Your Content Here
اليوم الأحد 18 أغسطس 2019 - 7:04 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 20 يناير 2014 - 9:48 مساءً

من ذكريات يناير: ثانوية إمزورن وروح الشهيدين فريد وسعيد (الجزء الثاني تتمة)

محمد السقفاتي :

 مهداة الى روح الشهيدين فريد أكروح و سعيد بودفت وإلى ثانوية إمزورن: طاقم، أساتذة وتلاميذ.

إنها مسافة ثلاثة أيام فقط تلك التي تفصل بين 19 يناير و 21 يناير، لكن كي أتمكن من عبورها، كان علي أن آخذ بيد جدي وأخرج من السوق من بوابته الرئيسية وأعبر في حذر شديد الشارع الذي عج بشاحنات العسكر وهي تتجه صوب قرية تاماسينت بسرعة فائقة.

كان علي أن أرى سيارات الشرطة وشاحنات أخرى تتكدس أمام البوابة التي خرجت توا منها والخالية من الحافلات التي تنقل كل يوم سبت العشرات من السياح الأوروبيين وهم كل الوقت يلتقطون صورا للسوق من بوابته الى ذروة استمتاعهم في “الكوري” (موقف الحمير والبغال في السوق.) .

*****

في المنزل منعوني من الخروج طيلة أيام. استعصى علي حتى الجلوس لشدة هيجان الأدرينالين في دمي.

تابعت من على سطح المنزل فقرات يناير 1984:

شعارات وأناشيد، صفارات إنذار، ضجيج، موجات عنف، مواجهات ومشادات وصراخ.

في المساء، يتغير كل شيء وأذناي تحاولان أن تلتقطا أصواتا لطلقات رصاص حي عن بعد من منزلنا وعن قرب منه .

في أحد المساءات بعدها أسمع الملك يسب فينا ويشتم: أوباش، مهربين، ريفيين … من العرائش والقصر الكبير الى بركان ووجدة …

بعدها ستنظف الشوارع من الجثث ويدفن القتلى سرا.

صديقة حكت لي أن شابا قتل أمام باب دارها. الجثة اختفت سريعا وبقي لون الدم وآثار مخه المشتت عالقة على حائط المقهى أياما كعلامة، كدرس من الدروس الكثيرة التي تلقتها المنطقة في تاريخها المعاصر.

حين عاد الهدوء الى المدينة وانتشر الذعر بين أزقتها، اكتفينا نحن الأطفال بسرد القصص لبعضنا البعض بينما نحن نبحث في المروج والهضاب حولنا، قرب الثانوية وفي أجزاء من النكور عن الآثار ومحافظ الرصاص المتبقية.

قصص سوقنا، قصص التلاميذ، قصص تماسينت، قصص المدفعية بالناظور، قصص البحارة والبحرية في الحسيمة. قصص المتظاهرين القادمين من حي سيدي عابد، والقادمين من جهة المرسى ومن حي ‘ديور دلملك’، كيف يجتمعون في نقطة قبل أن ينتشروا على جبل سيدي عابد تحت وقع آلية القمع. نتبادل القصص وكأنها بطولات ونعد العقوبات الحبسية التي وزعت على المشاركين وغير المشاركين في الأحداث وكأننا نعد الخشيبات في درس من دروسنا الحسابية.

لقد تغير كل شيء: شأن المقدم والشيخ ارتفع في بورصة المدينة. اتهام منهما قد يحد من حياتك كلها. نعم ، لقد تغير الكثير…

تغير الى حد أن الأستاذ العلمي لم يعد يستعمل مسطرته، ونحن لم نعد نسمتع اليه أو نرضخ لأوامره. حين عدنا الى المدرسة اكتشفنا أننا قد كبرنا وفي وقت قصيرتغيرنا. مراسيم رفع العلم وغناء النشيد عند بداية كل أسبوع مدرسي بدأنا نتجنبها علنا، حتى الأصوات التي تنبعث من حناجرنا بدأت من تلقائيتها تتغير.

نتهرب من المراسيم والأعياد وبدأنا نتعلم… كيف سنتمرد..إنها مسافة ثلاثة أيام أو يومين كي أكبر أكثر وانتقل أولا الى ثانوية امزورن، ومن قسم الى قسم الى يناير، لأصل الواحد والعشرين منه في سنة 1987،

يومه الأربعاء الأسود.

*****

الأربعاء… لقد كبرت الآن… القصص البطولية هجرها سحرها، الخشيبات لم تعد تنفع لمعالجة الصدمات النفسية وبالأحرى لمعالجة فاجعة الأربعاء. الكلمات تحرن. تغير ملامحها. تتسرب تارة كماء لتنزلق بين أناملي وتارة أخرى تتحول الى شبه فراشات غلب على سلوكها الدهاء، فتتطاير من راحة يدي. التعابير تستعصي وكأنها متمرسة جدا في لعبة الغميضة التي لا أجيدها.

أجد نفسي الآن وأنا على مقربة من نهاية نصي هذا، محتارا في كيفية بدء قصة هذا الأربعاء… من نقطة الملف المطلبي؟ من مرحاض الثانوية الذي سدت فتوحاته ولم يعد يؤدي مهمته؟ من الطباشير الذي لا يوجد؟ من التكدس في الأقسام؟ من الاوضاع المزرية في الداخلية؟

 

سأعود الى يناير 1984، (نعم أنا حائر) فكرت الآن في قصة صديقتي وعمها الذي كان يتواجد في منزل مجاور. فكرت كيف خافت زوجته التي كانت متواجدة في منزل صديقتي عن زوجها عندما بدأ في الليل صوت الرصاص يدوي وكيف اختارت العائلة الصديقة لكونها صغيرة، ولا ضرر إن خرجت’، أن ترسل إلى عمها لتخبره بعدم الخروج من الباب وأن الحي كله محاصر.

