Your Content Here
اليوم السبت 24 أغسطس 2019 - 11:34 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 3 يوليو 2014 - 1:42 مساءً

هكذا قاد المرتزقة الأمريكيون حربا جوية على الخطابي -الجزء الثالث-

الضباط الأمريكيين السبعة من (اليمين) القبطان  لوسين هولدن، الليوتنان كولونيل شارل كيير وود، الكولونيل شارل سويني، القبطان غراهام بيلن،  الكولونيل أوستان باركر، القبطان ويلر، والكوماندان غرانفيل بولوك

 

ضمن ملف خاص بالعلاقات العسكرية الفرنسية- الأمريكية العدد 246 – سنة 2007، نشرت «المجلة التاريخية للقوات المسلحة» ترجمة لمقال لا يخلو من أهمية وقعه الأستاذ والباحث الأمريكي المتخصص في التاريخ العسكري ويليام دين 1899- 1981
حيث أشار فيه إلى علاقات التعاون والتقارب بين كل من فرنسا وأمريكا، دفعت إلى تشكيل «السرب الشريف» أو ما عرف أيضا بــ«السرب الأمريكي» الذي شكل حرجا بالغا لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. ذهب حد مطالبة بعض الفاعلين المدنيين  والإعلاميين المعارضين لحرب الريف إلى محاكمة هؤلاء الطيارين.
زادت مشاركة هؤلاء الطيارين الأمريكيين إلى جانب القوات الفرنسية، في حرب الريف، من التوتر بين واشنطن وباريس، هكذا، ففي 28 شتنبر 1925، قام كاتب الدولة فرانك كيلوغ بتحذير الحكومة المغربية من كون المرتزقة الأمريكيين يخرقون القوانين الأمريكية عبر قتالهم ضد قوة ليست في حالة حرب ضد دولتهم. وحسب هذه القوانين، فإن كل شخص من جنسية أمريكية ينخرط في صفوف جيش أجنبي، يرتكب جنحة جسيمة يعاقب عليها بغرامة مالية قيمتها ألف دولار وبالسجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. وقد أبلغت القنصلية العامة لأمريكا في طنجة رسميا ممثلي المخزن، عن طريق وزارة الخارجية، أن هؤلاء الطيارين يخرقون قوانين بلادهم.
ومن جهتها، عبرت الصحافة الأمريكية عن معارضتها لمشاركة المرتزقة الأمريكيين في حرب فرنسا ضد ثوار الريف، مثلها مثل حكومة بلادها.
ويسرد كاتب المقال عدة أمثلة في هذا السياق، نقتطف منها بعض النماذج:
فقد ورد بصحيفة بيتسبورغ بوست: «القنابل الأمريكية والرضع الريفيون:
لماذا يذهبون للقتال في الخطوط الأمامية ضد الريفيين؟ ليس للولايات المتحدة أية مشكلة مع هذه القبائل «البربرية» التي تعتبر إساءتها الوحيدة لفرنسا وإسبانيا هي سعيها لطرد مغتصبين أجانب من أراضيها
