيدي بوخيار موسم سنوي شهير وبالتحديد في يوم عرفة أي قبل عيد الأضحى بيوم وفي هذا الموسم تكثر الزيارة على الولي وتقدم الذبائح فيتسع الحضور إلى شكل سوق سنوي والمريدين على الضريح يقصدونه بنية أداء الحج والعمرة حيث يعتبر في المعتقد الشعبي بالريف أن من زار ثلاثة مواسم سيدي بوخيار وطاف ورمى الحجرات كمن ذهب في عمرة إلى مكة المكرمة.

وبالنسبة للطقوس التي تؤدى هنالك فهي نفس الطقوس التي توجد وتؤدى في مكة نذكر منها (الوقوف على جبل الحمام (وهي أعلى قمة جبلية في سلاسل جبال شقران)/ رمي الجمرات / الطواف بضريح سيدي بوخيار / السعي بين ضريح سيدي بوخيار و ضريح رالا يامنة / مجموعة من الصلوات لها ارتباط صوفي بالضريح ….. إضافة إلى مجموعة من الطقوس الأخرى المرتبطة برؤية الضريح والصلاة حذاء التابوت وطلب المغفرة وهي عادات مازالات متذاولة الى يومنا هذا .

وتحكي الرواية الشفوية الآن أنه انخفض عدد الحجاج حاليا بحوالي 50%، ولا زال الانخفاض يستمر بدعوى الوعي المتنامي لدى الفئات الشابة وانصرافهم عن الطقوس والعادات القديمة بحجة أنها رمز التخلف والشعوذة وهي منبوذة ومحرمة حسب اعتقاد الكثير.

الدافع من تأسيس موسم عرفة:

حكى لي أحد الأساتذة الذين صادفتهم في إحدى مواسم سدي بوخيار سنة 2013 في رواية شفوية عن الدافع الأساسي والرئيسي من ابتكار وإبداع موسمية سيدي بوخيار التي تقام كل يوم عرفة “عيد الأضحى” قبل يوم، ويقول بان الدافع الأساسي وراء تأسيس موسم عرفة هو دافع اقتصادي محض لكون الغبزوريين كانوا في تلك الفترة يعانون من قلة المعيشة فأسسوا يوم عرفة من أجل استقطاب الزوار والاستفادة من التبرعات والصدقات التي كانت تمنح بهذه المناسبة، حيث يزور المكان طلبة وفقهاء حافظين لكتاب الله وللأمداح النبوية فيقومون بإنشاد أمداح على الطريقة العلوية , وهي نفس الرواية التي يزكيها الاستاذ خالد الحدوشي في بحثه لنيل شهادة الإجازة في الدراسات الأمازيغية .

وحسب ما عاينته شخصيا فإن مجموعة من الفقهاء المتصوفون يقومون بتشكيل دائرة ويمسكون يدا في يد ويقومون بتكرار تلك الأمداح بصوت فيه نبرات خشوع لله حسب قولهم وفي الأخير يقومون بتقسيم الصدقات بالتساوي من طرف مقدمهم.

والمشرفون على الأموال هم “أئمة من الزاوية الدرقاوية التيجانية القادرية على الطريقة العلوية والمحمدية طبعا”، وهؤلاء لهم مهمة خاصة هي جمع الأموال مع الأمانة.

ومن جانب آخر يذهب مجموعة من الباحثين الأنثروبولوجيين إلى اعتبار موسم سيدي بوخيار حج الفقراء” له ارتباط بحدث تاريخي وقع في غابر الزمان حيث كان الريفيون يقصدون الحج مشيا أو راكبين دوابهم قاطعين بذالك آلاف الكيلميترات من القارة الإيفريقية إلى القارة الأسيوية , فيعانون الويلات ويتكبدون الخسائر في الارواح فأغلبهم لا يعود وإن عاد فإنه يصادف موتا في ماشيته او أهله , فذهبت آخر بعثة وشكت حالها إلى شيوخ آل سعود هناك وأخبروهم عن سيدي بوخيار وكراماته وبركاته واتزانه الديني وكذا قدراته الفائقة التي كان يتمتع بها , فناولوهم حجرا من مكة ليضعوه داخل الضريح ويحجون اليه كل عرفة مخبرين إياهم ان من حج ثلاث مرات متتالية إليه كمن حج مرة واحدة إلى مكة ( تبقى هذه مجرد رواية متداولة ) .

كرامات الو لي الصالح سيدي بوخيار:

لقد أضحى في معتقد الذاكرة الشعبية بالريف أن الولي الصالح سيدي بوخيار كان يتمتع بعدة كرامات أفضلها وأولها الاستقامة والتوفيق والإخلاص الصادق في عباداته ومعرفته وقربه من الله.

إضافة إلى كونه شخصا مباركا يعالج عدة أمراض مزمنة مثل العقم، والصم والبكم والعمي والشلل والصرع… وكان يقصده الناس من كل جهة من الريف قصد العلاج والتداوي والأخذ ببركته.

وتحكي الروايات الشفوية بالريف عن حالات عدة عولجت ببركة الولي الصالح وهي شائعة ومتداولة لا يسعنا ان نذكرها بالتفصيل .

كما يحكى أن سيدي بوخيار كان ذا معجزات وقدرات خارقة لا يصدقها العقل لكن القريبون منه يؤمنون كثيرا بقدراته على الطيران والمشي على الماء وغيرها من القدرات التي اصبح الغالب منا لا يصدقها في زماننا هذا , لكن همنا هو أن نبقي بهذه العادات كموروث ثقافي وان نحافظ على هذه الطقوس من الزاوية التراثية الشعبية وليس من الضرورة ان نقتدي بها او نؤمن بها إيمانا عقائديا مرتبطا بالدين .

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.