Your Content Here
اليوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 2:41 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2015 - 1:13 صباحًا

الغائب الحاضر

 

جواد أقلعي

في معرض حديثه عن عدّنبي نسوق – يقول أحد الأصدقاء :

بالاضافة الى انه كان إنسانا بسيطا ، فإنه كذلك بقي طوال حياته وفيّا لإثنين فقط ..

_ لزوجته آقِيّة اولا ..

_ و لروح المقاومة الريفية ثانيا !

( الكلام المشار اليه أعلاه قد يبدو مفصولا بعض الشيء عن ما سيليه ، او غير ذي علاقة بمحتوى الحكاية القصيرة جدا التي انا بصدد سردها أسفله ، و الحقيقة أني ” أغامر ” بهذا ، إذ بدون قصد مسبق وجدتني استحضر كلام صديقي عن عدّنبي و أضعه في مقدمة النص ، بعدما كان محاولة سرد بسيطة ، تدور أحداثها في زمن و مكان محدّدين ، أقف فيها موقف حياد دون أي تدخل يذكر .

لكن بهذا .. أقبل ان يكون النص مغامرة الى آخر حرف منه ، و ان كانت له حقاً سلطة من نوع ما ، فكل ما سأفعله هو ان اتحايل عن الرضوخ له قدر المستطاع بكل ما أوتيت من خيال متواضع ) .

ذات يوم سبت ، في ” سّوق أباري ” ( السوق القديم ) بامزورن قال عدّنبي كلاما بسيطا لكنه ينمّ عن فراسة حادّة ، هو من استشعر حجم المهازل و التحولات التي أودت بعقارب الزمان الى الركون عند عتبات ” الشمايث ” ( المتخاذلين ) ، غامرة بقشرتها السميكة حقبة الكفاح بدروسها و رجالها الأحرار ، أولئك الذين وهبوا أعمارهم لما هو أقدس من أن تُدوّن أسمائهم في سجلات تاريخ مزوّر ، جنب الى جنب مع أسماء أشهر الخونة و العملاء ، أو ان يظفروا بمعاش في آخر حياتهم او بمأذونية او بوسام ، او تحصيل لقب ” مقاوم قديم ” حتى …

وليس هذا ببعيد عن موضوعنا حول “سوق أباري” الذي وبعودتنا إليه نرى فيه عدنبي متكئاً بإحدى يديه على العكاز الذي لا يفارقه ، و في الاخرى يحمل قارورة بلاستيك غير شفافة . ولج عدّنبي بجلبابه الرث ، منتعلا صندلا ممزقا من كثرة تنقله بين أزقة المدينة المغبّرة و الاسواق القريبة لها ، و ما ان بلغ وسط السوق حتى وقف يصيح ملء صوته ، في ما يشبه” أَبَارْح ” ( الإعلان ) داعيا ” إمسُوقن ” ( المتسوّقين ) الى التجمع و الإنصات اليه ، شيئا فشيئا بدأ الناس يلبّون نداءه ، منتظرين في فضول ما سيزفّه إليهم الرجل من أخبار ، لكنه ارتأى أن يعيد صيحته المصحوبة بتلك اللازمة القاسية التي عادة ما تتخلّل جل أحاديثه :

– ااايا ذاوا ن رحّام … ! ( يا أولاد الحرام ) .

و عندما كبرت الجوقة من حوله و ما كان على الحكيم إلاّ ان يكشف للجموع عمّا عنده من اخبار او ما شابه ، رفع قارورة البلاستيك – الغير شفّافة – بيده صوب الأعلى ، رفعها الى أقصى حدّ ممكن حتى يتسنّى للجميع رؤيتها ، بعدما بادرهم بالسؤال :

– أَشْكوم اسّقْسييغْ !؟ ( سأسألكم )

و بينما شرعوا في التململ و لاحت قهقهات السخرية من سلوكه الغريب ، تابع عدّنبي بسؤال حازم :

– أَذااي ذِينِيم ، ثاَ مِيزِي ذْعمّا ؟ ( ستقولون لي بماذا هي مملوءة ) .

مشيرا الى القارورة .

و بما ان لا احد منهم كان بإمكانه ان يتلمّس صيغة الجواب الذي قد يرضي المجنون و يشفي غليله ! فقد ردّ على كل الإجابات ب ” ااالاّ ” ..

– س وامانْ ؟ ( بالماء ) .

ااالاّ ( لا )

– س زِّييث ؟ ( بالزيت ) .

ااالاّ ( لا ) .

– س أُووغِي ؟ ( باللبن ) .

هيييه .. ااالاّ ( لا) .

– س رْگاز ؟ ( بالغاز ) .

ااالاّ ( لا ) .

– ” إِ ميزي أ عدّنبي … ميزي !؟ ” ( إذن بماذا يا عدّنبي … بماذا ) .

هيييه .. تْواريم ثااا !؟ ( أترون هذه القارورة ) .

فردوا عليه .. ” يِيه يِيه .. نَتْواراات ” ( نعم نعم .. أكيد نراها ) .

حينذاك حملق جيدا في وجوه المتجمهرين ، و هم متلهّفين لسماع الجواب الذي قد ينهي ورطتهم اخيراً حتى ينصرفوا لاستئناف قضاء مآربهم ، فكان ان قال جملة واحدة في منتهى البساطة :

” ذخْواا.. أمْ وُراونْ نْ باباثْكوم ” ( الحق أقول لكم أنها فارغة كقلوبكم ) .

و انصرف في صمت …

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 2 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1

    تحية لذئب البوادي الذي أبهرنا بعد طول غياب على صفحته في مملكة روزربيرغ

  2. 2
    جواد says:

    من الجزء الجنوبي لباديتنا نبادلك التحية أيها الشهم
    دمت حرا