وفي «نيو يورك سان» ورد كذلك:»يشعر الأمريكي المتوسط أن الشعب الريفي شجاع ومتشبث بحريته أكثر من أي شيء آخر».
أما  «كريستيان سانتوري» فقد نشرت ساخرة من الطيارين الأمريكيين : «ليس لهؤلاء الجنود الأمريكيون بالصدفة مبررا آخر غير الانتشاء بمطاردة البشر. إنها رياضة أرستقراطية تقضي بمطاردة وقتل أرانب خلال حصة قنص. لكون نساء وأطفال قادهم حظهم العاثر أن يولدوا في هذه القرى الريفية ويصبحون ضحايا هذه الرياضة…»
تعرض الطيارون الأمريكيون لاستنزاف شديد، حيث كانوا ينجزون أكثر من خمسة طلعات جوية. منجزين المهمات الموكولة لهم من طرف قادة هيئة الأركان الحربية الفرنسية بالمغرب، ضد رفاق عبد الكريم من شهر غشت إلى نهاية أكتوبر 1925، أي بداية فصل الأمطار، وفق ما ذكره ويليام دين. وكان الكولونيل سويني، الذي تولدت لديه فكرة إنشاء سرب الطائرات، يتولى قيادة الوحدة، كما أن القيادة العليا للجيش الفرنسي في باريس صرفت لها مبلغ 20 ألف فرنك لتغطية مصاريف الدعاية الرامية إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي لكسبه إلى صف فرنسا.
حين حلوله بالمغرب، كان السرب يضم تسعة ضباط وسبعة ضباط صف، وقد ألحق به عقيد فرنسي لا يذكر الأرشيف العسكري اسمه ليقوم بمهمة قيادته برفقة الأمريكي سويني. وقد وضع الفرنسيون رهن إشارة الطيارين الأمريكيين وسائل النقل (شاحنات، دراجات نارية وهوائية)، بالإضافة إلى الموارد البشرية التقنية واللوجيستيكية الضرورية لإنجاز مهمتهم، أي تسعة ضباط صف وخمسين جنديا، بينما زودهم السلطان ببدلاتهم العسكرية، كما دفع أجور العاملين في السرب. ولم تكن الوحدة تتوفر إلا على سبع طائرات مقاتلة، خلافا لما كان يجري به لعمل في الأسراب الفرنسية «10 طائرات» نظرا للقدرات التقنية ومهارات الطيارين الأمريكان المحترفين.
يضيف كاتب المقال أن الطيارين الأمريكيين كانوا يقومون أحيانا بخمس عمليات في اليوم. وقد اعترف المقدم كيروود، الناطق باسم السرب، أن أغلبية العمليات استهدفت جنودا ريفيين محشودين في البوادي، مثلما أقر أن السرب الشريف قصف قرى، وهو ما خلف ضحايا لا يعدون ولا يحصون في صفوف المدنيين. ومن المؤكد بشكل لا يقبل الشك، يكتب ويليام دين، أن المرتزقة الأمريكيين قاموا بقصف قرية رغم تسليمها لنفسها. وإذا صدق المارشال بيتان، فإن سرب الطائرات الشريف أنجز 350 عملية قتالية خلال ستة أسابيع واستعمل فيها أربعين طنا من الذخيرة.

