Your Content Here
اليوم الأحد 8 ديسمبر 2019 - 5:01 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 10 يونيو 2014 - 11:31 صباحًا

عثمان ازيرار : “الصحة بالريف بين غياب المراكز الاستشفائية و اهمال المسؤولين”

 

      يكاد يكون قطاع الصحة بالمغرب عموما وبالريف خصوصا أحد الإشكالات والهواجس التي يمكن القول بأنها هي الازمة التي يعاني منها المواطنون ، نظرا لما يكابدونه من معاناة ومشاكل وعقبات أمام استفادتهم من حقهم الطبيعي الذي تكفله لهم جميع القوانين الوضعية والسماوية ،هو الاستفادة من العلاج ومداواة جراحهم النفسية والمعنوية وتخليصهم من آلام.

في تقريريها هذا ، عند زيارتي  للمستشفى الإقليمي لمدينة الحسيمة قصد الحصول على بعض المعطيات التي تهم القطاع ، تفاجئة بحجم الاكتضاض الذي تعاني منه مختلف مصالح هذا المستشفي والذي يعتبر المركز الجهوي الوحيد لجهة” تازة الحسيمة تاونانت كرسيف”، والتي يتجاوز عدد سكانها 1807113 نسمة ،فيما لا توفر المراكز الصحية بهذه الجهة سوى 828 سرير أي أن هناك سرير طبي واحد لما يزيد عن 5731 نسمة، وهذا يعكس واقع القطاع المزري بالجهة ونفس الأمر نجده في إقليم الناظور مثلا، حيث أن هذه الجهة من الريف لا تتوفر سوى على مستشفيين وحيدين هما المستشفى “الحسني “بالناظور ومستشفى “محمد السادس بالعروي”، حيث لا تتجاوز عدد الأسرَّة بهذين المستشفيين 471 سرير مع العلم أنهما يقدمان خدماتهما لأزيد من 994246 نسمة، مما يعني أن هناك سرير طبي واحد لأزيد من 2110 مواطن، وبهذه الأرقام نكتشف حقيقة القيمة التي يعطيها المسؤولين المغاربة على هذا القطاع لحياة المواطن وحمايته من كل ما يمكن أن يهددها بجهة الريف . فالأرقام الرسمية التي حصلة عليها تدعوا إلى القلق والاعتقاد بأن القطاع الصحي بجهة الريف يكاد يكون في حالة مزرية وأصبح مشلولا على تقديم خدماته للمواطنين،، حيث لا يملك القدرة على التعامل والاستجابة لأبسط الاحتياجات والخدمات الطبية فمثلا في مدينة الحسيمة تصل المواعيد الممنوحة قصد إجراء الكشف الطبي والاستشارات الطبية من 3 إلى 6 أشهر وجود شواهد ومواعيد طبية تثبت ذالك ،

وقد تزيد هذه المدة في حالة تخصصات نادرة كجراحة القلب والدماغ والأوعية، حيث تقل عدد الموارد البشرية المختصة  في هذا المجال بشكل خطير.

 فكيف يتم التعامل مع الحالات المستعجلة؟ أجابني مصدر من هذه المؤسسة قائلا “في حالة الاستعجال يتم الاتصال بأحد الأطباء من القطاع الخاص، وفي حالات أخرى يستقدموا من مناطق مجاورة وإن استحال الأمر يوجه المريض أو المصاب إلى المستشفى الحسني بالناظور، وإن كان لدى الشخص المعني بالامر قليل من الحظ فقد يتصادف ولوجه إلى المستشفى مع وجود طبيب مختص”. وعند سؤالنا لأحد الأطباء حول كيفية التعامل مع وقوع حادث مأساوي أو زلزال يصاب خلاله العشرات فأجاب”حاليا لا نمتلك غير طلب حفظ الله تعالى لأننا لا نملك أي مخطط استعجالي لمواجهة الكوارث وحتى البنية التحتية للمستشفى لا تؤهله لذلك“.

فهذه شهادة من عين المكان حول الواقع الذي يعاني منه القطاع الصحي بالريف، فالجهات المختصة بهذه الجهة لا تمتلك أي مخطط للطوارئ أو الاستعداد للكوارث والمفاجئات التي قد تقع في أي لحظة،كما وقع في زلاوال الحسية سنة 2004، بل يكتفي المسؤولون بتقديم وعود حول انكبابهم لعلاج هذه الصعوبات المتعددة، كما أن القطاع الصحي غارق في وحل من الزبونية والفساد وهذا معروف وبشهادة منظمات دولية كمؤسسة”ترانسبرونتي”  والتي أكدت في تقاريرها أن أزيد من 61% من المغاربة يعتبرون القطاع الصحي قطاع فاسد ومرتشي وأنهم صرحوا أن الفساد والرشوة أصبحت هيكلية من باب المستشفى إلى غرفة العمليات .

