Your Content Here
اليوم الخميس 13 أغسطس 2020 - 5:08 مساءً
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الثلاثاء 18 مارس 2014 - 5:38 صباحًا

العلمانية

عبد المجيد بهي                                                        

إن الحاسوب المحسوب على العلمانية والغرب يتيح لنا الفرصة للتعبير عن أرائنا ومواقفنا اتجاه القضايا العامة ، ونحمد الله على أنه لم تشمله فتاوي التحريم والتكفير اللتي سلطت على العلمانية نفسها صاحبة هذا الصندوق العجيب اللذي يوفر للإنسان حيثما وجد خدمات هائلة في التسيير المقاولاتي والإداري والتواصل الإجتماعي ، وتستعمله كل الطوائف والمذاهب الدينية في العالم
.
يقال أن العلمانية زنديقة وكافرة بدعوتها الى فصل الدين عن الدولة والقضاء على الدين، لكن الواقع الفعلي يثبت عكس ذالك، بحيث أن الدول العلمانية التي نعيش فيها اليوم تحمي كل الديانات المتواجدة على أرضها وتضمن ممارسة كل الطوائف والمذاهب الدينية لشعائرها وطقوسها في سلام وطمأنينة. فالمسلمون اليوم يتمتعون في ظل العلمانية بهامش أوسع من الحرية ويستطيعون حتى ممارسة الدعوة الى الإسلام . هذه هي حرية التفكير والإعتقاد اللتي ترعاها الدول العلمانية رحمة للعالمين وترسيخا للتعايش السلمي والأخوي بين بني البشر .زيادة على ذالك يلجؤ الكثير ممن لهم الإستطاعة وخصوصا أولي الأمر الى العالم العلماني قصد العلاج والإستفادة من التطور التقني في الميدان الصحي والطبي. رغم ذالك كله فالغرب العلماني هو في نظر المسلمين حتى أولائك اللذين يعيشون في كنفه دار الكفر والإلحاد. وهذه هي المرجعية الفكرية التي يربي عليها أغلبية المهاجرين أبناءهم فيزرعون فيهم نزعة الكراهية والرفض لوطنهم اللذي يحتضنهم ، ولم يستمعوا لابن تيمية اللذي قال : { إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة }، لأن من بين مقاصد الإسلام هي العدل والعدالة
.
التناقض اللذي يطبع موقف المسلمين الرافض للعلمانية اليوم هو استمتاعهم واستهلاكهم لكل المنتجات الصناعية والطبية والتكنولوجية التي يستوردها الينا الغرب العلماني.فاستبدلنا الجمال والحمير والبغال بالسيارات والطائرات والقطارات، واستبدلنا العلاج التقليدي بالعلاج الطبي الحديث، واستوردنا الأنظمة السياسية البرلمانية والدستورية……إلخ.
باستيراد هذه المعدات الصناعية والتقنية والسياسية ، تم تحديث مجتمعاتنا ماديا ، أما فكريا فقد اتخذ القرار منذ زمن طويل بالإكتفاء بما قاله الأقدمون والسلف الصالح ، فمنع الإجتهاد والتفكير الحر وإذا سمح بذالك ففي منطقة محددة ولأناس محددين.فتعايشت الحداثة والعلمانية المادية مع ثقافة القلقلة والعنعنة.وهذا لا يعني أن ما استوردناه من تقنية ومعدات ومؤسسات قدأحسنا استعمالها واستغلالها ، بل العكس فأغلب المعدات الطبية والصناعية تتعطل عن العمل وتهمل لغياب المؤهلات البشرية المكونة تكنلوجيا وتقنيا كما أن المؤسسات السياسية كذالك توضع على الهامش للإستهلاك الإعلامي وللديكور.

إن العلمانية منظومة فكرية وفلسفية ترتكز على التفكير المنطقي والعقلاني في تفسير الظواهر الطبيعية والإجتماعية ، ولها أبعاد أخرى في حياة الإنسان الحديث تتصل بالمعرفة الإنسانية والمؤسسات والأخلاق والقيم.ولقد استطاعت أن تنافس المؤسسة الدينية في الغرب وتفرض نفسها كمرجعية فكرية الى جانب المرجعية الدينية اللتي كانت لها السيطرة والوصاية على الإنسا ن. ستظهر على ضوء هذه القطيعة مع المنظومة الفكرية القورسطوية علوم جديدة تناولت بالدرس والتحليل كل مناحي الحياة المجتمعية ، كعلم النفس وعلم الإجتماع ،وعلم الإقتصاد ، والعلوم السياسية….إلخ.و كان لظهور وتطور هذه العلوم دور كبير في زعزعة وخلخلة المسلمات والمعتقدات الفكرية والدينية التي سادت طوال مرحلة ما قبل الأنوار.

