Your Content Here
اليوم السبت 31 أكتوبر 2020 - 1:18 مساءً
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الثلاثاء 13 يناير 2015 - 4:35 مساءً

محمد السقفاتي :الإسفنجة والمجاهد الريفي المنسي

 

محمد السقفاتي :الإسفنجة والمجاهد الريفي المنسي

ليست فقط ‘ثويزا’ ما يعرفه الريف من الأعمال التعاضدية التعاونية بين أبنائه. “النوبث” هي أيضا من تلك الأعمال النبيلة التي يتم بواسطتها توفير لوازم الحياة للشخص الذي يقوم بعمل قيم ويقدم نفعا عاما للقرية أوالقبيلة أو الوطن الذي آواه.
هكذا كان السكان يتعاونون ويوزعون بالتناوب فيما بينهم عدد الوجبات التي يحتاج إليها الشخص المعين، أو يوزعون عدد الأيام التي يقضيها ذلك الشخص بينهم.
كل الذين يستقرون مؤقتا دون سكن ودون زوجة بجنبهم، والذين يؤدون مهمة لا تدخل في نطاق الشخصي والمصلحي الذاتي، يتم إعالتهم حسب تقسيم “النوبث” التي هي نوع من أنواع المؤازرة.
غالبا ما تُربط “النوبث” بالري أو بالفقيه، كما تربط  ‘ثويزا’ بالحرث والزرع والحصاد والجمع، لكن هذا خطأ، فمن الذين يحصلون على “النوبث” نجد المعلمين في القرى النائية، طلاب العلم والنساء المكلفات بالعناية بأضرحة الأولياء الصالحين والصالحات. وماذا تعرفون عن رجال كالحاج حدو مثلا؟

أتذكر فيلما وثائقيا يدور حول شخص يشبه بعض الشيء وفي بعض الأشياء الحاج حدو الريفي. إنه مسعود الأفغاني. كان مسعود طاعنا في السن ولم تكن قدراته الجسمانية لتتحمل جبهة الحرب. جبهة الإقبال والإدبار. جبهة الفر والكر. لكن نيته في الدفاع عن وطنه كانت صادقة، وكان هو مستعد وقادر أن يعطي لوطنه دمه ونفيسه.
أعطي لمسعود مدفعا يدويا مع عشرين قنبلة مدفعية وأرسل الى مكان بعيد في الجبال الأفغانية الوعرة. مهمته الكبيره كانت بسيطة وواضحة: عليه أن يحرس الفج الذي هو عبارة عن مسلك وحيد ومنعزل بين الجبال، ومن يمر من هذا الفج أو عبر مسلكه سيكون لا محالة مستهدف بمدفعيته التي لا تخطأ هدفها. هذه هي المهمة وكان هو جديرا بها.
مرت سنوات ومسعود مرابط في المكان يحرس.. مرت سنوات وهو لا يزال ينتظر تصويبته الأولى وتحقيق الهدف.
لكن بعد كل هذه السنوات تغير الكثير في أفغانستان. تغيرت التحالفات التي تحول العدو فيها الى صديق والصديق تغير الى عدو. حتى رئيسه الذي كان يتلقى منه التعليمات والأوامر قد قتل. لقد تغير الكثير في أفغانستان، ومسعود بقي كل هذا الوقت بعيدا عن هذه الحركة وهو لا يدري. كان كل يوم يلهي نفسه ويقوم دون كلل بتنظيف قنابله وتزييت مدفعه وهو ينتظر شيئا قادما لكنه لم يقبل بعد.
نُسيّ مسعود في الجبال الى حين إن اكتشف وجوده فريق تلفزي، وتم بعد ذلك استجوابه ليتأكد للعالم أن مسعود لا يدري، لكنه على الأقل كان ذو نية حسنة.

