Your Content Here
اليوم الأربعاء 17 يوليو 2019 - 12:51 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 2 مايو 2014 - 5:19 مساءً

الذهنية اللائكية : من التأويل إلى التحويل 1/2

نجيب الطلحاوي :

إن المتأمـل في مسيرة الفكر اللائكي المعاصر و هو يلاحق قضايا الوجود الإنساني في أبعاده السياسية و الدينية و الاجتماعية و الاقتصادية كيف يمـارس فعـل الإقصـاء من حيث يريد الإفصاح، فقد حـاول هذا الفكر لأن يحتكر حقائق الترشيد العقلاني و يختزل في ذاته ممكنات تحقيق المقاربة الصائبة لمواضيع شغلت الانسانية حيزا كبيرا من تفكيره، كمـا حاول أن يقدِّم آليات تشخيصه للمعضلات الراهنة كمـا لو أنهـا أدوات “علمية” لا تقبل النقد فصار خطابه أحيانـا يتغمغم و يرتحل بين ترسانـة هـائلة من المفردات المحشوة و أحيانـا أخرى يمارس صراحة صارمـة عندمـا يطلق أحكامه على قضايـا من العيار الثقيل، و مع أن ذهنية اللائكي لا يكـاد يبرح ترديد أسطوانـات تدور إجمـالا حول الإشادة بالنسبية التحليلية و الايمـان بالتعددية الفكرية كمنهج إلا أن الواقع الذي لا يرتفع يجعلنـا نـرى بأن معضلة هـذا العقل تكمن أساسا في ازدواجية أحكـامه عندمـا يقول شيئا و يمارس إقصاءً، فهو عقل يتحرك من منظومـة محددة سابقة علـى أحكـامه و يشتغل ضمن مقاصـد حـاكمة عليه و يدّعـي في نفس الوقت قدرته علـى التحرر من سلطة الايديولوجيا، لكنه في الحقيقة يُعـبِّـر عن التصاقـه الشديد بواقع موروثاتـه و يكشف عن عجزه البالـغ في تجاوز إكراهات الذات و الموضوع في صياغـة أفكـاره ، فاللائكي إنـما يفكر بسوابق قيمية ترسـم فيه مـلامح التمرد علـى القيم الأخرى و تُحدد لـه الزوايـا و الكليات العامـة و تبني فيه أسس التفكير و طرائق التوجيه ، و مهمـا ادعـى التحرر من ثقل الواقـع و اسقاطاته فـلا يعدو ذلك أن يكون محـاولة لإضفاء قسمـات من “العلمية” عليه إذ أن اللائكية في عنوانهـا العريضة مرجعيـة سابقة ذات حلقلت ناظمة تشد بعضها البعض، تتمسّـحُ بالعقل دومـا و تجعله واقيا ضد العقول الأخرى المغايرة، فالصراع عبر التاريخ لا يُختَزل بين عقوق و لا عقول و لا يجري طرحـه بين من مع العقل و بين من ضد العقل كمـا تحاول الكتابات اللائكية تكريسه ، و إنمـا هو صراع بين مقولات يحمل هـذا العقل و بين مقولات يرفضهـا ذلك العقل كمـا ذهب إلـى ذلك المفكر الاستراتيجي منير شفيق في “الإسلام في معركة الحضارة” .