 

كان للقصف الجوي بحرب الريف دورا حاسما، فالمجاهدون الريفيون اعتمدوا على أساليب حربية تقليدية، أبهروا بها العالم، خاصة فيما يتعلق بحرب العصابات، وهو الأمر الذي نبه الجيوش الاستعمارية إلى ضرورة الاعتماد على القصف الجوي، الذي ظهر على أنه الحل الوحيد –آنذاك- لمواجهة الريفيين،  وبالفعل فقد نجحوا في ذلك. إذ سجل القادة العسكريون الاستعماريون أسماءهم في لوائح المجرمين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية غير القابلة للتقادم، خاصة  أنهم كانوا يقصفون المجاهدين بالغازات السامة.
كان الطيران الحربي الاستعماري يستهدف الأسواق والتجمعات السكنية، وهناك وثائق تؤكد تواتر قصف الإسبان لسوق أربعاء تاوريرت، كل يوم أربعاء حيث اجتمع الناس العزل لقضاء مآربهم المعيشية، ويظهر معه أن قصف التجمعات السكنية والأسواق كان بخلفية القضاء على العنصر البشري وإبادته، كما كان القصف يركز غاراته على مواقع القيادة الحربية في أجدير أو في عموم مناطق بني ورياغل التي كانت تنتقل إليها القيادة الحربية.
وعن دور فرنسا في حرب الريف، أشار الأستاذ بوطيب إلى أنها كانت تعي أن المجاهدين الريفيين لن يتوقفوا عند حدود المنطقة الخليفية جنوبا، وكانت تعرف أنها ستكون الهدف اللاحق للريفيين، بعد طرد الإسبان من المناطق التي يحتلونها. لذا بحثت مع باقي القوى الاستعمارية، خاصة مع ألمانيا صيغ الإنهاء المبكر لمقاومة الريفيين، وفي هذا الصدد اعتمدت إسبانيا على التقدم العلمي والحربي واللوجيستيكي لكل من ألمانيا وفرنسا، اللتين وفرتا كذلك مشاركة بعض المرتزقة من جنسيات شتى
أما عن دور الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سبق وأن اقترح أحد الطيارين –المرتزقة- الأمريكان الذي خدم في الفيلق الأجنبي إلى جانب القوات الفرنسية في الحرب العالمية الأولى، وهو الكولونيل شارل سويني على رئيس الحكومة الفرنسية «بان لوفي» خلق سرب طائرات حربية يقوده طيارون أمريكان لتعزيز القدرات العسكرية الفرنسية بالمغرب، وذلك أمام المتغيرات العسكرية الميدانية لفرنسا، بكل من المغرب وسوريا ولبنان. ليتم أخذ ملتمس هذا العسكري الأمريكي على محمل الجد، بحكم النقص الحاصل في الطيران الحربي الفرنسي واستبسال القوات الريفية التي أثخنت المستعمرين. فأعطى وزير الخارجية الفرنسي آنذاك أريستيد بريان موافقته، على إنشاء هدا السرب الذي أطلق عليه «السرب الشريف»، نظرا لموقف انعزال الولايات المتحدة عن حروب القارة الأوربية وموقفها المبدئي الرافض لحرب الريف.
هذا، في حين تبقى طائرات الدول الاستعمارية المسؤولة رسميا عن عمليات القصف، هي الألمانية منها والفرنسية والإسبانية، والاعتماد على مرتزقة من مختلف الجنسيات مثل الطيارين الأمريكيين.
وأضاف، بأن ذلك القصف الذي كان يتواصل لأيام وليال، محملا بقنابل السم المتقاطرة من السماء كل يوم، أحدث حروقا من الدرجة الثالثة، وإصابات باختناقات أدت إلى قتل جماعي لسكان الريف والعمى المباشر. ومازالت آثاره بادية على الأجيال الحالية، حيث يبقى سكان الريف -في يومنا الحاضر- يعانون أكثر من غيرهم من أمراض السرطان، أوعزها الأطباء إلى المواد السامة التي احتوتها قنابل القصف الاستعماري الهمجي.

 


