Your Content Here
اليوم الجمعة 23 أغسطس 2019 - 2:35 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 31 أكتوبر 2012 - 5:24 مساءً

 

محمد جلول * :

التغيير المنشود :  إذا كانت التغييرات البنوية التي باشرها المستعمر بالمغرب خلال الفترة الكولونيالية المباشرة تحت يافطة ” حفظ الأمن الداخلي وتحديث المجتمع المغربي ” تدخل ضمن مشروع استعماري متكامل مبني على تصور يستهدف تطويع الشعب المغربي بشكل تدريجي ( عبر مختلف وسائل الترهيب والإكراه والإستيلاب الثقافي …إلخ) قصد تدجينه وإخضاعه لنظام سياسي واقتصادي وثقافي مركزي يستطيع أن يتحكم بواسطته بمصيرنا وبمصير بلدنا فتجدر الإشارة أن هذا التصور ذاته هو الذي شكل الإطار المرجعي الذي تأسس عليه مغرب مابعد 1956، فالتغييرات التي أحدثهآلإستعمار شكلت القاعدة التي انطلقت منها الأطراف التي احتكرت الصراع على الحكم (قوى الحركة الوطنية والقصر) فهي لم تخرج في خضم صراعها السياسي البيئي عن الإطار العام الذي رسمه المستعمر ولم تمتلك قط مشروعا مجتمعيا للتحرر من التبعية الإستعمارية، وكل الإصلاحات التي نادت بها او التي توافقت عليها تبقى حبيسة المشروع الذي وضع تصوره الجنرال ليوطي، ورهينة معاهدة ايكس ليبان التي كرست تبعية المغرب للمصالح الجيوسياسية القمعية الأمنية والإقتصادية الإستعمارية، وأقصت عناصر المقاومة الوطنية ووراءها الشعب المغربي من المشاركة والمساهمة في صياغة مشروع الدولة الوطنية لما بعد الجلاد العسكري الإستعماري.

وهكذا فالشعب المغربي بعد عام 1956 تم نخب آماله فقط فيما كان يصبو إليه من تحرر وانعتاق، بل سيجد نفسه في ظل ظروف أشد قسوة وأمام فصول جديدة من الإضطهاد استهدفت تمهيديا تصفية أعضاء جيش التحرير وإسكات كل الأصوات والقضاء على كل معارضة رافضة لمعاهدة ايكس ليبان والإستقلال المغشوش الذي تمخض عنها قلة انتهاج سياسة القبضة الحديدية التي عملت على فرض حصار وعقاب جماعي على مناطق وجهات بأكملها وخنق انفاس الناس ومصادرة حرياتهم وقمع كل الإرادات الحرة المناهضة لسياساته، ومحاصرة عقل المجتمع والدفع به نحو تشكيل وعي مطابق لرؤية المركز وثقافته باستعمال كل المحرمة دوليا وعبر القنوات الايديولوجية للنظام السياسي وقوى الحركة الوطنية ( التعليم، الإعلام الرسمي والحزبي ، المؤسسات والإطارات التابعة، مثقفي المخزن…إلخ) وعبر تهميش المثقف والمجتمع المدني وتمييعهما الممنهج لإلغاء دورهما الفعلي للحيلولة دون المساهمة في حركة تحرر المجتمع ونمائه وتطوره، مقابل تشجيع ثقافة الريع والخضوع لأمر الواقع الذي فرضته السياسات الفاسدة للنظام السياسي والنخب السياسية والنقابية المتواطئة …

يبدو جليا من خلال تقصي سيرورة التحولات التي عرفها المغرب منذ 1956 أن الذين ورثوا الحكم قاموا بإعادة انتاج نفس الأساليب التي انتهجها المستعمر في اطار استراتيجية التطويع التدريجي للمجتمع المغربي لقولبته وفق تقاليد سياسية واقتصادية وثقافية تخضع لشروط السلطة المركزية والمرجعية الفكرية لاوفاق ايكس ليبان على حساب طمس التاريخ الأصيل للشعب المغربي وذاكرته الجماعية وإقصاء مكوناته السوسيو ثقافية / المجالية التي تعتبر الأسس الحقيقية للسيادة الوطنية ومقومات مناعته، ولكن للأسف ثم اختزالها في مجرد أشكال منظورية هامشية يتم توظيفها لأهداف ايديولوجية ضيقة من طرف المخزن وقوى الحركة الوطنية.