وإضافة إلى داء الفساد الذي ينخر هذا القطاع نذكر مشكلة النقص الحاد في المواد البشرية، وهي الذريعة التي طالما قدمها مسؤولي القطاع لأكثر من مرة للرد على واقع المشهد الصحي بالجهة، فالأرقام تقول أن هذا المشكل هو مشكل وطني بامتياز تعاني منه جميع مناطق المغرب، لكن الإحصائيات المتوفرة تقول أن جهة الريف هي الأكثر تضررا من هذه الأزمة، فمثلا في إقليم الحسيمة نجد طبيب واحدا لكل 3393 نسمة وممرض واحد لكل 956 نسمة فيما يصل المعدل الوطني إلى 2883 نسمة لكل طبيب و 1134 نسمة لكل ممرض.

وفيما يتعلق بالأرقام التي ترطبت  بالصحة الإنجابية فإننا نلمس أيضا إكراهات متعددة وهو ما تعكسه الأرقام المتداولة ففي كل 6 ساعات تموت امرأة أثناء الوضع، فكم سيصل هذا العدد في الريف وهي المنطقة المعروفة بتضاريسها المعقدة وتدني الخدمات الصحية المقدمة للنساء، وبالإضافة إلى ذلك فإن أكثر من 30% من ساكنة جهة تازة الحسيمة تقطن في مواقع تبعد عن المراكز الصحية بأزيد من 10 كلومترات، فيما تصل المسافة بين هذه المراكز القروية والمراكز الاستشفائية الحضرية إلى أكثر من 100km كمعدل نسبي.

 فهل تتوفر كل المستوصفات القروية على سيارات الإسعاف؟…وهل هناك طبيب مداوم في هذه المراكز؟”وهل يمكن أن تنجوا امرأة فاجئها ألم المخاض ليلا ونزفت جراء ذلك وتقاوم حتى تصل إلى المستشفى بالحسيمة؟ وغيرها من الأسئلة التي تدق ناقوس الخطر حول الواقع الصحي المخيف بهذه الجهة، حيث لازال المغرب يسجل وفاة 227 امرأة أثناء الوضع على 100 ألف فيما وصل العدد في تونس إلى 4 سيدات من كل ألف.

وإضافة إلى هذا كله نجد مشاكل أخرى كالنقص الحاد في الأدوية داخل المستشفيات وضعف الوسائل اللوجيستيكية من آلات ومستلزمات طبية، مما يرغم معظم المواطنين على الانتظار طويلا قبل الاستفادة من الاستشارات الطبية، كما يعاني القطاع بجهة الحسيمة مثلا من عدم قدرته على تلبية طلبات جميع الوافدين عليه بحكم محدودية طاقة المؤسسات الصحية المتواجدة بهذه الجهة، سواء على صعيد الطاقة الاستعابية أو الموارد البشرية،و مما يزيد الضغط على المركز الاستشفائي بالحسيمة هو إقدام المراكز الصحية القروية والإقليمية على إرسال المرضى من مدينة تاونانت-تارجيست-كتامة

وهؤلاء المواطنين  يتوجهون الى المراكز الصحية التابعة لمحل إقامتهم لمعاينتهم أولا ، وتقديم جميع العلاجات الضرورية المتوفرة لديهم قبل إرسالهم إلى المراكز الجهوية إن توجبت حالة المريض ذلك.

تعلل سبب رفضها استقبالهم الى أنها تتبع قانونا يحتم احترام الخريطة الصحية، و يجمع الكثير من المرضى أن إدارة المستشفى والمساطر التي تقررها الوزارة في تنظيم العلاج داخل المراكز الجهوية و الوطنية، حيث إن القانون يمنع استفادة المواطنين الذين لا ينتمون إلى النفوذ الترابي للاقليم الذي يتواجد به المركز الصحي الجهوي، كما أن المواطنين القادمين من خارج الاقليم مثلا من منطقة “تروكوت ” التي لا تبعد إلا كلومترات صغيرة عن مدينة الحسيمة وتنتمي اداريا الى اقليم الدروش الذي هو بدوره يفتقد ايضا الى اي بنية صحية ،لذا يجب أن يكونوا مرسلين داخل المساطر الادارية المعتمدة ويستثنى المواطنون الذي يعانون من إصابة طارئة أو مرض يصعب التكفل به داخل الجهة التي ينتمي إليها.