العلمانية كمنهج للتفكير العقلاني ليست منتوجا غربيا محضا كما يدعي ذالك الكثير من الفقهاء ورجال الدين الإسلاميين ، فتاريخ الفكر الإسلامي يدلنا على كثير من المفكرين والفلاسفة الإسلاميين اللذين كانوا يؤسسون للتفكير العلماني والعقلاني من داخل الإسلام نفسه ، كالمعتزلة وابن حزم والتوحيدي ومسكويه والفارابي وابن سينا وابن رشد . إلا أن التوجه الفكري والديني السائد أنذاك استطاع ان يقضي على هذه الأنوار الإسلامية اللتي لو قدر لها أن تضيء العالم الإسلامي لكان له موعد أخر مع التاريخ ، وقد قال أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام : { لو سادت تعاليم المعتزلة في هذين الأمرين -أعني سلطان العقل وحرية الإرادة- بين المسلمين من عهد المعتزلة الى اليوم ، لكان للمسلمين موقف اخر من التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلهم الجبر وقعد بهم التواكل….}. إن أنوار المسلمين إنطفأت بسرعة من ألأندلس حتى القوقاز فسادت ثقافة العنعنة والقلقلة منذ موت ابن رشد في القرن الحادي عشر حتى يومنا هذا.
إن الفقهاء المسيحيين استجابوا لنداء الحداثة والعقل فرفعوا وصايتهم على الإنسان وأرجعوا له حريته في الإعتقاد والتفكير اللتي وهبها له الله سبحانه وتعالى ، وأعطوا له الحق في الإيمان والإلحاد ، فتعايش الإيمان والإلحاد في وطن واحد دون اللجوء الى السيوف والخناجر لإراقة الدماء باسم الدين.أما الفقهاء المسلمون فكان لهم موقف أخر مع علمانييهم، حيث قطعوا رؤوس كل من تجرء على الفقه والفقهاء فأسكتوا بذالك كل المدارس والتوجهات العقلانية فساد التخلف الإجتماعي والإقتصادي والفكري والسياسي الى جانب الصراعات الطائفية والمذهبية اللتي أراقت أنهارا من الدماء في الماضي ولا زالت تريقها حتى يومنا هذا.

إن اعتبار العلمانية إلحادا وكفرا وزندقة فيه مغالطة كبيرة، الغرض منها تشويه هذه المنظومة الفكرية أمام جمهور المؤمنين اللذين ليس لهم مصدر أخر للمعرفة سوى الفقهاء والأئمة . فالعلمانية ليست إلحادا في حد ذاتها كما يدعي الكثيرون من أئمة وفقهاء المسلمين. بل هي منهجية فكرية تعتمد المنطق والعقل في تحليل الظواهر الطبيعية والإجتماعية.أما الإلحاد فهي صفة يمكن أن يتصف بها علماني معين أو جماعة من العلمانيين ، وهذا لا يؤدي بالضرورة الى ألحدة العلمانية كمنظومة فكرية وهي نماذج تختلف حسب السياقات التاريخية اللتي تنشأ فيها.وعليه يمكن أن تتأرجح بين التطرف والإعتدال ، شأنها في ذالك شأن الثقافات والأديان اللتي يمكن أن تتراوح كذالك بين التطرف والإعتدال.

إن الإلحاد ليست صفة كل العلمانيين وهذا ليس مبررا لإعلان الحرب  ضد العلمانية كمنهجية في التفكير ، وإلا سيكون موقف اليمين المتطرف الغربي من الإسلام صحيحا بعد هجمات القاعدة ل 11 سبتمبر.فهذه الجهات تعتبر أن الدين الإسلامي دين التطرف والإرهاب وسفك الدماء بناءا على أن منفذي هجمات 11 سبتمبر هم مسلمون وهذا ليس صحيحا لأن منفذي هذه الأعمال الإرهابية حتى ولو نفذوها باسم الإسلام فالإسلام لا يتجسد في ذواتهم بل هم طائفة وتوجه فهموا الإسلام على طريقتهم الخاصة .إن التفكير العلماني اللذي كان يؤسس له المعتزلة والمفكرون الأخرون من داخل الإسلام نفسه هو علمانية إسلامية تهدف الى فهم الدين وفق مبادئ العقل والمنطق انسجاما مع مقاصد شريعة الله السماوية الهادفة الى نشر العدالة وأسعاد البشرية.ولم يكن هؤلاء الناس ملحدون وكفارا بالمعنى الصحيح للكلمة وإنما أطلقت عليهم هذه الصفة لمعارضتهم للتوجه المسيطر في المجتمع الإسلامي أنذاك.

بعد هذا التحليل المتواضع يمكن الخروج ببعض الخلاصات الهامة ومن بينها :

1 – ان حق التعبير وحرية الرأي اللتي تمتع بها السلف الصالح والتي مكنتهم من قول كلمتهم واعطاء نظريات في الدين والسياسة والإقتصاد ، هي حق الجميع وليس من العدل أن ينطق السلف ويسكت الخلف ، ولهذا فنحن في حاجة الى فقهاء وعلماء يتكلمون لغة عصرهم وزمانهم ويبتعدون عن لغة الكتب الصفراء التي لم تعد مفهومة في هذا الزمان ويعطون نظريات في نظام عادل يساوي بين الناس ويحقق لهم الرفاهية والكرامة الإنسانية .

2-ضرورة رفع الوصاية عن عقول الناس واعطائها الحق في استخدام ملكة العقل المعطلة ،واللتي كرم بها الله الإنسان من أجل استعمالها في الإجتهاد والتفكير .وهذا لن يتأتى إلا بتحرير الإنسان من الجهل والأمية من خلال تعليم منفتح على كل العلوم سواءا كانت دينية او فلسفية أو سياسية ،غربية أو إسلامية.

3-نشر ثقافة التسامح والإنفتاح والإعتراف بالأخر المختلف مهما كانت عقيدته وفكره ولونه . فالإنسان يبقى أخ للإنسان وسيدنا أدم هو جدنا جميعا وهذا الدمار والقتل وسفك الدماء باسم المعتقد الديني والفكري اللذي يحدث من حولنا لم يكن يوما من لغة الشرائع السماوية.هذه هي فلسفة الأنوار اللتي نتمنى أن تضيء اوطاننا ومداشرنا ومدننا وكذالك عقولنا من جديد لكي يتعايش المسلمون شيعة وسنة وخوارج ، مؤمنين وملحيدين في سلام وأمان.  

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.