الحاج حدو الريفي بالمقابل كان من طينة أخرى. كانت الحرب مشتعلة في الريف وكان هو في المكان الذي كان عليه أن يتواجد فيه، بعيدا عن أضواء التلفاز الذي لم يكن ليكتشفه.
كان فلاحا كما كانت طبيعة غالبية سكان الريف. لكنه كان بارعا في شيء. كان قناصا ماهرا  بارعا ويجيد التصويب.
لما التحق بالمجاهدين أعطيت خصيصا له ما يطلق عليه بالريفية ” أثماوسا” بدل بندقية عادية. هذه البندقية الألمانية الصنع التي استمد الريفيون اسمها من اسمها الألماني”Mausser”، كانت ذات مرمى بعيد المدى وكانت فوق هذا معروفة بدقتها. فالرصاصة التي تطلق منها تستطيع اختراق كل الأجواء المناخية من هبوب مثلا وتحتفظ مع ذلك بتوازنها طول مسافة الرمي حتى تدرك هدفها. لهذه الأسباب كانت البندقية سلاح القناصة بامتياز. ولنفس الأسباب كانت المقاومة أثناء المواجهات تترك الحاج حدو بعيدا عن المجاهدين وعن جبهة النيران ليتمكن هو من إظهار براعته في الغدر بالأعداء وقنصهم عن بعد ومن الجنبات ومن حيث لا يدرون.
لما غادرت الرشاقة جسم الحاج ولم يستطع مواكبة سرعة المعارك أكثر، أرسِل به الى جبال شقران وكلف بالحراسة مستعملا المهارات التي يجيدها تصويبا وتسديدا.

كان الحاج حدو يعتني بمكان ومحيط الحراسة وهو يقوم بالمهمة التي يحملها على عاتقه بكل نية وصدق، وكان يعال عبر طريقتين: عند نهاية يوم الأحد من كل أسبوع تصله في إطار المؤن والتزويد النظامية ” تحماشت” مليئة بلوازم ومستلزمات الحياة، إضافة الى الوجبات الغذائية اليومية الساخنة التي كان سكان مدشر “حموذا” ومدشر “أغزار حمزا” القريبان من موقع الحراسة  يزودان بها الحاج حدو في دورة “النوبث” التي وزعت من طرف السكان على منازل المدشرين بالتناوب.
لكن الحرب ستتصاعد وستأخذ منحى جديدا في المنطقة بعد تحالف مختلف القوى على المقاومة مستخدمة الطائرات والأسلحة الشاملة الدمار الى جانب أكثر من مليون جندي.
وصف الرئيس محمد عبد الكريم الخطابي تلك الأيام الحالكة القاسية من الحرب التي مرت عليه وعلى الريف بأكمله بعد الإنزال العسكري بشاطئ صباديا بهذه الكلمات:
“… ضُرب حصار من الطائرات والبوارج، فكانت أسراب الطائرات المتتابعة تواصل إطلاق القنابل بدون انقطاع والبوارج والطرادات ترسل المقذوفات الضخمة، وكانت المقذوفات المتساقطة تشمل منطقة ترابنا بالنار والحديد المتناثر وبالغازات السامة والمواد المحرقة، وقضت على الخطوط التلفونية المتصلة بقيادة النقطة، وظل الأمر على هذه الحالة طوال يوم 9 شتنبر”.
يضيف الخطابي: إنّ هذا العمل الفظيع المتكرر إنْ دل على شيء فإنما يدلّ على الجبن والعجز والظلم والغلو في الكفر وتجاوز الحدود حتى في الاعتداءات، فقد أنكره الإسبنيول وادّعوا أنه من الغازات المسيلة للدموع ونشروه في جرائدهم. وقد أصِبتُ بألوان هذا الغاز مرتين، ومات ثلاثة أشخاص من الذين كانوا معي مرة في داري في أيت قمرة، التي قذفتها الطائرات بأكثر من ثلاثة آلاف قنبلة، وأغلبها من هذا الغاز، ومرضت  في هذه المعركة، التي نتحدث عنها، وإذا لم أمت فذاك شيء لا أعلم سره، وقد بقيتُ متأثرا به في المنفى مدة طويلة. أما الذين قتلوا بسببه في خط القتال في الخط الثابت في بني وليشك وفي معركة فقد تجاوز…”

