Your Content Here
اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2020 - 3:32 صباحًا
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : السبت 29 مارس 2014 - 11:15 صباحًا

الوطن الذي لا نريده

يوسف أشحشاح

في كل الأزمنة الحرجة والمتوترة بالمعنى الوجودي والسياسي والاجتماعي، يعود مفهوم الوطن الى الواجهة، ليفجر الاحساس بالانتماء الجغرافي، التاريخي والثقافي بمشاعر ملتهبة تفسر العلاقة المتينة القائمة بين الانسان والأرض، وعند كل الفترات الانتقالية ترتفع الاصوات لتنادي بدولة المؤسسات، يأخذ معه الانتماء الى الوطن بعدا ثوريا يغذيه الوعي المشترك.

وقد اتخذ الوطن عند الأجيال التي عانت من الاستعمار وناضلت من أجل استقلاله صورة رومانسية، متضمنة قوتها وجمالها، وقد اتخذ هذا الحب والعشق للوطن صورة أسطورية: “نموت نموت ويحيا الوطن”، ثم فجأة اختفت هذه العواطف من دون ان يختفي بالطبع حد أدنى من الحس الوطني الضروري لكل مواطن.

في هذا السياق ومن خلال تتبعنا اليومي للأوضاع الإقليمية المتسمة بالعنف والعنف المضاد أصبح لزام علينا التفكير جميعا بعين الحكمة، عبر بذل المزيد من الجهد في سبيل مسايرة الانتقال الديمقراطي الذي سار على نهجه المغرب رغم بطئه وخطواته المتثاقلة والتشبث بالتماسك الاجتماعي والتئامه، وهذا يستوجب منا جميعا العمل على صيانة الجبهة الداخلية وإعادة الثقة لتسود من جديد بين أبناء الوطن الواحد. والاطلاع بهذا الدور الوجودي ليست مهمة تطوعية وفقط بل هو واجب وطني مقدس، فما دام ليس لهذا الشخص أو ذاك حق إقصاء الآخر من حلمه في الوطن الذي يريد، نؤكد على أنه لا يحق لأحد بالتبعية أن يجعل من نفسه ناطقا وحيدا باسم الوطن وباسم معاناة ساكنيه، فهي مسؤولية كل المواطنين بغض النظر عن الاختلافات الفكرية والايديولوجية التي قد تسود بينهم.

وحتى نستوعب جيدا التطورات التي حصلت حول مفهوم الوطن منذ فترة الكفاح من اجل الاستقلال الى اليوم دعوني أستعين في هذا السياق بأحد أقطاب السوسيولوجيين المغاربة، الاستاذ “محمد سبيلا” والذي يقول بأن: “الإحساس الوطني الذي كان شعورا جماعيا تعبويا ضد المستعمر بالمغرب، أخذ يتحول بالتدريج نتيجة انطلاق عملية الصراع حول السلطة منذ الثواني الأولى للإستقلال”.

وهذا ما حدث بالفعل إذ يبدو أن الصراع السياسي بعد الاستقلال حول من في حقه امتلاك السلطة والتحكم في آلياتها، أدى إلى نزع نسبي لتلك القدسية عن الوطن، والتي كانت حاضرة بقوة في فترة الكفاح من اجل تحرير المغرب، والوطن بعد ذلك بدأ يأخذ صورة كمجال للصراع، أو كحلبة حامية الوطيس بين مجموعة من الفرقاء السياسيين، وهذا ما سيمس بالإحساس العام لمفهوم الوطن وسيضفي عليه بعدا شكليا أو طبقيا بعد ما كان يأخذ صورة الوطن البديع الجميل في فترة الكفاح من أجل الاستقلال. ومن هذا المنطلق إذن مباشرة بعد الاستقلال تعددت صور الوطن واتخذت معاني ودلالات متعددة حسب الطبقات والمواقع. أحيانا تصورات سلبية وأحيانا أخرى تصورات جميلة.