تشهد صديقتي: “ما هي الا ثواني من خروجي من الباب، حتى أسمع وقع خطوات في الظلام، وصوتا يصرخ ورائي :

اوقف دين موك، ويليه صوت رصاصة تدوي في نفس الثانية جهتي.

للحظة اعتقدت ان قلبي قد خرج من مكانه وتحول الى أشلاء. سقطت واغمي علي، لا اتذكر شيئا سوى صدى صوت أمي في اذني وهي تصرخ من النافذة “ايدجي إينو نغينت”.

لم اعرف كم مضى من الوقت لأجد نفسي منزوية في ركن مظلم مختبئة لأعود الى البيت كشبه جثة هامدة، لأجد أمي وكل من في المنزل في حالة هستيرية ونواح لاعتقادهم أني قد قتلت.”

 

*****

صديقتي لم تعالج صدمتها وبقيت طوال حياتها حزينة ولا تجد راحة إلا في ركن مظلم تنزوي فيه.

صديقتي لم تتلقى رحمة الرصاصة التي وجهت إليها. نفس الشيء حدث في أربعاء يناير 1987 لم يستعمل ” رجال الأمن” الرصاص ليجد الشهداء الرحمة فيه بل استعملوا عصيا خشبية لا تصلح الا لتثبيتها على رأس معول أو فأس، فانهالوا بها على فريد في الساحة في الجناح الداخلي أو قربه. انهالت عصي “الحافظين على أمن وسلامة المواطنين”… فأردتهما شهداء..

الاول في عين المكان والثاني…؟ أتذكر وأنا أتسلق حائط المدرسة جهة الداخلي، وتبدأ المواجهات وملاحقة التلاميذ. أتذكر كيف تمكنت من الهروب لألتفت فيما بعد الى الوراء لأرى سعيد وهو محمول من طرف أكثر من أربعة تلاميذ والقوات المساعدة خلفهم.

أتذكر كيف رجعت مع آخرين لنوقف بالحجارة زحف عصيهم. أتذكر كيف فتح مواطن كراج منزله ليساعد تلميذا وهو في نزيف وكتبت له الشهادة. وماذا وقع بعد؟ لا أعرف.

أقرأ أن الشهيد عاد إلى منزله على رجليه ولأنه كان أصلا يعاني من إعاقة وقد تلقى ضربات لم يستطع جسمه الضعيف تحملها، فقد استشهد في المنزل الذي كان يكتريه. إنها معلومات قد تكمل بعضها البعض لكن تبقى بعض ثقب فراغ وعلامات استفهام تتخللها. إنها ذكريات لفاجعة، لها قانونها الخاص الذي تتشكل بها

 

ذلك اليوم لم يكن جدي هناك ليعبر بي الشارع. كنت وحيدا مع مئات الآخرين في مثل سني. تراشقنا في حي القدس وحي الزيتون، اعتلينا مرتفع ” بوسْراما” لنقطع الوادي وطريق تاماسينت في دائرة كبيرة حول مرتفع مقبرة “آيت موس أوعمر” الى ” صارو أوخزان” ومن ثم نأخذ الطريق فرادى، أنا عودة الى منزلي الذي يتواجد عن بعد 700 متر من الثانوية فقط.

جدي لم يكن هناك، أمي لم تغلق علي الباب هذه المرة. لقد فتحته على مصراعيه وهي تقول لي: رأيت مقدم الحي يشير الى منزلنا وهو بصحبة بعض رجال الشرطة، أنت لست آمنا هنا. اهرب…اذهب الى جدك وحذاري أن تقترب من الطرق، تجنبها..نزحت الى الجبل كما نزح الكثيرون من قبلي عبر تاريخنا كله..

 

27 سنة مرت ولا تزال روح فريد وروح سعيد تظللان ساحة الثانوية التي اسقيت تربتها بدمائهم. لا يزال فريد وسعيد عنوانا لأنشودة جيل بعد جيل من كل التلاميذ . لقد قسموا الثانوية الى اثنين واعلوا أسوارها. ابعدوا الداخلي عن الثانوية وملأوه بأفواج تلاميذ جدد جاؤوه من بعيد. غيروا حتى اسم الثانوية، اعتقلوا وداهموا منازل التلاميذ. بعضهم نقل تعسفيا، لكن كل هذا لم يستطع أن يطفأ شمعة أنشودة فريد وسعيد. الآن وأنا كبرت وأحلم بوطن أجمل ، لكني أرى ذكرى تنضاف الى ذكرى وتصطف ، أتساءل: كم سيأخذ الوطن منا من دماء، ليصير لنا وطنا؟ كم سيكفيه لنصبح على وطن؟

 

* يا إبنتي، قتلوها.

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1

    تحية للكاتب على امانته في سرد الوقائع …… فقط ….. بعد واقعة الاستشهاد …. سقط المخزن في جو المذلة والضياع …. لم يكن هناك جو الهروب الى الجبال أو حتى الى الهول ….. كنا امام جو الانتصار والتعاطف الشعبي التاريخي …. كنا أسياد قبيلة ايث ورياغل ….. نظمنا جنازة الثانية لـسعيد …. بعد نهاية الجنازة الاولى التي بشر فيها الفقيه فريد بالجنة ” مات مجاهدا مدافعا عن حقــــه ” دعاء لن انساه مهما حـيـيـت ,