منذ نونبر سنة 1923 شرعت إسبانيا، في قصف المنطقة الشمالية من المغرب بقنابل معبأة بغاز الفوسجين fosgeno والكلوروبيكرينا، cloropicrina، والتي أنتجت ربما بمصنع مليلية. بحسب ما أكدته المؤرخة ماريا روسا دي مادارياكا، استنادا إلى وثائق مصلحة التاريخ العسكري، حين أغارت بهذه الغازات الخانقة طائرات من السرب الرابع من أسطول الطيران أيام 14، 26، و28 من الشهر نفسه. أما أول قبيلة اختيرت لتجربة القصف بغاز الخردل بواسطة الطائرات فكانت قبيلة بني ورياغل نظرا لقربها من مطار الناظور، والذي أرجعته المصادر إلى يونيو سنة 1924. وقد أكد أحد الطيارين الذين شاركوا في هذه العمليات الجديدة، وهو Hidalgo de Cisneros Ignacio، الذي سيصبح قائدا عاما لسلاح الطيران الجمهوري خلال الحرب الأهلية الإسبانية، أنه كان أول من ألقى إحدى تلك القنابل من مخزون مائة قنبلة، الذي كان في المتناول خلال تلك الفترة (نوع 100 كيلو)، والذي ألقي قبل صيف 1924. وكان هذا النوع هو المستورد من المخزون الذي بقي عند الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى، قد تم نقله بحذر شديد إلى المصنع الكيماوي بمليلية.
في المنطقة الشمالية الغربية، كان استعمال القنابل الكيماوية أكثر تعقيدا، بحكم الانتشار المكثف للقوات الإسبانية في أماكن متعددة داخل هذه المنطقة، لأنه لم يكن ممكنا تحديد الأماكن الملوثة بالغازات السامة، بفعل استعمال قنابل C2 الأكثر خفة ووفرة من قنابل C1 زنة 50 كيلو. في هذا الإطار، خلال معارك أنجرة التي جرت في ديسمبر من سنة 1924.
بين 15 و30 دجنبر سنة 1924، استعملت القوات الإسبانية القنابل الكيماوية ضد السكان كما فعلت في المنطقة الشرقية، وهكذا تم إلقاء 184 قنبلة C1 و75 قنبلة (cloropicrina C4) و110 قنبلة TNT، على المنطقة الغربية، بما في ذلك أنجرة، إضافة إلى 559 قنبلة ذات نوعية غير محددة ألقيت يوم 11 دجنبر فوق سوق أربعاء بني حسان. ولما كانت قبيلة أنجرة مجاورة لمدينة طنجة، فقد تهاطلت قنابل كيماوية على هذه الأخيرة. وقد ساهمت هذه القضية في فضح النظام الإسباني باستعماله أسلحة محرمة دوليا، حيث قام ليوطي بمراسلة الرئيس الفرنسي يخبره باستعمال الإسبان لأسلحة كيماوية، وأن مجموعة من الأطفال والنساء تتدفق بكثرة على مستشفى مرشان بطنجة. الشيء نفسه تذكره الوثائق البريطانية، خصوصا وثائق وزارة الخارجية البريطانية التي أشار إليها القنصل العام البريطاني بطنجة. الأولى تعود إلى شهر دجنبر من سنة 1924، يذكر فيها أن ممثلا لقبيلة أنجرة قصده يوم 20 من الشهر نفسه، شاكيا من الغارات بقنابل كيماوية على مداشر هذه القبيلة من طرف طيارين إسبان، حيث أدى هذا إلى عمى أو فقدان المتضررين بصفة مؤقتة للبصر، كما حدثت إصابات بين النساء والأطفال. وبطلب من وزارة الطيران البريطانية التي أرادت الاطلاع على المزيد من المعلومات حول نوعية الغاز المستعمل في هذه الغارات، أجاب القنصل العام البريطاني يوم 19 أبريل من سنة 1925 بأن المصادر المختلفة التي استطاع جمعها تشير إلى أن الغاز الذي استعمله الإسبان هو بدون شك الإيبيريطا. وقد ساق في هذا الجانب شهادة الدكتور Forraz، مدير المستشفى الفرنسي بطنجة، والذي كانت له خبرة في مواد الغازات الخانقة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث أكد استقباله في هذا المستشفى لحالات متعددة تسببت فيها الإيبيريطا. كما أشار جهاز المخابرات البريطاني SIS إلى تعرض بعض ضواحي العرائش إلى هذه الغارات. كذلك، أشار الملحق العسكري البريطاني إلى أن الغارات كانت تتجه صوب الناس مباشرة، لهذا كانت الأسواق الأسبوعية هدفا نمودجيا، لهم حينما تكون مكتظة بالناس