إن القارئ للفلسفة اللائكية عبر امتداداتهـا الزمكانية سيدرك ببساطـة –إذا مـا لو نفذ لمقارباتهـا المادية- انسحاقهـا البليغ في تأليه الذات و الانطلاق من مسلمات تعتبر الرهـان على العقل خَـلاصا كليا من مآزق الوجود، فهي بنت أطروحـاتهـا علـى طوفان من التجريدات الذهنية التي تحتكـر التأويل لقضايـا الدين و العقل و الحرية و الأخـلاق..و تجعـل من القراءات المخالفـة آراء تنتمـي لعـالم “مـا قبل العلمية” الموسومـة بالنزعـات الأسطورية و الارتباطات الميتافيزيقية، لذلك تُطرح الرؤية اللائكية –خصوص عند منتحليهـا العرب- بصفتهـا البديل المعرفي و الأسلوب المنهجي و الخلاص النهـائي لمتواليات الفوضى الاجتمـاعية و السياسية و الدينية، و انطـلاقا من هـذا المعطـي سيفهم أيُّ منـا بسهولـة كيف سيتعاطى اللائكي مع قضايـا العصر و سيدرك حجم التأويلات التي سينسجهـا إزاء المفاهيم و القيم و سَـيَــعــي مستويات تمييع القضايـا إذا مـا لو نفذ لتلك المـاكينـة التـي تصنـع صدامـا دائمـا مـع الرؤيـة الإسلامية للوجود عـامـة. إن للعقل اللائكـي مستويان أساسيـان في عـلاقته بقضايا العصر : مستـوى التأويل المتعسف للظواهـر بحيث يتعـامل دومـا تحت إكراهـات الواقع ، و مستـوى التحويل للظواهـر و تفريغ مضامينهـا من حقائقهـا فيسهـل على اللائكي تقعيد استدلالاته النظريـة، ففلسفـة التأويل اللائكي تشتغـل بناء علـى تأثيرات النزعات المـادية و تتغذى من توجهـات لا دينية و تجدُ سندهـا في بعض التطبيقات المنحرفة لبعض التيارات، كمـا أنهـا تؤسس لمواقفهـا عبر سلسـات طويلة من المعارف الموروثة فتستدعيها لتأويل القضايا تأويلا ينسجم مع الذهنية اللائكية الصلبـة و السائلـة ، فاللائكي بطبيعتـه التي تشكلت لا يمكن أن يتصور الدين أو العقل أو الأخـلاق خارج دائرة الغرب و لا يقبل غير مُسلمـاته التي حفظ مفاهيمهـا بشكل آلـي و اتخذهـا مداخـل للتغيير الشامـل ،فتصوراته لا تزال لصيقـة بالأرض التي وُلدت فيهـا و لا تزال تخضع تحت قيم آسِرة لمنطق اشتغال اللائكي في تصوراته .

إن ذهنـية التأويل اللائكي الغربي تبقـى مفهـومـة ضمن أبعـادهـا و سياقاتهـا و تظـلُّ تمثل تطورا تاريخيا لمتواليات حضارة جددت في المادة وحدهـا ، و وصلت إلـى مـا وصلت إليه من بنـاء أنساقٍ معرفية شملت الجزء و الكل حتـى بدت للبعض كمنظومـات معيارية صالحـة للتطبيق المطلق و لقياس مسارات الحضارات، في حين ليست إلا وِجهـات نـظر تعكس رؤيـة تأويلية للوجود و تُفصـح عن تمظهرات لعقول حائرة و تائهـة اجتهدت ضمن حدودهـا المغلقـة، فالجديد فيهـا أنهـا تطويرٌ للقديم و إحياءٌ لـه بلغـة معاصرة و إنقاذٌ له من التصورات النقيضة الأخرى .و إذا الأمـر كذلك بخصوص النزعـة التأويلية الغربية فإن المُغَربّــة منهــا في بـلاد المسلمين بلغت بهـا مبلغـا جعلتهــا يتيمة بين غرب و شرق، تلفيقية في معالجاتهـا، مُشـرَّدة في قياساتهـا، تــجرُّ معهـا تاريخـا لم تٌنتــجــهُ و تُحـاكم ذاتهـا بذات غيرها، تجتهد في التقليد فتصنع لنفسهـا عقلا مُفـصَّـلا بمعايير وافدة ، معضلـة تأويلاتهـا تكمن في اغترابهـا السحيقة و مآزق تفكيرهـا تكمن في انسحاقهـا البليغة، تدخــل أيَّ جحر دخلوه و تهضم كل شيء هضموه، تُحـاكي أيَّ مُشعوذٍ “عقلاني” نبغ فلا تكترث إلا بمــا ولغ.