بعد خمسة عقود من الإستبداد والفساد والفساد والإستيلاب الثقافي والمسخ الممنهج للوعي الجمعي ومختلف الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الفردية والجماعية وللموارد والأموال والقطاعات العمومية التي طالها النهب والعبث … إلخ،بأتي الإعلان عن تأسيس هيئة ” الإنصاف والمصالحة ” من طرف النظام السياسي وبتوافق مع قوى الحركة الوطنية. الذي يدعوا من خلالها الشعب المغربي إلى فتح صفحة جديدة وطي صفحة الماضي بدون أن يتسنى له حتى معرفة هذا الماضي والكشف عن ماجرى، ومن المسؤول عن ماجرى، ولماذا جرى ماجرى، باستثناء بعض الروايات والشهادات المنتقاة تحكمت فيها رهانات مرحلة التناوب التوافقي وإعادة صياغة الذاكرة الرسمية وفق التوازنات الجديدة، وهو مايمكن اعتباره وهايكس ليبان ثانية جاءت لاسدال الستار حول مرحلة تدجيبنية ثانية وطمس ماوقع ابانها من حقائق تماما كما حدث عند نهاية التواجد الكولونيالي المباشر، ليستمر مسلسل معاناة الشعب المغربي المسلوب الإرادة والحرية.

وبعد أن الشعب المغربي ونادى بالتغيير في إطار حركة 20 فبراير فإن الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية سواء منها الإدارية أو التابعة لقوى الحركة الوطنية بدلا أن تقوم بوظيفتها كقنوات من المفروض أن تتبلور فيها عملية التغيير لسيما في ظل الجمود الذي يرهن البلاد والأزمات التي تمس مختلف القطاعات والميادين والفساد المستشري بدواليب الحكم، فإنها اختارت الوقوف ضد الإرادة الشعبية المنادية بالتغيير الشامل عبر عدالة انتقالية أساسها اسقاط الفساد والإستبداد، وإقرار دستور ديمقراطي عبر هيئة تأسيسية منتخبة من طرف الشعب المغربي يضمن الإنتقال من دولة مخزنية إلى دولة ديمقراطية تستمد سيادتها من الشعب المغربي، حيث اختارت هذه الأحزاب والنقابات الإصطفاف كقوى ممانعة للتغيير والتفت حول الإصطلاحات الممنوحة/المفروضة بدون قيد أوشرط يدعو أن الدستور الجديد يستجيب لمطالبها وتحكمت بالدفاع والترويع لها والمشاركة فيها، وعمدت المركزيات النقابية في عز الحراك الجماهيري إلى التفاوض مع الحكومة التي سحب الشعب المغربي ثقته منها ونادى باسقاطها، فمن أجل تحييد الطبقة العاملة وثنيها عن النزول إلى الشارع إلى جانب حركة 20 فبراير قامت القيادات النقابية بتوقيع مايسمى اتفاق أبريل حول مطالب فئوية هزيلة في الوقت الذي يطلع فيه الشعب المغربي إلى تحقيق مكتسبات مهمة في إطار استرداد الأموال المنهوبة وايقاف نزيف الفساد، والتقسيم العادل للثروة الوطنية وتحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف المواطنين بدون تمييز بين الفئات الإجتماعية وجهات الوطن.

يتبع….

ملحوظة : كتب هذا المقال بتاريخ 02/10/2012 لكن لم يعمم إلا مؤخرا .

* معتقل سياسي محكوم بخمس سنوات سجنا نافذة و غرامة مالية ، قابع بالسجن المحلي للحسيمة .
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.