في السياق ذاته، قامت 20 طائرة إسبانية في 29 يونيو بإلقاء 600 قنبلة من تطوان، مسببة أضرارا بشرية جسيمة، حيث تعرضت العديد من المنازل للتدمير، وكثير من «الغلات» للحرق، كما تم رش القبائل بغاز الخردل. وهذا ما أكده وزير بن عبد الكريم الخطابي في الحربية محمد أزرقان بقوله: «وفي هذا الإبان، حضر زعيم الإصبان الجنرال «بريمو ريفيرا» صحبة أركان حربه إلى قشلة أدلاو (واد لاو)، وشاهد بنفسه البارود الواقع بين الجانبين، وما تجريه الطيارات العديدة من إطلاق المدمرات والغاز الخانق وما قامت به المراكب الحربية من رمي المقذوفات / النارية على المجاهدين، وكأن القيامة كانت قائمة…»
بالمقابل، أعطى الفرنسيون أهمية للموضوع، إذ قامت أجهزة مخابراتها بالإقامة العامة بمحاولة اعتراض وحل شفرات الاتصالات بين القيادات الإسبانية. من هذه الشفرات، واحدة اكتشفها المؤرخ الفرنسي جون مارك دولوناي وهي كالتالي: في 9 شتنبر من سنة 1924 طلب من القائد العام  بتطوان السماح باستعمال قنابل محملة بالغازات الخانقة لإيقاف هجوم 5.000 ريفي بمرتفعات كالاس Kalas، وهي الإمكانية الوحيدة لإنقاذ الوضع. وخلال أيام معدودة، طلبت الإغارة بالغازات السامة على قبيلة تالامبوط. كما أنه في يناير من سنة 1925، حين كان الزعيم محمد بن عبد الكريم في أوج قوته، أعلم بأن الغازات الخانقة أحدثت العمى لدى عدد كبير من الأشخاص في عدة دواوير.
أما بالمنطقة الشمالية الشرقية، فقد كانت أول التعزيزات، قد وصلت إلى مطار الناظور يوم 20 يونيو من سنة 1924، أشير لها رسميا بقنابل C1 زنة 50 كيلو للواحدة، والمعبأة بغاز الخردل وكيلوات قليلة من مادة T.N.T لكي تستطيع تفجير محتوياتها. إذ سيتم إلقاء 16 منها (زنة 50 كيلو) يوم 22 يونيو على مركز القيادة العامة لمحمد بن عبد الكريم بآيت قمرة، و 20 قنبلة أخرى على منزله، و 20 على سهل غيس، و 12 على قبيلة تيزيمورين Tizimmoren، 9 على القبائل الموجودة ما بين نهر النكور وغيس، 18 على أجدير و4 فوق قبيلة سوق الحد. أي ما مجموعه 99 قنبلة من فئة C1. ثم في اليوم الموالي ألقيت 101 قنبلة من نفس الفئة C1. في نفس الوقت، بدأ يوم 23 يوليوز في إلقاء قنابل من فئة C2، أقل حجما ووزنا من الأولى (10 كيلو). أما في ديسمبر، تم الهجوم لأول مرة بقنابل من فئة C5 (20 كيلو). كما استعملت تلك الغازات بشكل مكثف يوم 28 شتنبر من سنة 1925 خلال الهجوم الإسباني على المواقع الريفية التي أعاقت تقدم المدفعية بعد إنزال الحسيمة، حيث قام قائد سفينة ألفونسو XIII بإعطاء تعليمات إلى الجنرال قائد الطيران البحري بالإغارة بالإيبيريطا في اتصال باللاسلكي، التقطه الفرنسيون الحلفاء. وقد أشار وزير حربية بنعبد الكريم الخطابي السيد محمد أزرقان إلى هذا بقوله: «حتى نزل الإصبان قرب أجدير برأس العابد في حدود بقيوة وبني ورياغل، وحضر في البحر ستون مركبا حربيا، إسباني وفرنسوي، التي منها المركب الحربي المسمى بباريز الذي ضربه الريف بقنابل المدافع التي كانوا نصبوها بأجدير عندما كان يحاول النزول هناك، مع حضور العدد الذي لا حصر له من الطيارات التي كانت ترمي محلات المجاهدين بالمقذوفات النارية والغازية الخانقة، وقتاله بالمسمومات، وجميع أنواع الفتك الذي لا يخطر ببال».