تتشكــل ذهنية التأويل عندمـا يلمـس اللائكي في ذاته القدرة علــى تجاوز الموروث بإطـلاق فتتطور معـه أدوات النقد جرحـا و تعديلا، و لا يزال يدَّعـي تقويم كل شيء حتـى يصير ذو عقل مـائع ينظر بمنظار السلطوية التحكمية فلا يبدو لـه وجهـات نظر المغايرين لـه إلا خُزعبــلات فكريـة لا قيمـة لهـا في عـالم المعرفة الحقة، فمنطق التأويل يشتغل ضمن نسق محدد سلفا و يتحرك وِفق نزعـات متأصلة في الباطن الذهني و يوجِدُ بذلك انزياحـات مقصودة هي في عين المُغرَّبين نظريات عقلانية، و مـا هي في الواقع إلا صور تطبيقية للمخيال اللائكي المُحـرِّك، و مهمـا ادّعـى اللائكي قدرته علـى التحرر من أحكـام القيمـة و الانفلات من كل تقييد مُسبق قد يوجه مسارات التفكير فيه فإن القضيـة لا يمكن أن تتجاوز حدود الدعـاية و البحث عن وسائل لشرعنـة آراءه، فالانفصال الكلي بين نزعـة التأويل و بين موادهـا التي تستقي منهـا أساسات التحليل لا يمكن البتة أن تتحقق في فضاء المعرفة و لا يمكن إلا أن تكون بدعـة مُنمـقة روج لهـا إيديولوجيون في حقول العلوم الإنسانية و الأنتروبولوجية، لذلك يُلاحظ أيُّ متتبع لمنظومـات الأفكـار – سواء في الغرب أو عند هوامشه عندنـا- كيف يتسق ذهـن اللائكي بتأويلاته للقضايـا مع تحويلاته النظرية ، و كيف تتكـامـلُ نتائجـه التحويلية مع قيم الواقع و التاريخ التي يبني عليهـا تأويلاته ممــا يؤكد بأن القضية الجوهرية مرتبطة بتشكيلات البنية اللائكية ككل و ليست ببحوث مستقلة تدّعـي التحرر في الظاهـر . إن عـلاقـة التأويل اللائكي للقضايا الكبرى بنزعـة التحويل هـي عـلاقة وسيلة بمقصدهـا، هي عـلاقة جزء بكل، صورة بمعنـى،سبب بنتيجة،فرع بأصل، فالأولـى تتصل بالمنهـج المُتبع إزاء مـا هو خارج الذات و الثانية ترتبط بخـلاصات التأويل إذ يُمـارَسُ التأويلُ اللائكي للدين مـثلا لتكريس خـلاصـة بشريـة الدين أحيانـا  و إثبات انفصالـه عن الوجود تارة أخرى، و بالتـالي تحويلـه إلـى معطى مـادي أو إلى مسألـة جزئية غير ذات قيمـة ، و قد أدت كثرة التحويلات الفلسفية الغربية إلـى حـالات من التشويش و التهميش فمـارست تنميطـا لعقول سايرت ركبَ التحويل و أثمرت عقليات هجينـة تحسبُ لنفسهـا الفاعلية و القدرة علـى التجاوز ، في حين ليست إلا صورا مُستنسخـة و ظلالا لأصداء التحويلات التي زحفت بترسانتهـا الخطابية . إن مـا يمكن قولـه إزاء عمليات التحويل و التفريغ للدين يمكن تطبيقـه أيضا علـى مختلف جوانب الحضارة، فالعقل مثلا كمـا تطرحـه القراءات التأويلية لـه معنـى خـاصا بُنِــيَ انطـلاقا من فلسفات سابقة مُتحكّـمة فصار مـع مرور الزمـن سلطـة جبرية اكتسـى حُلــة من الأنوار الواهية ، و صار مـعه أيّ نـقد لهـذا التأويل المنفرد بمثابـة نقـد للحقيقـة المطلقة التي تضع صاحبهـا مباشرة خارج “العقلانية” ، و لعـل الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمـان هـو من استطاع أن يكشف بطلان هـذا التأويل اللائكي للعقل بعدمـا أخضعـه لنقد صارم بنـاء علـى قيم تداولية عبر كتبه النفيسة و المجددة لروح الإبداع الفلسفي الحقيقي خصوصا في “العمل الديني و تجديد العقل” .

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.