جراء هذه الوضعية الجديدة وحقنا للدماء، اضطر محمد عبد الكريم أن يسلم نفسه، لكن قبل أن يفعل هذا، جمع مسؤولي الدولة الريفية وأعطى الأوامر لهم في أن يدفعوا توا أجور كل الذين قاتلوا معه. هكذا فقط يستطيع أن يسلم نفسه وهو مرتاح البال دون تأنيب كبير للضمير اتجاه رفاقه الذين سيتركهم خلفه. تم استدعاء المقتصدين وكل القياد في خطوط المقاومة الميدانية وأعطيت الأوامر كي تؤدى أجور المقاتلين قبل ان يسلم هو نفسه.
للحفاظ نصف دورو يوميا، لقائد الاثني عشر 18 دورو شهريا، لقائد الخمسة وعشرين 20 دورو، لقائد الخمسين 25، لقائد المائة 40، لقائد الخمسمائة 60، لقائد الالف 100 دورو….. وهلم جرا.
بعد أداء الأجور وبعد تسليم محمد بن عبد الكريم الخطابي لنفسه، تم تفكيك الجيش النظامي الريفي. هناك من المقاتلين من عادوا الى أهلهم وانشغلوا بالعمل في ضيعاتهم، وهناك من التحق بجبهة الغرب التي أبت أن تستسلم، وهناك من باع سلاحه ليضمن عبورا الى مرفإ آمن خارج حدود الجمهورية الريفية.
فقط الحاج حدو بقي يزاول مهمته في قمة جبل شقران بعيدا عن متغيرات الساحة. أول ما انتبه إليه هو توقف السكان بإمداده بالوجبات الساخنة. في اليوم الأول ظن أن طارئا وقع لأحد العائلات التي كلفت نفسها تقديم “النوبث” له، لكن الأيام التالية لم يتغير أي شيء في هذا ولم يحظ بأي زيارة من أي طرف. كيف للساكنة أن تستمر في زيارته وفي أدائها ل” النوبث” له وهي التي ظنت ان الحاج المجاهد غادر الحراسة ليلتحق بأهله كما فعل بقية المجاهدين؟
في جهل تام عند الساكنة بوجوده في حراسة شقران، كان على الحاج حدو الآن أن ينتظر”ثاحمَّاشت”1 النظامية التي كانت تمد إليه كل يوم الأحد، لكنها لم تأت.
– طارئ خارج الإرادة، قال ووضع أمله في “ثاحمَّاشت” يوم الأحد المقبل، لكن دون جدوى.
لم يستوعب الحاج حدو هذا الغياب المتكرر وما كان عليه أمام هذه الوضعية، سوى أن يقتصد في مؤنه أشد اقتصاد وينتظر..
في الأسبوع  الثالث اشتدت حالته وقد نفذت أكثر ودائعه. لم يبق لديه إلا حفنة سكر وحفنة شاي أخضر وبعض كسرات من الخبز اليابس المتبقى اضافة الى بعض ملاعق عسل زعتر من شقران، وهبه أياه أحد الساكنة الذي كان يربي النحل..
داهمت الحاج حدو رغبة كبيرة في أن يترك الحراسة وينزل الجبل ليتفقدأحوال ساكنة المدشر التي كانت تزوده ب”النوبث”. بموازاة مع هذه الرغبة الجارفة فكر كثيرا فيما سيكون قد وقع وسبب في هذا الغياب. “لا بد أن تكون الحرب هي السبب”. هذا ما استنتجه من تفكيره الطويل وجعله يجمح لرغبته في زيارة المدشر ورغبته الملحة في الإستفسار.
خصوصا في هذه اللحظة يجب عليه أن يربط جأشه أكثر ويشد حزامه ولا يبرح حراسته. تصور إذا برح مكانه وكتب أن يقع شيء في وقت غيابه. ما سيقول عنه الناس؟ الحاج حدو الذي لم يف بعهده وبكلمته؟ وكيف له أن يبقى رجلا ريفيا شهما وشجاعا إن لم تكن له كلمة؟ ماذا سيحصل لشرفه ولعائلته إن مر من قرب حراسته وعبرها جيش معتدي؟ ماذا سيقع إن انهزمت المقاومة بسبب رغبته في الإستفسار؟
أخيرا أوقف من هجوم الأسئلة على دواخله ووضع حدا لكل ما سيسبب له ظنون وشكوك.
في الأسابيع التالية كان قد نفذت كل المؤن في الحراسة. حتى كسرات الخبز اليابسة والمتعفنة التي كان الحاج يصب عليها بعض قطرات ماء كي يتسنى أن يهون عليه مضغها، لم تبقى. السكر أيضاً انقضى وكذلك العسل..
لاشيء بقي. فقط بعض حبات شاي أخضر والتي ما ان يستعملها حتى يتركها تجف تحت أشعة الشمس كي يعيد استعمالها كرات متتالية.
ألم يتحدث ذلك ال”إزري” الريفي من ملحمة أدهار أوبران، حول المجاهد الذي  “Yatzamman ri9amath?”2