 

تأسيس سرب الطيران «الشريف»


كانت مهمة الطيارين المرتزقة الأمريكيين محددة، تبعا لعقد الخدمة في الجيش الفرنسي في ثلاث سنوات، لكن وثائق الأرشيف العسكري لا توضح بما فيه الكفاية نوايا الفرنسيين: هل كان توظيف هؤلاء حلا مؤقتا، أم ترى باريس كانت تطمح إلى تمديد خدماتهم زمنيا عبر انتزاع توقيع السلطان؟
ورد في إرسالية 10 يوليوز 1925 الموجهة إلى ليوطي بشأن تأسيس السرب «يبدو هذا التعبير عن التضامن الأمريكي مهما بشكل خاص في هذا الوقت، وبإمكانه أن يخلق في أمريكا دعاية مدعمة لصفنا، وجعل الشعور الأمريكي المساند لعبد الكريم ينقلب لصالحنا».
يعكس المقتطف السابق، الرأي العام الأمريكي الإيجابي والمساند لبن عبد الكريم ولــ»ثورة الريف» -خاصة في أوساط اليسار- الذي كان يعتبر عبد الكريم وطنيا وجمهوريا شجاعا، يواجه بمقاومة بطولية السيطرة الأوربية الرجعية. كما أن زعيم ثورة الريف كان يجسد نموذج البطل لدى أطياف اليسار الفرنسي والإسباني، وقد عبرت المركزية العمالية «الكونفدرالية العامة للشغل» عن تضامنها معه عن طريق تنظيم مسيرة احتجاجية في باريس خلال شهر نونبر 1925، ناهيك عن فلك الدول الشيوعية الذي كان مساندا له.
مبدئيا، كان السرب الأمريكي تحت سلطة السلطان، ولذا فرئيس المجلس الوزاري الفرنسي ووزير الدفاع في الآن نفسi، بول بان لوفي، هو من حدد شخصيا الرتب العسكرية للطيارين الأمريكيين. وإذا كانت وزارة الحرب قد تكفلت بنقل الرجال وطائراتهم إلى المغرب عبر إسبانيا، فإن وزارة الشؤون الخارجية هي التي أرسلت ملف كل واحد منهم إلى المقيم العام. وقد رافق أبناء العم سام صحفيان كلفا بصياغة مقالات دعائية حول أعمالهم البطولية المرتقبة، مقالات اتخذت عناوين عريضة ومثيرة من قبيل: «مساندة  فرنسا» و«مساندة  أمريكا».

زكي مبارك *:  كان قصف الطيران الحربي على الريف عشوائيا كنوع من الإبادة المفضوحة لسكان الشمال المغربي

 

