Your Content Here
اليوم الإثنين 17 يونيو 2019 - 12:55 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 14 نوفمبر 2014 - 3:34 صباحًا

المهاجرون المغاربة بين القيم القبلية والقيم الكونية

عبد المجيد بهي

 

لا شك أن أغلبية المهاجرين المغاربة ؛ باستثناء اللاجئين السياسيين وطلاب العلم ؛ سواءا القدامى منهم أو المحدثين ؛ اضطروا للنزوح عن قراهم ومداشرهم وبلداتهم واللجوء الى الديار الأوروبية لهدف واحد وأوحد  وهو جلب الكلأ والمعيشة . وفي السنين الأولى من عمر الهجرة والى حدود بداية مسلسل التجمع العائلي اللذي جلب العديد من عائلات المهاجرين بالمغرب للإستقرار بشكل نهائي بالمهجر ؛ استمتع المهاجرون الأوائل بمتعة التحصيل والكسب وجمع الثروة  بمعزل عن كل مظاهر الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات الأوروبية وبعيدا عن متطلبات الإندماج.  بعد جلبهم  لعائلاتهم من المغرب والتشبث بالمهجر كبديل دائم عن الوطن الأصلي ستفتح صفحة جديدة في مساسل الهجرة المغربية ؛ بحيث سيواجه الآباء مشاكل وتحديات عديدة بخصوص تربية الأبناء ومتابعة مسيرتهم الدراسية واندماجهم في المجتمعات الغربية الجديدة . وفي هذا السياق كان أمامهم خيارين لا ثالث لهما وهما : إما تقبل قيم الحداثة الكونية والإنخراط في مسلسل الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية للشركاء الجدد في المواطنة أو رفض هذه القيم وتجاهلها والتحصن في كانتونات ومؤسسات قبلية تدار منها الحروب ضد دار الكفر والكافرين . وعلى ضوء هذين الخيارين سيتقرر مصير الأبناء والأجيال الناشئة في ظل المجتمعات الأوروبية والقيىم الغربية .

إن القيم الغربية تثير الكثير من الجدال والنقاش حول صلاحيتها وجدواها في حياة المسلمين وكثيرا ما ترفض وتحرم جملة وتفصيلا من قبل أوصياء الأمة وحراس دينها وعقيدتها من دون الأخذ بعين الإعتبار للواقع المعاش من قبل المهاجرين وأبنائهم في ظل هذه القيم . وغالبا ما يتم الإستعانة بقيم الغرب الجنسية والإلحادية من قبل المؤطرين الدينيين لإقناع الرعية الغير المتعلمة والجاهلة بمقولة تكفير الغرب وقيمه وحضارته كما لو أن هذه الحضارة مبنية كلها على القيم الجنسية والإلحادية .ويتم تجاهل المبدأ القائل بأن جميع الحضارات بما في ذالك الحضارة الغربية و اليونانية والرومانية والإسلامية واليابانية كلها حضارات إنسانية يمكن أن تستفيد منها كل الأعراق والأجناس وتغرف منها ما هو صالح وتترك ما هو طالح . إن الأغلبية الساحقة من المهاجرين المغاربة الأوائل منهم والمتأخرين تشبعوا بمقولة التكفير والرفض والتحريم اتجاه المجتمعات اللتي يعيشون فيها وعلومها وأنظمتها  و تشبثوا بالقيم القبلية الرافضة لكل ما هو عالمي وكوني .

إن هذا الموقف العدائي والرافض إزاء المجتمعات الأوروبية وقيمها وإرغام الأبناء على التشبع بقيم الآباء وإحاتطهم بوابل من سياجات الممنوعات والمحرمات سيحدث شرخا كبيرا في تكوينهم الهوياتي والنفسي بسبب معايشتهم لنمطين متناقضين من القيم والأعراف : القيم الأوروبية الكونية وقيم الآباء القبلية . وسيزيد من حدة الإحساس بالضياع والحيرة عند أبناء المهاجرين الأوائل والمتأخرين ؛ تصاعد موجة العنصرية والكراهية في صفوف المجتمعات الأوروبية اتجاه المهاجرين مما سيدفع بهؤلاء الشباب والمراهقين ذو الأصول المغربية إلى البحث عن مخارج وحلول لمأزقهم الوجودي ؛ ولكن أغلبيتهم لم تجد أمامهم سوى الغوص في عالم الجريمة والمخدرات والإرتماء في أحضان الجماعات الدينية المتطرفة اللتي ساقتهم الى الموت في سوريا والعراق . فاستعانت أحزاب اليمين المتطرف بهذه المعطيات لترسخ في أذهان مجتمعاتها صورة كاريكاتورية حول المغاربة كسراق ومحتالين ومجرمين إرهابيين مما سيصعب من عملية التواصل والتعايش أكثر ما بين المهاجرين والأوروبيين . إن سيادة المنظومة الثقافية القبلية والسلفية في أوساط المهاجرين المغاربة بأوروبا أعادت وتعيد إنتاج التخلف بكل أشكاله في صفوفهم وبلغ هذا التخلف أوجه في الميدان التربوي والتعليمي اللذي أهمل وهمش بشكل كبير . ومقارنة مع حجم المهاجرين المغاربة المقدر عددهم بأكثر من خمسة ملايين مهاجر فإن نسبة المهاجرين اللتي نجحت في هذا الميدان واهتدت الى طريق الإعتدال والتوفيق بين القيم القبلية والكونية  في الميدان التربوي؛ هي قليلة جدا .

إنتشرت القيم القبلية بشكل واسع في أوساطنا بدون استثناء لتشمل حتى النخبة والشريحة المتعلمة اللتي فشلت هي أيضا في استيعاب جوهر الحضارة الغربية وقيمها الإنسانية وتقنياتها في العمل السياسي والجمعوي والتربوي . إن هذه الشريحة اللتي شملها مسلسل الهجرة مع بداية التسعينات من القرن العشرين لم تتحرربدورها من ذالك الإنتماء القبلي الضيق ولم توظف مؤهلاتها وإمكانياتها الثقافية والفكرية لقراءة الحضارة الغربية واستيعاب تجاربها في الإجتماع والسياسة والثقافة . على العكس من ذالك ؛ لقد طبقنا العرف المغربي القائل : { دير الشاشية وامشي مع الغاشي } في حياتنا اليومية بالمهجر فتساوينا مع إخواننا اللذين لم ينالوا حظوظهم الكافية لبلوغ مستوياتنا التعليمية والفكرية فاستسلمنا لإغراءات اليورو فأصبحت هوايتنا الوحيدة هي اصطياده ونهبه. وتعرقل ظاهرة الإدمان على القضايا الوطنية السياسية والحقوقية والثقافية العمل الجمعوي المهاجر إذا وجد وتجعله ينفصل عن واقعه الحقيقي المعاش بأرض المهجر وتجاهل التحديات والقضايا الكبرى اللتي تواجهنا في هذه الديار وما تتطلبها من تعبئة واستنفار لحماية أبنائنا وضمان مستقبلهم .         

   

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.