أيكون الحاج حدو أيضا ممن كان مقصودا فيها؟
على أية حال فالحاج اعتبر ما يمر به اختبارا كبيرا لكلمته، لراية رجولته.
بدأ يحس بوهن شديد في جسده. وزنه بدأ يخف وآثار الجوع بدأت تتشكل على جسمه وفي تقاسيم وجهه. أن يفي بكلمته الى آخر نفس من روحه هو خياره النهائي وإن كان يعرف أن مصيره ربما سيكون قريبا من الذين ” Yawthin Achou” في نهاية حياتهم.
فكر كثيرا في زوجته منانا وهو يسترجع كل ذكرياته الحميمية والجميلة التي قضاها معها أثناء حياتهما المشتركة.
زوجته منانا بدورها والتي تسكن في مدشر تامسينت، كان قد غلبها الإنتظار شوقا إليه. انتطرته طويلا وهي تتخيل كيف سترحب به بالدف والفرح وبإزران والزغاريد، تماماً كما فعلت قريناتها من قبل مع أزواجهن العائدين من جبهة الحرب. تخيلت وقع الدق على الدف بسبب حرقة الغياب وشوكة الشوق والإشتياق وكيف سيجذب الضرب المتناغم على جلد الدف نساء المدشر، فيهبن جميعا ويعلين صوتهن مع صوتها في نغمات انتصار ونشوة.
لكن الجمهورية سقطت وعم الحزن مكامن الفرح.
ستغني لزوجها بوحدها وعلى الطريقة التي تحسنها وربما في صمت. لكن لا أثرا للحاج حدو ولا شيئا يؤشر أو يبشر بعودته؟ أيكون قد مات ولم يبلغها المسؤولون عن وفاته؟
جابت امرأته المداشر القريبة كلها وهي تسأل عنه. لكن لا أحد يعرف عنه أي شيء.
لما لم توصلها محاولاتها الى أي نتيجة تذكر، قررت أن تسافر عبر إمزورن الى العاصمة أجدير لتسأل من تبقى من المسؤولين عن مصير زوجه.
بعد تحري  كبير وبحث طويل تم العثور في بلدة بوكيدارن على قائد المائة الذي ما إن سمع اسم الحاج حدو حتى ارتبك واحمر وجهه خجلا وهو يضرب راحة يده على جبينه صائحا:
– الحاج حدو المسكين.. نسيناه…نسيته.. نسيته ما أغباني! كيف لي أن أنساه!!!
قبل رأس لالا منانا طالبا منها السماحة وأعطى لها فرسا لتستعين به في طريق عودتها الى منزلها واعدا أياها أنه سيبحث عنه شخصيا ويرسل الحاج حدو في الحين الى منزله وأهله.
– مسكين الحاج حدو ” بوالنيياث”. سيكون الآن يتضرع جوعا في شقران.
قالها بحسرة بادية على محياه وفي صدى لفظه المتذبذب قبل أن يوجه كلامه لأحد أعوانه:
– إذهب الى الخزينة واجمع له حسابه وخذ معك وجبة له. فقد يكون الآن محتاج إليها أشد حاجة. أدي له أجره عندما يسلم لك بندقيته، لكن لا تتركه يغادر الحراسة فورا. إن في الأمر فضيحة كبيرة. اترك الأمر الى يوم الأحد حتى يتسنى له أن يمر بسوق “أرحاد نتماسينت” ويدخل منزله بشرفه وبهامة مرتفعة وفي يده شيء… ويا للعار علي… ماذا فعلت!
