Your Content Here
اليوم الأحد 18 أغسطس 2019 - 7:05 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 5 يوليو 2015 - 4:47 مساءً

عبد الباقي أشن: بين ألم الرحيل ونشوة الرجوع.‎

قصة قصيرة :بين ألم الرحيل ونشوة الرجوع.

وكأنه ايذان بعهد جديد ، لم يكن مرسوما في ذاكرة التاريخ من قبل ، يطيش المخيال الجمعي ،بل يكاد ينصعق من هول الكارثة التي ارتمت على كاهل المجد اليتيم في صحراء الخنوع للأفعال المعتلة قبلا ، للأراذل الذين أرسلوا الغربان الملعونة ، تدك حصون الاباء المشهود ، ترسل الحمم الغادرة الى كل ذات رفضت الرقص على أنغام الذل الذي أريد له التمكين في قلوب استنشقت نسيم الكرامة من الزمن السحيق ،في مطلع فجر عند متم شهر خريفي ، كوكوعو ، كوكوعو ، استيقظي خديجتي ، اقترب موعد الفجر ، أفاق أبو علي زوجته ،على نغمات صوتية عذبة يرسلها الديك البلدي ، قامت الشابة نشيطة لتستقبل يومها الجديد ،هي سيدة متوسطة القامة ، خفيفة الظل ، امرأة تقف خلف رجل عظيم ، لما لا وهما من معدن سبكته أصالة عريقة ،لم تسقط في مهاوي الغفلة والأفول عن الهدف النبيل ،حملت كومة برسيم قاصدة زريبة المواشي ، لتطعم جدييها المليحين كما كانت تسميهما ، نظرت اليهما مشفقة من الفراق القريب ، جهز الرجل القوي الودود ، بغلته الشهباء ، حمل الجديين على ظهرها متوجها الى السوق الأسبوعي ، في الطريق ، مشاهد لن تنسى ، نساء يولولن حزنا على أحباء صرعى ، أصوات القذائف تسمع من كل مكان ، رجال يحجون على عجلة من أمرهم ، الى منازل تحولت الى أنقاض فوق ساكنيها ، أطفال يصرخون ، نحن أمام رعب حقيقي ، ماذنبنا نحن المسالمون أمام هذا العدوان الأرعن ؟ تساءل الرجل مخاطبا رفيقه في الطريق ، لم يبق لنا الا أن نشمر عن سواعد الشوكة ،حتى نذيق هؤلاء الأراذل ألوان الموت أهوالا ، أجابه الرجل وبريق عينيه يكاد يخترق غيوما تشكلت في السماء ،من بقايا غبار خاله أبوعلي مجرد أنشودة الأرض التي رفضت ورفضت أن تكون مزرعة شقية يرتادها شذاذ الأفق ، على مشارف السوق ،حيث الرحبة ، تسابق الشناقة للحظوة بصيد ثمين ينتظرونه بفارغ الصبر ، بعد مساومة خفيفة ،دعا للشناقة بالربح ،وهو شارد الذهن ،لم يستسغ شريط الأحداث الذي ظل في باله يتكرر مرة تلو الأخرى ، غادر السوق مسرعا ،بعدما تبضع بشيء مما يلبي قسطا من لوازم الأسرة في زمن الكفاف ، دبت البغلة غزالية الخطى وهو يهش عليها بعصاه المصنوعة بعناية من شجرة الأرز التي آوت اليها رجال الحق أيام الملاحم والنزال ، استقبلته خديجة وهي ترمق في عينيه علامات الحنق على غير العادة ، عزيزي ، عزيزي ، ما الخطب ؟ سألته وقلبها يخفق ، وشفتاها ترتجفان فزعا مما قد يلقيه على مسمعها ، من نبأ ربما يحول الحياة الى نار ملتهبة تتراكم على معاناة لم تنقطع في يوم من الأيام ، رحل النجم الساطع ، رحل الأب الحنون الذي احتضن الرجال واحتضنته الأرض مباركة سعيه المشكور ، بعد هنيهة ، امتشق رجل المهمات الصعبة ، بندقيته الخماسية ،مودعا زوجته بكلمات ذهبية حفرت عميقا في قلبها الرقيق : يا أم كريم ، يا أم أحمد ، اذا لم نلتق مرة أخرى ، اسكبي على قبري عطر الياسمين ،اكتبي لفلذتي كبدي وصيتي الخالدة : هيهات منا الركوع ، لبس الرجل جلبابه ، حاملا في قبه تينا يابسا وخبزا من شعير ، كمن داخل شجرة كثيفة ، جحافل الغزاة تتقدم من كل الجهات ، استقبل الوافد الغريب بولائم سوداء كسواد يومه ذاك ، قال زعيم الطابور الخامس ، بعدما ذاق أسياده طعم الذل والموت من يد أمسكت زناد العز ، توجه رسائل بارود في غاية الدقة والتصويب ، من هذا الشبح الذي نغص علينا نشوة النصر الذي لم يكتمل ؟ توجه الجنرال الى جنوده على ضفة الوادي مستغربا ، انسحب المقدام عند آخر رصاصة ،اختفى عن الأنظار ، تقدم الوشاة ، حربائيو اللون يميلون مع كفة الميزان الجديد ، سماسرة الذل ، عملية تمشيط واسعة النطاق ، دون جدوى ،لمحه مؤمن كتوم ،ستره ، لكن الأسر كان قدره المقدور ،تعذيب لم ينقطع ، رغم ذلك ،ظل يفتخر بتاريخه العبق برائحة الشهادة التي ارتوت منها أرض الطهارة ، حيث منفاه القسري في جنوب الجنوب ، في صحراء وهبت فيما بعد الهيبة وماء العينين ، في مكان تعانقت فيه أحضان الشمال والجنوب ، لم تزره هواجس الغربة الا لماما ، حيث الحياة مع أهل تأصلت فيهم جبلة العفوية المنسابة ،لم يشفع له المقام ،حنين لم ينقطع يوما الى الأرض والتاريخ ، تزامن موعد العودة مع رحيل الغزاة عن الجنوب ، عاد شيخا بالكاد يقوى على المشي ، ألفى خديجته قد رحلت من زمن بعيد ، الدار غير الدار ، مستوطنون جدد ، اغتصبوا الأرض ولم يرحلوا من الذاكرة ، الدار لنا من أنت ؟ هم لا يعرفونه ، قدم نفسه ، فأشاروا اليه بعيدا ، ذلك منزل ولدك كريم ، على مشارف المنزل بدأت رائحته ترسل نسماتها الرقيقة الى الابن والأحفاد ، عناق حار تصحبه دموع لم تنقطع ، أجهش الشيخ بكاء وأعلن أسفا على رفيقته الراحلة ، مازال كريم يتذكر الوصية من فمها ، سأل أباه مستغربا : متى يعود النجم الساطع ؟ رد الأب : سيعود يوما ، ستعود الروح ، ستعود الذاكرة.

مع تحيات عبد الباقي أشن.

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.