واليوم مع ارتقاء الوطن من مجرد مقولة رومانسية جميلة فارغة المحتوى، الى مقولة اجتماعية وتاريخية تحيل الى مدلولات محددة ترتبط بالإنجاز والحقوق ومسألة العيش والاستقرار والترقي. أصبح معه التساؤل مشروعا حول طبيعة الوطن الذي نحلم به ونريده ان يتحقق على أرض الواقع، لكن قبل ذلك علينا أن نقول ما ليس هو. فطبيعي جدا أن يكون لدينا تصور حوله اليوم يختلف عن التصور الذي كان لدينا عنه بالأمس. فالوطن الذي لا نريده ولا نطيق العيش فيه هو:

وطن يحدد حقوق مواطنيه دون أن يتمكن مواطنيه من تحديد واجبات الدولة..

وطن لا تأثير لمواطنيه على قاداته..

وطن يتكاثر عدد موظفيه أكثر بكثير مما تتكاثر خدماته..

وطن يحصل فيه جزء من السكان على أجور تفوق عشرات المرات أجور الآخرين..

وطن يعيش فيه عشرة أشخاص في غرفة واحدة..

وطن يكون ضروريا اللجوء فيه للكذب والنفاق والسرقة..

وطن يعيش فيه الجبناء أفضل من الشجعان..

وطن يعيش فيه “شخص” ما في تعاسة لأنه ليس “مسلم” ويعيش فيه شخص آخر في وضع مريح لأنه “مسلم”..

وطن يتمتع فيه “مصاصي” دماء الشعب بحرية كاملة..

وطن تكون فيه نتائج الانتخابات قابلة دوما للتوقع المسبق..

وطن هو الحزن بعينه..

وطن تكون فيه الصراعات القبلية المقيتة هي السائدة..

وطن تسيطر عليه العلاقات الشخصية ويتم فيه تجاوز العلاقات المؤسساتية..

وطن يكون التمييز فيه صعب بين الاستعباد والتحرير..

وطن عبارة عن سجن كبير..

وطن أم شرسة تنكر وتطرد أبنائها..

وطن معسكر للأشغال الشاقة المؤبدة..

وطن قطعة أرضية قابلة للتحفيظ تحت إسم من الأسماء..

وطن إعصار ريعي يجرف معه كل معالم الحياة الكريمة..

وطن يريد أن يكون لجميع مواطنيه نفس الرأي في الفلسفة، السياسة، الاقتصاد، الأدب، والاخلاق..

وطن لا يستطيع مواطنوه أن يقرأوا الأعمال الأدبية الكبرى، ولا يمكن لهم أن يشاهدوا الاعمال الفنية في مجال الرسم، الموسيقى، الشعر…

وفي الختام قرائي الأعزاء ربما لم أجبكم بعد عن الوطن الذي نريده، والآن انتبهوا معي سأقول لكم ما هو، فقط نريده وطن يتسع لكل أبنائه دون تمييز على أي أساس مهما كانت طبيعته، اللون، الجنس، الانتماء، المعتقد.. وهذا الوطن من واجب الجميع أن يساهم من موقعه في بلوغه _الوطن الحلم_، ومن واجب الجميع كذلك أن يحصنه من الانزلاقات والآفات القاتلة والرجات المدمرة والنزعات التجزيئية. لنرفع جميعا عبارة “كفى” في وجه أنصار سياسة المغرب النافع والمغرب الغير النافع، ولنقول كذلك لأصحاب نظرية “المغرب لنا لا لغيرنا”  كفاكم سرقة لأحلام الشعب المغربي ..

ولنقول لهم بصوت مرتفع ومسموع بأن المعادلة قد تغيرت الآن ومن حقنا أن نبلغ ذلك الوطن الذي نحيا من أجله..هكذا فقط سنؤسس لوطن جديد: وطن حر، وطن رحيم يتسع لكل أبنائه.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.