مع فجر يومه الأحد غادر الحاج حدو حراسته نازلا جبل شقران في صمت حزين وهو الذي سلم سلاحه وحرم من  نشوة حمله.  حزين هذا الأمر حين لا تسنح له فرصة المسير المتبختر لمجاهد عبر المداشر و”اثماوسا”ه مربوطة على ظهره .. وجلبابه مشدود بحزام قرطاس.
حين وصل في الصبح الى “سوق نارحاد” وجد عند بوابته بائعة الإسفنج وقد وصلت توا حاملة لسلة كبيرة  مليئة حتى أواخرها بإسفنج طري ساخن.
اتجه الحاج حدو مباشرة إليها وسألها عن الثمن؟
– دورو لعشرة اسفنجات، قالت
– Wa machhar satyawant?? (كم ثمن الأكل حتى الشبع)
نظرت البائعة إليه وفكرت مليا. كم يستطيع هذا الرجل أن يأكل من إسفنجة؟ عشرة؟ سترتفع الزيت الى حنجرته.. سيحس بالغثيان إذا فعل.. سأقول له…
– Doro o nas satyawant (دورو ونصف وكل حتى تشبع)
قبل الحاج حدو بعرض البائعة وأخذ جلسة على الأرض العارية واضعا السلة بين رجليه الممدودتين حولها. باسم الله قال وبدأ.
كانت المرأة تتابعه بنظراتها وتراقبه وهي تعد الإسفنجات التي تغيب في فمه واحدة تلو الأخرى عندما تجاوز العشرين حبة، اقتربت منه. أخذت مكانها بجنبه على الأرض العارية ولم تنبس بكلمة: الحاج يأكل بنهم شديد وقد نسى العالم حوله بكله، والبائعة بجنبه تبكي في صمت والدموع تنسكب في مرارة وحرقة على وجهها لتسقط قطرات ابتلت تربة سوق نارحاد لغزارتها. لم ينتبه الحاج إليها. العالم كله بالنسبة إليه، يراه في هذه الأونة في بطن هذه السلة مختصراً مختزلا.
سلة الإسفنج.. سلة البائعة. كان الحاج حدو ينهم بشراهة والمرأة تقابله بالبكاء بالحرقة.
انتبه الزوار الوافدون على السوق لحالة البائعة فبدؤوا يتجمعون ويراقبون المشهد وهم يتساءلون حائرين: أيكون قد أرغمها الرجل أو هددها؟ أيكون امتنع ولا يريد أن يدفع لها ثمن اسفنجها؟ ماذا يحدث؟ تساءلوا قبل أن يتوجه أحدهم الى المرأة سائلا أياها حول السبب في بكائها:
– Ayamma arza9 an tawa inu!! aggikht annith as wawar iwc hikh. Ya3barit khay iras inu.
اخبرته بالقصة وبأن رزق أبنائها ذهب كالريح هباءا منثورا بفعل كلمتها.
بينما البائعة كانت غارقة منشغلة في مسح دموعها شارحة للناس ما حدث، كان الحاج منشغلا بدوره بالثأر بالأكل للنسيان الذي طاله. لم يتوقف حتى سمع رجلا يناديه باسمه، لكن الحاج حدو كان قد أدرك قاع السلة وهو المنسي لوقت، لا يدري ولا يعلم. وكأن الحلم قد سقط في فراغ فتحة اسفنج.
الهامش:
-1. قفة مصنوعة من نبتة الدوم
-2. يعصر بقايا الشاي الأخضر
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    redouane says:

    قصة جمعت الواقع بالخيال الألم واﻷمل الحزن والفرح أشخاص تتشابه في عوالم وأزمنة تختلف …
    أقل ما يمكن أن أقول عنها أنها رائعة