Your Content Here
اليوم الإثنين 16 ديسمبر 2019 - 5:48 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 10 مارس 2014 - 4:55 مساءً

9 مارس : يوم أسقط النظام صوت الشعب

خميس بتكمنت
في خضم الاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عم المغرب منذ ما سمي بالاستقلال، ووسط حيثيات إقليمية حساسة إتسمت بغليان شعبي أطاح برؤوس أنظمة ديكتاتورية، وهبوب الموجات الاولى لرياح التغيير بالمغرب، والتي أفرزت كيانا احتجاجيا اتسعت رقعته بعد 20 فبراير 2011.. في ذلك الخضم، خرج في مثل هذا اليوم 9 مارس محمد السادس بخطاب إختلف المتتبعون للشأن السياسي في تسميته، بين من رآه إستجابة فورية لمطالب  حركة 20 فبراير و بين مَن رأى  فيه انضمام محمد السادس الى صفوف المحتجين، وبين من رآه ذرا للرماد في أعين المحتجين، ومحاولة لتكميم افواههم و تغليط الرأي العام بتغيير مزيف، وبعد مرور ثلاث سنوات عن الخطاب ترى فما الحصيلة؟ وما المستحدث السياسي الذي أحدثه؟
-السياق السياسي للخطاب :
جاء الخطاب في مرحلة حساسة من عمر الحراك الاحتجاجي، الذي جمع تحت لواءه أطياف حركة احتجاجية متناحرة ايديولوجيا، ليستطيع توحيد سقف مطلبي في المطالبة بملكية برلمانية، يفرزها دستور ديمقراطي شعبي، يراعي الشروط المستوجبة للدساتير، دون إغفال الإشارة إلى أن الغموض المطلبي للحركة، فيما يتعلق بمطلب إسقاط الفساد، ساهم في خلخلة الوحدوية التنظيمية للحراك، إذ أن كل طيف سياسي شخصن الفساد في نقيضه الإيديولوجي، دون مراعاة الشرط التجريدي للعلة، التي أدت إلى تفاقم الأوضاع المزرية والاندحار الديمقراطي، ودون إغفال التطرق أيضا للتعامل الاستهتاري بجهاز المخزن ومؤسساته الخبيرة في صنع الأوهام وتسريب السراب السياسي للحفاظ على بوثقة النظام الشمولي المخزني، الذي لا يزاحمه أي طرف في استصدار القرارات ورسم السياسات.
لذلك فحصر شخصنة الفساد في الهمة والماجيدي وباقي أذيال المخزن، هو رسالة واضحة بمثابة تبرئة المؤسسة الملكية من أي خطأ مرتقب، مع العلم أن العمل بالفصل 19 خول لها التمسك الأحادي بزمام الشأن السياسي.
خطاب 09 مارس كان تنويميا بالأساس، بطريقة التحايل المصطلحي على القاموس السياسي أنذاك، ساعده في ذلك التعاطي الانفصامي للنخبة السياسية، التي ركزت نقاشاتها على تحليل الأحلام السياسية، وتصويرها للعيان كأنها أمر قائم بذاته (الانفراج السياسي، الإنتقال الديمقراطي، فصل السلط، دولة المؤسسات.. وكلها أوهام سياسية تم التعامل معها كواقع سياسي ملموس) ثم إن الكهنة السياسيين للمخزن المختصين في التنبؤ المستقبلي للمشهد السياسي، لامسوا تصارع أطياف الحركة الاحتجاجية حول القيادة، ظنا منهم أن الحراك قد نجح في مسعاه،  أو بسوء تقييم للوضع القائم على الارض، الذي أظهر تقاعس طبقات شعبية واسعة للالتحاق بركب الاحتجاج ، ومن خلال ما سبق، يمكن القول إن البعد السيكولوجي للحركة الاحتجاجية، سهل مأمورية لعب المخزن لدوره السفسطي الذي يتقنه، إذ أن إغفال تراكم السياسات الاخضاعية المقسمة على جرعات إعلامية ومنظوماتية  تعليمية ، وأخرى عبر فسح المجال ﻷذيال الاسلام السياسي المروجة لفكرة ” قدرية المخزن ” أدت إلى تباين الوعي بين نخبة الحراك والسواد الاعظم من الناس الذين تسري في عروقهم سلطوية المخزن وهم لا يشعرون.
