Your Content Here
اليوم الإثنين 17 يونيو 2019 - 12:55 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 6 مايو 2014 - 11:38 مساءً

ياسين تغدويني: ملف الغازات السامة بالريف؛ بين التوظيف الديماغوجي وحقيقة جبر الضرر ( الجزء الثاني )

المحور الثاني: حقيقة جبر الضّرر

الكل يتحدث عن جبر الضرر الجماعي والفردي وكانت هذه الصيغة المتداولة وليدة لحظة هيئة الانصاف والمصالحة. وحتى ان الحديث عن ملف الغازات السامة لا يكاد يكون ملتصقاً بجبر الضّرر أكثر منه من “طلب” تقديم أي اعتذار أو تصحيح أي مسار للعلاقات التاريخية بين اسبانيا والمغرب، وكأن لسان حالنا يقول: لربما سنبيع كرامة شهداء الغازات السامة، ونبل اعتراف الآخر بجريمته، ببضغ “أورووات” مدعومة من صندوق الاتحاد الأوروبي أكبر من الخزينة الاسبانية. ولأن الاسبان ليسوا أغبياء إلى هذا الحد فلن يَقدموا على دفع سنتيم واحد على بَياض، ودون ضمانات سد الأفواه وبأثر رجعي لكل من تحدث وسيتحدث عن الملف لاحقاً.

كل الأطراف الواردة في المحور الأول وغيرها يطالبون مطالبة ملحة بعملية جبر الضرر كآلية لتجاوز مخلفات الماضي الاستعماري منها استخدام الغازات السامة محور موضوعنا، لكن حقيقة جبر الضرر لا يحمل لدى هؤلاء أي تصور حقيقي لمعنى جبر الضرر الحقيقي الذي يتجاوز البعد المادي إلى البعد الانساني، بعدُ المصالحة مع التاريخ، بعد تصحيح الزوايا المظلمة من تاريخ العلاقات بين الجارين (المغرب واسبانيا)، بعد اعادة الاحساس بالكرامة التي تهان كل يوم بالضحك والاسترزاق بدماء وأرواح الشهداء، ومن الأقارب قبل الأجانب. وهنا نستحضر حقيقة مؤلمة وهي بهرجة جلسات الاستماع العمومي لهيئة الانصاف والمصالحة –بغض النظر عن صدق أو سوء النوايا- فقد كنت حاضراً في محطة الاستماع لضحايا الريف الاوسط (التي أقيمت بفضاء ميرادور بالحسيمة)، رأيت كيف يستجدي الضحية أو حتى وريث الضحية الجلاد بدموع التماسح، ورأيت كيف تحولت الجلسة إلى ملاسنات بين هيئات المجتمع المدني والطرف الآخر وبعض النخب، والتي سرعان ما هيجت الجمع وانفض اللقاء، ليعود في المساء على وقع سهرة الموائد والولائم، وبحارس الباب يتأكد من بطاقات الدعوة.

مرة أخرى يطالب الريف بجبر الضرر وأي جبر فردي أو جماعي، إذا كان الحديث عن جبر الضرر الفردي فهو عار على طالبيه لأن الشهداء الذين سقطوا كانوا في حالة حرب، وكانوا يدركون جيدا معنى الموت بشرف دفاعاً عن القضية، عن الكرامة والأرض والشرف، أوردت هذا لأن البعض لا ينظرون الى التعويضات الجماعية كوسيلة كافية في حد ذاتها لجبر الضرر.

من وجه نظري والتي أراها كفيلة برد الإعتبار –والتي أعطت ثمارها في العديد من تجارب العدالة الانتقالية على سبيل المثال- هي جبر الضرر الجماعي لعده اعتبارات منها:

ü    تجنب التأثيرات السلبية التي قد تنجم عن صرف التعويضات بشكل فردي؛

ü    اعطاء التعويضات بعدها الانساني والاجتماعي؛

ü    سهولة تتبع اجراءات الصرف والمحاسبة في حالة الاخلال؛

ü    اعطاء الصورة التشاركية لخلق الاحساس بالمسؤولية؛

ü    تجنب خلق التفرقة والتمييز، ومن أحق بالاستفادة؛

ü    سهولة تتبع المشاريع المرصودة كتعويض لتعطي ثمارها للأجيال الصاعدة.

لكن حقيقة جبر الضرر سواء في شقه الفردي او الجماعي أو كليهما معاً، ستتكفل به الدولة ومؤسساتها، مما يجرنا بالحديث عن هذه المؤسسات وعن الدولة بصفة عامة هل هي قادرة على أخذ هذه المهة على عاتقها والقيام بها على أحسن وجه، بل والحديث عن أي دولة ستقوم بهذه المهمة، لأن ربما ستكون هناك تعويضات جماعية، ستتكفل بها منظمات المجتمع المدني خاصة الحقوقية، ولما لا منظمات دولية حكومية أو غير حكومية.

