Your Content Here
اليوم الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 6:03 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 4 فبراير 2014 - 6:30 مساءً

سد محمد بن عبد الكريم الخطابي و كنز النكور

محمد السقفاتي :
نعرف للمقولة “أدّاها الواد” بالدارجة المغربية أوجها متعددة بالريفية ك “يَوِّيتْ أُوغْزار”  أو “يَايْسيتْ أُوغْزار”  أو “يَكَّا داكاس أُوغْزار”… مقولات تجسد تنوع الفعل للفاعل الوحيد فيها والذي نجد توضيحا لهويته في مقولة أخرى ” أرمخزن ديغزار” ، نمط تفكير معين. عقلية معينة تستكين لقدرها. عقلية لا تبحث في المسؤولية، لا تطرح الأسئلة، لا تظهر نية انتقامية ولا تطالب بمحاسبة أحد أو جهة. وما المصلحة في ذاك والامر هنا يدور حول القدر المحتوم، حول الطبيعة، حول النهر الجارف الحرفي، حول النهر المتسلط الطاغي المجازي؟ لم سنفعل وضير البحث وطرح الاسئلة قد يكون أعظم وأوخم، قد يعاقبه النهر  ويرد صاع الطلب الى “يَايْسيتْ أُوغْزار” مرتين؟ إنها عقلية منبثقة من سلسلة تجارب للإنسان الريفي مع محيطه وطبيعته. هكذا نجدنا لا نبحث عن الغارقين فيه، لا نسأل عن المختطفين منا، لا نسأل عن معتقلينا ولا نسأل حتى على مصائرنا.
نفس الأسلوب ونفس العقلية تتجسد على أرض الواقع إن كان الأمر يتعلق بنزع الأراضي من أهلها وتجريد المناطق من تراثها وتاريخها… 
أتساءل الآن لماذا هذه الديباجة ونيتي ليست أكبر من كتابة نص بسيط حول ما كان ليكون مفخرة الريف لو صدقنا رواية الاعلام الرسمي ذات زمان: مفخرة سد محمد عبد الكريم الخطابي كأكبر مشروع أنجز على الأرض في تاريخ المسرح اليوناني الريفي الحديث. مشروع لم أكن  لأذكره لولا أنه شيد على أخصب بقعة أرض توجد في المنطقة كلها وعلى أغناها إن تعلق الأمر بالتحف والذاكرة والتراث والتاريخ.
سهل النكور، مدينة النكور، أنقاضها، تحفنا، أحياؤها، رَمْكَاز،اسْحو، تانْدا حُوّا، تازْرُوتْ انْتَسْريتْ، سِيدي باقي بورَبْراقي. 
يذكرنا المهتمون بتاريخ المنطقة بهمجية يوسف بن تاشفين في تدمير حضارة النكور عن آخرها، يجتهدون ويتساءلون مع المستجدات التي تعرفها المنطقة إن كانت النكور قد دمرها زلزل عات أو قد يكون فيضان ضخم هو الذي جرف مبانيها وسواها مع الأرض وأبادها كلها بمن فيها. من يعرف؟ الجواب لا يوجد دائما في الكتب. الجواب كان هناك بين الأنقاض، مدثر بالتربة والماء الى حين اجتثاثه في عملية بناء السد.
يتذكر العاملون في عمليات الحفر من أبناء المنطقة وقتئذ كيف تواجدت ضمن الأشغال فرق ذات بذلات بيضاء تراقب كل صغيرة وكبيرة يعثر الحفار عليها فيوقفون أشغال الحفر توا ويعزلون المنطقة في إغلاق مختوم ومحكم. ماهي حكاية تلك الكنوز التي عثر عليها؟ بأي لسان تتحدث؟ ماهو مصيرها؟ أيسمح لنا أن نطرح مثل هذه الأسئلة أم وجب علينا الإنصياع للأمر الواقع ونحسب كل كنوزنا وكأنها من تعداد: جرفها الواد؟ “يَوِّيتْ أُوغْزار”، “يَايْسيتْ أُوغْزار”، “يَكَّا داكاس أُوغْزار”…

والامر الواقع أيضا هو أن أول شيء قامت به ساكنة جبال آيت توزين المحاذية للسد بعد أن اقتلعت حقول البرسيم والأغراس عند فوهة سهل النكور مع بداية عمليات الحفر، هو وضع نقطة كفى وراء امتلاكهم وتربيتهم للأبقار وتسويقهم للخضر والفواكه. فتفشى الفقر في وسطهم وأنتج هذا الوضع موجة جديدة من الهجرة الى المدن وإلى دول أوروبا. نفس الشيء تعرض له سكان سهل النكور من آيت ورياغل بعدما تم تهجيرهم مؤقتا كي يتم إصلاح أراضي السقي وإعادة توزيع الأراضي. هذه العملية التي استغرقت بما في ذلك جفاف سهل النكور الذي عانى من عملية ملء بحيرة السد واحتكار هذا لكل ماء الواد، الى سبعة سنوات. سنوات والعائلات بقيت كلها مجردة من مصدر عيشها الوحيد.
السد…له أيضا منافعه الكثيرة، لكنه قد يكون هو نفسه يوما ذلك الخطر، ذاك الواد الجارف الذي قد يأتي على كل حي يسكن المنطقة. لقد علمنا التاريخ القريب أن صيانته لا تتم بشكل كاف لحماية الانسان والبيئة والحيوان. الإهمال وترك السد يمتلأ عن آخره قد يسبب فيضانات في المنطقة بعواقب جد وخيمة خصوصا وأننا نرى أجزاء من سهل النكور  تتحول تدريجيا من مناطق زراعية الى حضرية.  

إعطاء السد إسم محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي يحمله أمر واقع أيضا وجاء بموازة مع سياسة اجتثاث الإرث الخطابي من مسرح الريف وكان المقصود منه هو التقليل من الغليان الشعبي الذي طال المسرح اليوناني الريفي، وإضفاء الشرعية على سياسة باشرها أصحابها دون التشاور مع ساكنة المنطقة ودون جبر (بشكل كاف وعادل) للضرر.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.