Your Content Here
اليوم الأحد 19 يناير 2020 - 7:03 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 2 نوفمبر 2014 - 10:47 مساءً

قصة قصيرة: الزيتون لا يستطيع الانتظار‎

عـلي العـبـوتي

”كيف للواو أن يفعل بي هكذا؟ كيف له أن يفكر في طحن زيتون الرئيس قبل زيتوني؟ ألم أكن أنا الذي وصلت إلى المطحنة أولا؟”. قلت في نفسي بعد أن رأيت جمالا الذي يُلقب ب(الواو) و هو ينزل كيس الزيتون خاصتي من فوق الميزان و يعجّل بوضع أكياس الرئيس مكانه. لكنهم لم يسمعوا كلامي، مما اضطرني إلى قرع الشفتين قائلا:
– عمي.. يا عمي لماذا أنزلت كيسي دون وزنه؟
نظر الواو إلي بنظرة سريعة و قال:
– انتظر قليلا، ما هي إلا أكياس و سيحين دورك.
– لكن دوري قد حان الآن، فما الذي أخره إلى غاية مرور أكياس؟
– أنت تعرف أن هذه أول مرة ستدور فيها الطاحونة، و الرئيس يريد – كما نريد نحن- أن يكون زيتونه أول ما نعصره.
قال هذا دون أن يوقف عملية الوزن و تدوين عدد القناطر في الدفتر، أما أنا فقد أحسست أن الرئيس و عونه الذي يقف على جنبه الأيسر ينظران إليّ، و هذا ما شجعني على مواصلة الحديث:
– ألا ترى أنك تظلمني؟ الرئيس بنفسه لن يعجبه هذا التصرف.
– بالله عليك.. ما دخل الظلم في هذا؟ ألا تستطيع الانتظار؟
– لا.. لا أستطيع الانتظار، لكن الرئيس يستطيع.
رفعت صوتي و لوحت بأصابع يدي في الهواء:
– الرئيس يستطيع الانتظار..
نظرت في وجهه فوجدته متجهما، كان اسمه محمد و عونه (حدّو) يعرف أبي جيدا. اقترب الأخير مني و وضع يده على كتفي:
– لا بأس، يا ابن سّي موحند، أن تنتظر بعض الوقت.
أزحت يده عني بلباقة، و اتجهت نحو قعر الطاحونة ثم ارتميت فيه واضعا رأسي تحت العجلة الإسمنتية الكبيرة.