وحقيقةُ حقيقة جبر الضرر من اسبانيا تسبقها جبر الضرر من هذه الدولة بمفهوم ذاك النظام، فكيف يعقل أن المجتمع المدني الريفي وكل الفعاليات السياسية الأخرى صائمة عن الكلام عن الريف ومشاكله الكبرى. من سيتحدث عن سنوات الجمر والرصاص والتهميش التي لم تستطع أوراق السيد ادريس بنزكري ولا توصيات هيئته أن تكشف اللّثام عن ما جرى من تقتيل وتنكيل في الريف لمدة 157 يوم؛ بنهاره ولياليه، لقمع انتفاضة الريف غداة الاستقلال. بل وجعل منطقة الريف منطقة عسكرية بمرسوم وزاري وقعه بالعطف السيد عبد الله ابراهيم عميد التيار التقدمي في ثالث حكومة مغربية في تاريخ “الإستقلال”. من منا لم يشاهد إجتياح المروحيات العسكرية في العهد الجديد لسماء الريف لقمع متظاهرين عزل يستغيثون بعد فاجعة الزلزال، من منا لم يعاين “أغنياء الكوارث” يزحفون في المطارات لنهب المساعدات الإنسانية، ويتلقونا التعازي باسم الشهداء ويحولون الشيكات البيضاء إلى أرصدتهم خارج الوطن. من منا لم يرى قطع الطرقات في مدينة الحسيمة لمدة فاقت الثلاث ساعات بينما الملك لم يزل بعد بمدينة طنجة وعبرها تطوان، وقبل وصوله، سبقه إفراغ ثكنات الشرق، والجنوب الشرقي ومكناس وغيرها نحو الريف أشبه بالإنزال الأمني الأمريكي بدولة هايتي بعد الكارثة. ربما كان محمد الخامس أصدق وأحق بكلامه حين قال ” لأن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بناءه موكول إرادتنا وعزيمتنا” باعادة بناء مدينة الانبعاث لتلتحق بركب المدن الكبرى، من حفيده في خطاب 25 مارس 2004، حين وجه الخطاب لمحكومته بالقول: ” بالإنكباب الفوري على إعداد مخطط تنموي مندمج وهيكلي على المدى المتوسط والبعيد من أجل تأهيل اقليم الحسيمة، وإعمار منطقة الريف”، ما هو أصدق من القول هو “اعمار منطقة الريف”، لكن ألم ينتبه جلالته وكل الغيورين من أبناء وحفدة أمزيان وعبد الكريم، حتى يموت نحو ألف شهيد وشهيدة، وتشرّد الآلاف من الأسر في القرى والبوادي المخربة. ألم يكن هناك من داع أسبق إلى التفكير في الشبّاب المهجّر قسراً في قوارب الموت قبل الفاجعة، وآخرون من النخب الإقتصادية والسياسية بسلاسة وتهديد نحو مثلث مكناس-طنجة-الرباط.

ثم فوق كل هذا ألم يتواطئ أبناء الريف أنفسهم ضد إسكات صوت الريف دوما، واكتفوا بالإقتيات على الفتات فيما سمي بالمجتمع المدني بالريف زوراً وبهتانأ، على مبادرات “التنمية البشرية” والتي أشك جازما أنها ممولة من ملايين الدولارات التي تلقتها الدولة كهبات للسكان الريف وغيرها، والتي ما فتئ أقرباءنا وأعداءنا يطلبون المنّة وكأنهم سعاة. هكذا أرى ولا ألزم أحدا برؤيتي أن القَصَاص لم يفُت أوانه بعد من حكومة التكنوقراط ومن لف لفهم ومن هم أرفع من أن يلتفوا، على ما يفوق مبلغ 238408449 درهم (المصرح به ضحكاً).

ومن ثم ننسى طوعاً أو نتناسى كرهاً؛ كل هذا وذاك لنطالب من اسبانيا تعويضات عن تلك الحقبة التي مرت والتي يشك كل أبناء الريف في من دُفع إلى توقيع أصلا معاهدة الحماية في مارس 1912، وبعدها كل التعوضات وكل الاعتذارات ستأتي عبر السلطة المركزية بالضرورة، فكيف بنا إذ ذاك أن نصدق الكذاب ونصارح الجلاد بكل براءة وغباوة عن آلامنا وآهاتنا، وهو يعلم من كان السبب في مآسينا وخراب الريف. ناهيك عن أن بعض السماسرة الذين يقتاتون على مثل هذه التعويضات، لم يدركوا أن بعضها ربما سيكون بدرهم أو دولار رمزي كما تؤمن به عقليات الانتقال الديمقراطي الحقيقي فهل هم مستعدون مدنيين، سياسيين أو غيرهم بقبول هذا المنطق، إن هم أصلا كذلك أقول لهم: كفاكم من الريف، الريف لم يعد يطيقكم كان هذا الآن؛ أو حتى بعد مائة سنة أخرى من العزلة.

على سبيل الختم

رغم كل ما قد يشوب ملف الغازات السامة من شوائب سواء من طرف الفاعلين أو أوقات التفاعلات التي يفضلون “أمناء” سر هذا الملف، إثارتها بين كل لحظة وحين، ما يزال الريف مستعد ليغفر لهم، ليركبوا الفلك الصحيح حتى يسجلوا فخرا للمنطقة، طالما عهدناه في أسلافنا المنعمين (وهم أحق بهذه العبارة من غيرهم)، وإلا فالتاريخ لن يرحم هؤلاء ولن يرحم حتى معالي سدة القرار التي ما فتات تسترزق بالريف في سبيل خطأ شخصي تاريخي ارتكب في ثمانينيات القرن الماضي، ولا زال الشعب المغربي يدفع وهم مستمرون في الصرف. وللذكرى فإن كل التقلّبات السياسية التي تحدث الآن متسارعة اكثر من أي وقت مضى، قد تأتي بما لا تشتهي العروش وقد تخلق من الصحراء صحارى.

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.