-9 مارس بين التمويه وتكريس الذات المخزنية
جاء الخطاب بلغة “التمسكن” السياسي لكسب العطف ممن يجهل التركيبة الدقيقة والمعقدة للنظام السياسي، وأساليبه في تحوير النقاش العام عبر آلياته التقليدية المغالطة، ليقتصر على التطرق لجرد الأخطاء في ديباجته، وتطرقه لضرورة القطع مع العبث السياسي السائد آنذاك، دون الإشارة إلى المسؤول عن التأزم والاحتقان الذي عجل بخروج الناس للشارع للاحتجاج، والبدء في شرح خريطة طريق لإعادة رسم معالم الدولة بتعيين لجنة مكلفة ببدء المشاورات للتوافق على دستور قيل عنه أنه ديمقراطي والديمقراطية منه براء، إذ قبل الخوض في الشرط الديقراطي وجب تحليل الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مادامت الملكية هي المتمسكة بالسلط الثلاث، وهي نفسها الراسمة لسياسات الدولة، التي عرفت فشلا ذريعا في كل الميادين.هكذا تم إغفال التطرق ﻷصل العلة، لتجنيب المؤسسة الملكية تحمل أي مسؤولية عن تدهور الأوضاع التي أخرجت فئة لا يستهان بها من الناس للاحتجاج آنذاك.ثم إن الخطاب وفر للنظام السياسي فرصة اغتنام وقت مستقطع، ﻹعادة رسم المقاربات الأمنية، تحسبا لعدم تأثير الخطاب في امتصاص الغضب الجماهيري، وهنا تم الاعتماد على بيادق المتأسلمين، لإضعاف الحراك، بإبقاء المتياسرين بمعزل عن باقي أطياف الشعب المؤمنة بحلم الشيخ وقومته التي تنتظر الطوفان.إن مَن كان ينتظر من النظام أن يهب العيش الديمقراطية فوق طبق تصالحي، كان واهما، ومرد ذلك بالأساس إلى تغييب الشعب و صوته عن المشاركة في رسم معالم الدولة التي احتكرتها الدمى المؤثثة للمشهد السياسي، والتي صٌنعت في مختبرات القصر أو بموافقة منه (الأحزاب، النقابات، هيآت وتنظيمات المجتمع المدني).إن إضعاف الحركة الاحتجاجية وقولبتها، أفرز دستورا ممنوحا لا ديمقراطيا يضع الامازيغية في المرتبة الثانية (بعد عطفها على العربية بواو العطف واستعمال ضمير ” أيضاً” الذي يفيد الإلحاق) وكشف اعتقال علي انوزلا و مصادرة صوته وتشميع منبره الاعلامي، تفنيدا استدلاليا لما تضمنه الباب الثاني في الدستور الخاص بالحريات والحقوق الأساسية. كما أثبت قمع الانتفاضات الشعبية، وعسكرة الريف وتطويق معتصمي جبل ألبان.. عبثية ما جاء في باب التظاهر وحق الاحتجاج، وأثبت إعتقال محمد جلول وعبد الحليم البقالي وبوهني و اشطوبان و باقي المعتقلين السياسيين، واستمرار اعتقال اغضوش و أوسايا، غياب أية إرادة سياسية لإحترام المواثيق الدولية التي تكفل للفرد حق التعبير عن الرأي.ثم إن تفكيك الفصل 19 الى الفصول الخمسة الأولى بعد 40، بما أبقى للملكية سلطة سماوية وأخرى دخيلة (إمارة المؤمنين) أما الحديث عن النقابات والأحزاب في باب الأحكام العامة، فهو تمويه بين، فهي من صنع هرم النظام، يحركها وفق ما تقتضيه الآنية السياسية، ولا ضير في أن السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية تلتقي كلها في الباب الثالث الخاص بالملكية، التي تملك حق الحل و العزل والتعيين والدعوة إلى انتخابات مبكرة.أما باب الحكامة الجيدة، فلن نخوض فيه الآن إلى حين توفير مناخ ديمقراطي يضمن للشعب حق المرجعية في استصدار القرارات وسن السياسات.
-السيناريو الآني والمستقبلي :
بعد نجاح النظام السياسي في تأجيل موعد اعتناق العيش الديمقراطي، من خلال استقدام حكومة “لبواجدة” التي تفتخر علنا بنجاحها في كبح الحراك الشعبي، والتي استغلها المخزن ليظهرها في موقع اللاهث وراء المناصب، باستغلال الدين ﻷغراض سياسية محضة، و بعد رضوخها لتكون بيدقا مقيد المسؤولية والصلاحية، يطبق الأوامر..وبعد الزج بالنسختين الحكوميتين، الأولى والثانية، في مواجهة الشعب، بدل الذود عنه عن طريق عقد تحالفات مع مَن كانت تعارضهم بالأمس وتصفهم بالمفسدين، فإن الآنية المخزنية  الراهنة، تقتصر على تهييئ المناخ المناسب لرضيعها السياسي “التراكتوري” الذي سيغزو صناديق الاقتراع المُتَحَكم فيها، ليتم في الحين المعلوم، ضخ سيولة زائدة، ستخفض نوعا ما مستوى ركود معاملات الأسواق المالية للرفع من القدرة الشرائية..كل ذلك ليظهر المخزن للشعب المغلوب، أن بديله هو الأنجح على الدوام، وستُوازى فترة حكم الأصالة والمعاصرة مع حدث تهييج السلفيين لمزاحمة الاطياف المستغلة للدين لجر العدل والاحسان إلى تأسيس حزب سياسي سيقوم مستقبلا بنفس الدور الذي قام به البيجيدي في 2011.
نعتقد أن العقد السياسي المقبل سيكون شبيها بسنوات الرصاص في السبعينيات، ففيه سيتم بناء وتبني النخبة السياسية التي ستتشارك في الحكم بمعية ولي العهد الحالي، و سيتم تصفية كل أوفياء المخزن، كل على حدة بإبعادهم عن المشهد السياسي، لتكون الفرصة مواتية لضمان استمرارية النظام المخزني، الذي يضحي بأوفيائه مقابل الحفاظ على ديمومته.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.