ما طبيعة الدور الذي لعبه الطيران الحربي الاستعماري إبان حرب الريف؟ 
لعب الطيران الحربي إبان حرب الريف دورا مهما، سيما عندما استعملت الدول الاستعمارية المشاركة في القصف الجوي القنابل الحارقة والغازات السامة المحرمة دوليا. ويبقى الاستعمال المكثف للطيران الحربي، أحد العوامل المباشرة، التي دفعت محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى التفكير في الهدنة مع القوى المتحالفة ضد «الثورة الريفية» وهي فرنسا وإسبانيا، نظرا لتفوقها الجوي، مقابل إمكانات تقنيته العسكرية المتواضعة وعدم توفره على سلاح طيران
ما هي الأهداف التي استهدفها الطيران الحربي من الجو بالمنطقة الشمالية؟
كان قصف الطيران الحربي أثناء حرب الريف عشوائيا، لا يميز بين الأهداف المدنية أو العسكرية منها، كنوع من الإبادة المفضوحة لسكان الشمال المغربي، حيث ركز القصف -شبه اليومي- على مركز القيادة بأجدير والمناطق الريفية المحيطة به، وقصف كذلك بعض القرى مثل إمزورن، وبعض مناطق الحسيمة، وقرى أخرى ناحية الناظور…مستهدفا مناطق التجمعات السكنية وغير عابئ بالمدنيين العزل غير المشاركين في العمليات القتالية. وكان هناك ضحايا كثر لا يقدر عددهم لضخامته..
فرنسا وإسبانيا شكلتا هيئة مشتركة للحرب ضد بن عبد الكريم الخطابي، ما هي رهانات فرنسا على المشاركة في الحرب؟
لما بدأ محمد بن عبد الكريم الخطابي ينتصر على الإسبان، ويمعن في تمريغ عسكريتهم في التراب، متقدما في المناطق المحررة. حينها بدأ في التفكير بتوسيع رقعة المنطقة المحررة من السيطرة الاستعمارية بشمال المغرب لما وراء تازة، أي إلى المنطقة التي كانت تحت النفوذ العسكري الفرنسي جنوبا. لتبدأ القيادة العسكرية الفرنسية بالاتصال بنظيرتها الإسبانية لأجل التوصل لصيغة اتفاق أو تحالف للقضاء على «الثورة الريفية» التي أصبحت تهدد الوجود الإسباني والوجود الفرنسي، سواء بالمنطقة الشمالية أو بجنوب المغرب. فانتصار «الثورة» بالريف كان يعني للغرب انتصارا للإسلام، الذي لم يكن مستعدا لتقبل -بأي شكل من الأشكال- انتصار دولة مسلمة على أخرى مسيحية. ما يعني أن ملامح الصراع الإسلامي- المسيحي كانت موجودة وبقوة في حرب الريف.
تحدث لنا عن الجهود التي بذلها بن عبد الكريم الخطابي لتأسيس أسطول جوي عسكري؟
أمام تفوق سلاح الطيران الاستعماري، فكر بن عبد الكريم الخطابي في تجاوز نقطة الضعف العسكرية هذه، والتزود بالطائرات. فحاول أولا الاتصال بالفرنسيين لتزويده بالطائرات. التي حصل منها على ثلاث طائرات إحداها جلبها له من الجزائر شخص يسمى حدو لكحل البقيوي ربضت بقبيلة بني ورياغل، والطائرة الثانية كانت طائرة حربية إسبانية سقطت بمنطقة تمسمان، وكان يقودها طيار إسباني يدعى مارتان تم اعتقاله بأجدير إلى جانب الجنرال «نافارو»  .. أما الطائرة الثالثة، فقد سقطت كذلك بمنطقة واد لاو بالقرب من تطوان، وتحفظت عليها المقاومة الريفية
هل أنجزت طائرات الخطابي طلعات أو عمليات عسكرية أثناء حرب الريف؟
قامت الطائرات بجولات قصيرة ناحية تطوان، لكن لم يثبت تاريخيا أنها قامت بأي مهمة حربية، إذا أنها اكتفت ببعض الطلعات الاستكشافية في اتجاه جنوب مرنيسة، وبعض المصادر تؤكد على أنها حلقت أيضا فوق مليلية وتطوان. وكان حدو لكحل هو من يقود إحداها وقام كذلك بتدريب بعض الريفيين على قيادة الطائرات، محاولا تطوير هذا السرب الصغير وصيانته بجلب قطع الغيار من الجزائر. لأن نظرية بن عبد الكريم كانت تقضي بتأسيس أسطول جوي عول عليه كثيرا في حربه مع الاستعمار. قبل أن تقصفها الطائرات الإسبانية وهي رابضة بأجدير، نظرا لوعي القيادة العسكرية الاستعمارية التام بأن توفر بن عبد الكريم الخطابي على سلاح طيران من شأنه أن يغير موازين القوى في الحرب.
تحدث لنا عن مشاركة الطيارين المرتزقة الأمريكان الذين خدموا في حرب الريف؟
كان هناك سرب مكون من سبع طائرات يدعى «لافاييت»، ربابنته كانوا عبارة عن مرتزقة أمريكيين، فأمام إحراج الجيش الفرنسي من استخدام جنود دولة أخرى غير مشاركة في الحرب، اضطر إلى إلحاق الطيارين الأمريكان بــ»حرس المملكة» وفي السياق نفسه سمي السرب كذلك بـسرب «لافاييت». وشارك هؤلاء الطيارون المرتزقة، في غارات حربية على الريف إلا أنهم لم يمكثوا طويلا بفعل رفض الرأي العام الأمريكي لتلك الحرب الاستعمارية شمال المغرب، وكذا مشاركة أمريكيين بها حتى ولو كانوا فقط عبارة عن طيارين»مرتزقة».

عن جريدة المساء

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.