 إذا فتعقد المساطر و البيروقراطية الادارية هي التي تحول دون استفادة المواطنين من حقهم الطبيعي في العلاج الملائم و بالإضافة إلى هذا نجد إن هناك مأسات صحية اخرى يعيشها الريف وهي إشكالية مرض السرطان بالمنطقة حيث تؤكد الارقام الرسمية إن المرضى الذين يعانون من السرطان و يتابعون العلاج بمراكز الانكولوجيا بالمغرب “ثمانون بالمائة”، منهم ينحدرون من الريف وهو اقرار رسمي بخصوصية المنطقة ومعاناتها مع تفشي داء السرطان بين سكانها، و هذا ما يجعل من الريفيين يكابدون معانات الانتقال الى المراكز الاستشفائية الكبرى قصد متابعة العلاج المرهق جسديا ومعنويا وماديا كذلك، بحيث أن أغلب هؤلاء المرضى ينحدرون من أسر فقيرة وتصل نسبة الفقر بالمناسبة في جهة الريف –الحسيمة- في المجال القروي إلى%  40  و   20% في المجال الحضري  ، مما يحتم على هؤلاء المرضى من الالتجاء إلى بيع مايملكون من بهائم و أراضي وطلب عون من المحسنين من أجل أداء تكاليف حصة علاج واحدة مع العلم أن هذا المرض يتطلب في بعض الحالات المتقدمة مابين حصتين إلى أربعة حصص في الاسبوع. و بالتالي فعلى هؤلاء المرضى تدبر مصاريف العلاج و المأكل و الإقامة عند زيارتهم للمراكز الصحية المتخصصة، ولعل ما يزيد من سوء أوضاع هؤلاء المرضى غلاء الأدوية التي توصف لعلاج السرطان فهناك أدوية تتجاوز أثمنتها 11000 درهم، ولا تنزل جميع الادوية المخصصة لهذا المرض عن  1000 درهم حسب الأنواع و الماركات التجارية، فكيف سيتمكن الفقراء وذوي البنية الاقتصادية الهشة من أداء مصاريف الاستشفاء و الاستمرار فيه؟

 إن اشكالية غلاء الأدوية هي إشكالية تبرز مدى النسيب والامسؤولية والتي يسير بها القطاع ،فالأدوية في المغرب أغلى من فرنسا” بستون بالمائة” ومن تونس “بأربعون في المائة” وقد صرح الوزير المكلف بالقطاع أن هناك أدوية تباع في المغرب وهي أغلى ب %4000 عن الدول المجاورة  ويتم ارجاع غلاء الأدوية بالمغرب إلى عوامل متعددة حسب الأبحاث المقامة  بالمغرب وتجمل هذه الاسباب في جشع أصحاب شركات تصنيع الأدوية وانعدام الوازع الأخلاقي فالقطاع الصيدنالي يحقق أرقام ربح خيالية ،بل إن هناك مختبرات معينة تحتكر منذ عقود قطاع توزيع الأدوية والمعدات الطبية لأرباحها الكبيرة والإشكال هو أن هذه الأدوية تكون في جلها خاصة بأمراض مزمنة و يكون عدد المصابين بها كثر مما يضمن لهذه الشركات هامش ربح كبير و مستمر، كما تقوم بمنع وعرقلة انتاج وتوزيع الأدوية كمنافسة للدواء الأصلي حيث يخافون على أرباحهم من التاثر و التراجع و يتم بذلك عرقلة أي جهد ومنع أي جهة من المس بهذه اللوبيات المحتكرة للقطاع مما يرغم المواطنين البسطاء على شرائه بأثمنة تفوق قدرتهم الشرائية واستطاعتهم في الغالب، و خاصة أن نسبة المؤمنين بالمغرب لاتتجاوز % 42 و هنا نشير إلى أن الأشخاص المؤمنون لا يستفيدون إلا من هامش تغطية يصل إلى % 17 من طرف شركة التامين فيما تتكفل الدولة بنسبة% 26 و الباقي على المواطن دفعه أي نسبة % 57 مما يعني النسبة الكبيرة من تكاليف العلاج يتحملها المواطن حتى إن كان مؤمنا، و إن كان المواطن لا يتوفر على أي تأمين صحي فسوف يدفع % 74 من نفقات تداويه فيما تتكفل الدول%      26فقط ، يبقى اشكال غلاء الادوية من اهم المشاكل التي تنزف جيوب المغاربة و الريفيين بالخصوص نظرا للإمراض المزمنة التي تصيب اهل المنطقة من سرطان والإعاقات ، و هذي الامراض حسب الخبراء كانت نتيجة الغزاة السامة التي رمية بالريف من قبل الدول الامبريالية مع تواطؤ مكشوف من جهات معلومة ابنان الحرب التحريرية للريفي في فترة مقاومة “محمد بن عبد الكريم الخطابي ”   .

 

                                                                     

عثمان ازيرار : طالب باحث بكلية الحقوق ،جامعة محمد الاول – وجدة –

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.