Your Content Here
اليوم السبت 4 أبريل 2020 - 8:42 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 19 ديسمبر 2014 - 2:22 صباحًا

الفقر هنا وهناك

عبد المجيد بهي

نحن المهاجرون ولدنا في الحقيقة مرتين ؛ مرة عندما خرجنا من بطون أمهاتنا الى الوجود ومرة عندما التحقنا بالعالم المتقدم الحر . فانضاف الى حياتنا بعد هذه النقلة النوعية بعدا جديدا وهو البعد الكوني . بذالك سيصبح لحياتنا بعدين : بعد وطني وقبلي يختزل ويتضمن صيرورة الحياة الأولى وبعد كوني وعالمي يؤطر حياتنا الثانية بالمهجر . إن زمن الحياة الأولى وحيثياتها وسياقاتها الثقافية والإقتصادية والإجتماعية تتناقض بشكل كبير مع زمن الحياة الثانية وقيمها وحيثياتها وسياقاتها . ومن خلال تجربة الحياة في الزمنين المتناقضين والإحتكاك المباشر بالعالم المتقدم الحر نجزم التأكيد على أن الفقر السائد في الوطن الأول اللذي شنت عليه السلطات الحاكمة مسلسلات حربية عديدة للقضاء عليه ؛ ليس هو الفقر نفسه اللذي يتداول بشئنه في الوطن الثاني  .

يزعم الكثير من سياسي ومختصي الوطن الأول أن الفقر والبطالة والرشوة والزبونية ظواهر وآفات اجتماعية تمس المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على حد سواء . وهذا خطاب قديم كان يتناهى الى مسامعنا في الحياة الأولى و يثير في نفوسنا السخط والإشمئزاز والإستنكار آنذاك لإنتفاء أوجه المقارنة بين آفات وأمراض الوطن الأول والوطن الثاني . ولا زلنا نسمع بهذه التهريجات الإستهلاكية الى يومنا هذا ؛ مثل ما يروج حاليا حول نسبة نمو إقتصاد الوطن الأول اللتي ستبلغ 4 بالمئة مقابل نسبة نمو محصورة بين 0.5 و 1 بالمئة في الوطن الأول . نفس الشيئ نسمعه عن البطالة المغربية اللتي أصبحت نسبتها منخفضة عن نسبة البطالة الإصبانية . سوف لن أخوض في تفاصيل هذه الإدعاءات لعدم امتلاكي القدرة على فهم خطاب وفلسفة العفاريت والأشباح اللتي ربما تقف وراء نشر هذه الخرافات . وعليه سأكتفي بإجراء مقارنة بسيطة بين الفقر السائد هناك في الوطن الأول ومظاهر الفقر السائد هنا بالوطن الثاني .

إن الفقر اللذي ألفناه في الحياة الأولى والزمن الأول هو الفقر المدقع اللذي تعتبره الأمم المتحدة من بين مؤشرات التخلف الإجتماعي ؛ اللذي يسلب الإنسان آدميته وكرامته ويعرضه لمخاطر الموت والجوع والمرض والبيع والشراء في المواسيم الإنتخابية .  فالفقراء في الوطن الأول يفتقرون إذن حتى للحد الأدنى من المقومات الحياتية الضامنة للعيش الكريم . إنهم يفتقدون حتى لحقوق حيوانات الوطن الثاني اللتي تتمتع بحماية حيوانية منضمة تشرف عليها مؤسسات حكومية وجمعيات مدنية . حتى المواطنون يتعاطفون معها ويبلغون عن الحيوانات الضالة والمشردة في الشوارع والحدائق ويطالبون الجهات المختصة للتدخل قصد إيواء هذه الكائنات المستضعفة خاصة القطط والكلاب  وحتى الطيور الغير القادرة على الطيران.

هناك فرق شاسع بين الزمن الأول اللذي تنتهك فيه كرامة وحرمة الإنسان والحيوان والزمن الثاني الأوروبي اللذي يتمتعان فيه بنوع من التقديس والتقدير  بغض النظر عن المشاكل اللتي تعترضنا في رحاب الأوطان البديلة . ولكن ما سر هذه الإنشغالات والقلاقل اللتي تعكر سكينة السياسيين وعلماء الإجتماع والإقتصاد هنا بالوطن الثاني إزاء الإزدياد المهول في الهوة الفاصلة بين الفقراء والأغنياء ؟ أهي حجة عل صحة ما يدعيه المسؤولون في الوطن الأول ؟ إن اتساع الفوارق الإجتماعية وسرعة اغتناء الأغنياء وتفقير الفقراء يثير قلق العديد من المهتمين والمختصين هنا بالوطن الثاني خاصة هنا ببلجيكا ولقد تفاقم هذا القلق وتطور الى إحتجاجات وإضرابات في الآونة الأخيرة بعد إصرار الحكومة على تطبيق سياسة مالية وضريبية غير متوازنة وغير عادلة في حق الطبقة الشغيلة وإعفاء اللأغنياء وحمايتهم من أي إجراء يرغمهم على المساهمة في أداء فاتورة الأزمة الإقتصادية والتخفيف من عجز الميزانية . و يرى هؤلاء أن اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء يهدد الأنظمة الرأسمالية الليبرالية الديموقراطية  ويفرغ مبدأ المساواة اللذي تحقق على مدى سنوات بفعل التوزيع العادل والمحكم للثروات عل المجتمع من محتواه ومعناه . إن هذا لا يعني أن الفقراء هنا بالوطن الثاني هم من طينة فقراء الوطن الأول ؛ هذا ليس وارد إطلاقا وإذا ما حصل ذالك في يوم من الأيام فسيتشابه آنذاك النظام الديموقراطي المغربي والبلجيكي وستباغتنا الأشباح والعفاريت من كل الجهات في  .

إن ترسخ التجارب الديموقراطية وتكريس مبادئ حقوق الإنسان في وطننا الثاني طوال العقود الماضية تزامن مع القضاء على الفقر المدقع وتوزيع الثروة عل المجتمع بعد أن كانت مركزة في يد ثلة قليلة من النبلاء والأثرياء أما في وطننا الأول فلا زال الفقر صامدا في وجه الحروب اللتي تعلنها السلطات الحاكمة ضده من حين لآخر واستحال القضاء عليه نهائيا عندما ولفه الفقراء واعتبروه قدرا من أقدار الله المقدرة على عباده قصد امتحانهم في هذه الدنيا الزائلة . في ظل هذا الإختلاف بين قيم وثقافة الوطن الأول والثاني اللذين ننتمي إليهما نخوض معركة شرسة على المستوى الفكري والوجودي لتجاوز هذا التناقض عن طريق الإنتماء للإنسانية بمفهومها الكوني والشمولي اللتي تستوعب كل الثقافات واللغات والعادات والقيم . أما الفقر المدقع اللذي لا زال يسلب الإنسان آدميته وكرامته في وطننا الأول فنشك في أن يكون صادرا عن خالق السماوات والأرض لتعارضه مع مبدأ العدل اللذي تقوم على أساسه كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.