تحدثت إليهم من تحت عجلة الطحن:
– زيتوني سيطحن أولا..
لم يهتم بي أحد، حتى الواو كان منهمكا مع أكياس رئيسه. يزنها بتمهل، ليس خوفا من نقص الكيلوات و بالتالي نقص الدراهم التي سيكسبها، بل حرصا على عدم الزيادة التي ستعني دفع الرئيس لمبلغ أكبر. لن أرفع رأسي من تحت العجلة، و لتدر إذا شاءوا، فأنا أريدها أن تدور و لو على رأسي. شغلوها و اطحنوا جمجمتي لتجدوا أن داخلها زيتونا كثيرا، و لوزا و صبارا و جوزا. افعلوها لتخرج الأشجار التي منعتموها من النمو، و تلك الجذوع  التي سقيتموها السم لتظل جامدة لسواطيركم و أساطيركم التي صرتم، بفضلها، تكسبون الكثير من الزيتون.
– انهض من هناك يا ولدي و تعقّل، فأنت ابن فقيه يا حسرة.
قال حدّو الذي فاجأني وجهه الغليظ و هو يطل علي من فوق. فكرت أن أقول له: ”كم تظهر قبيحا من خلال قعر طاحونة الزيتون” لكن عوض ذلك ردّدت:
– زيتوني سيطحن أولا..
– سيطحن زيتونك و زيتون كل الناس.. اصبر فقط.
قال الرئيس متحدثا لأول مرة، ثم توجه لعونه:
– من يكون الفقيه الذي تحدثت عنه؟
– سّي موحند الذي كان إمام لمسجدنا العام المنصرم.
– إيه.. سّي موحند.. إني أعرفه (ثم قاصدا إياي) أبوك رجل طيب و دمث الأخلاق، يجب أن تكون مثله.
انتظرت طويلا لأجني الزيتون.. لي أربعون شجرة غرستها منذ سبع سنوات و لم تثمر إلا هذا الموسم. أخرج مع الأطفال لأستسقي الله، و حين ينزل المطر و تمتلئ السواقي بالماء، يطلب مني الكل أن أسمح له بالسقي لأني ابن سّي موحند الشخص الطيب، حتى أن أشجاري لم تشرب الماء إلا مرة واحدة، و لولا ما تهاطل من المطر، رغم شح السماء، لما جنيت هذا الكيس بشق الأنفس.. هيهْ، أظن أن زيتوني لم يشرب الماء، بل شرب نفسه.. زيتون عصامي.
صرت لا أرى أحدا إلا السقف القصبي، و لا أسمع إلا وقع أقدامهم. ماذا يريدون فعله الآن؟ فكرت: لو أن الذي أراد الواو أن يمنحه دوري كان شخصا غير الرئيس، هل كنت لأفعل هكذا؟ تبادر إلى ذهني أولئك الذي أخذوا من حصص السقي و جففوا في وجهي كل سواقي القرية، فتنحنحت و تنهدت لا إراديا، مما يعني بلا شك، أن الجواب هو: ”طبعا سأفعل”. عار و الله.. أن تنزل زيتونا كلف صاحبه سبع سنوات من الانتظار – بل و كلف نفسه أيضا نفس السنوات كي يثمر حبات قليلة – (أن تنزله) بهذا الاستخفاف من فوق الميزان، فهذا عار على القرية بأكملها.
– ما دمت انتظرت سبع سنوات، فلماذا لا تنتظر وقتا إضافيا آخر؟
قال حدّو بسخرية، و شككت أنهم تغامزوا بلا ريب. قلت بهدوء مداريا انفعالي تحت العجلة:
– إني أحس بهذه الطاحونة و هي تتململ. غنها تريد أن تتحرك و أنتم تعرقلونها فافرغوا زيتوني و اطحنوه فورا.
قال الرئيس:
– ما رأيك أن نخلط زيتوننا و من ثَم أعطيك عشر لترات؟
– تعطيني؟ نخلط زيتوننا، لكن في الأخير تعطيني أنت؟ أتحسب أن كل شيء لك يا سعادة الرئيس؟ إن زيتوني فيه من الزيت ما لا يوجد في كل زيتون القرية. إنه زيت… سبع سنوات… في الواقع أنا الذي سأعطيك، إذا ما قبلتُ هذا ”الخلط”، كما أعطيتُ – بل قل: كما أخذ كل الفلاحين زيتا مني – أنا ابن سّي موحند الرجل اللطيف الذي يجب أن أكون مثله.
صاح العون و اندفع نحوي و مسكني من رجلي ليسحبني إلى فوق، لكن الواو ردعه دون ردع كلماته هذه:
– أتعرف مع من تتحدث؟ سأشغل محرك الطاحونة و ستطحن أنت و زيتونك.
اللعين جعلني أخاف بهذا الكلام، و أفكر في الموت. كم هو مقزز أن أموت تحت هذه العجلة. لا أريد أن يروا وجهي الذي سيكون مصفرا من شدة الخوف لا محالة. وليت وجهي جهة العجلة و أغمضت عيناي، فتخيلت أن كل الأموات الذين أعرفهم قد عادوا يذرعون الطرقات جيئة و ذهابا، و رأيت، على سبيل الخيال، رجلا ميتا لا أعرفه و هو يدخل الطاحونة. يتحدث معي بكلام لا أتذكره لكن أفهمه. يخرجني من القعر و يطحن الواو زيتوني أولا، فأرى الرئيس و عونه يحرقان الأرّم، أما أنا فآخذ ثلاث ليترات من الزيت خاصتي و أخرج.
يتبعني الرجل الميت و يطلب مني الركوب فوق حصانه فأفعل.. مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا.. و فجأة يرتفع الحصان فوق الأرض و يطير.. يطير و يجتاحني الخوف من السقوط. أحاول فتح عيناي فلا أستطيع.. أنزلني.. أنزلني.. أنفلت من الصهوة و أسقط.. أتهاوى و الزيت..
عوض أن أرتطم بالأرض ارتطمت بوسادة من الأكياس. لقد نمت طويلا.. و غلبني النعاس تحت العجلة. نهضت و كانت الطاحونة تملأ المكان ضجيجا بدويّ حركتها. اقتربت من الواو و قلت له:
– أين زيتوني.. أين الرئيس.. ماذا فعلتم بي؟
– لم نفعل شيئا.. لقد نمت، فحملناك و وضعناك في المكان الذي استفقت فيه.. ها هي زيتك (و أشار إلى قنينة بحجم ثلاث لترات). خذها فالرئيس قد دفع مستحقات الطحن.. أربعين درهما.
أخذت الزيت و رأسي ما زال يطن بهذه الكلمات: ”زيتوني سيطحن أولا.. سبع سنوات… سيطحن أولا…”.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    متتبع says:

    لم يكن الزيتون يوما ضحية ، الزيتون رمز الصلابة والقوة، إنما أنت لم تحسن الدفاع عنه في موقف كانت أمها ( الشجرة ) غائبة عن المكان .