Your Content Here
اليوم السبت 23 مارس 2019 - 9:03 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 17 يناير 2014 - 7:59 مساءً

من ذكريات يناير: انتفاضة 1984 ومسطرة “العَلَمي” (الجزء الأول)

محمد السقفاتي :

بالنسبة لي فالطفولة لعبة ترنح على أرجوحة بجناحيها الإثنين. جناح الحلم حيث تنمو لنا فيه أجنحة، وجناح الكابوس حيث تقص وتشوه وتكسر فيه هذه الأجنحة.
الطفولة عالم التحرك من جهة الى أخرى. إنها بكلمة واحدة، التأرجح.. كم كنت فرحا في سنة 1983/1984 وأنا قد نجحت في دراستي وها أنا أنتقل الى القسم الثالث من التعليم الإبتدائي. هذا الفرح الذي صاحبني طول طريقي الى المدرسة سرعان ما يندثر كضبابة ويتلاشى كليا أمام عيني حين رأيت هول مدرسة أبي طالب يقف بيني وبين السبورة السوداء في بذلته البيضاء.
أستاذ “العَلَمي” كان قاسيا جدا على الأطفال. إنه لا يرحم أحدا. كان سيكون معلما جيدا هذا الرجل الذي أتى من بعيد كي يعلمنا. كان سيكون حسنا وإن كان ينعتنا كلنا بالحيوانات لو لم يعد في سنواته الأولى إدخال ما يسمى بالتحميلة الى حجرات المدرسة، ويطورها فيما بعد الى المسطرة.. مسطرته الشهيرة

. تلك المسطرة، كانت السبب في أن أكون من أسعد الأطفال يومه السبت، اليوم الثاني بعد اندلاع انتفاضة يناير 1984.

* * * *

في أول حصة لنا معه يأمرنا بإفراغ مقاعدنا من كل الدفاتر والكتب والمقلمات. بعدها يأمرنا بوضع مسطراتنا على المقعد.
كان هناك نوعين من المساطر. نوع عادي منبطح ورقيق بطول عشرين سنتميترا، ونوع دخل جديدا سوق المكتبات وهي مربعة الشكل، حادة الزوايا، في طول ثلاثين سنتميترا. سريعا يظهر جليا أن لا أحد منا يملك مسطرة من النوع الثاني. فيأمر الأستاذ تلميذا أن يجمع كل المسطرات ويأتي بها اليه. فيكسرها أمام أعيننا مثنى وثلاثى وخماسى وهو يصرخ أو يقول:
– هذه المسطرات لا تنفع في حصتي. عليكم باقتناء مسطرة كهاته، يقولها ويفتح حقيبته. يخرج مسطرته ويلوح بها أمام أعيننا ويتابع.
– ومن لم يأتي بمسطرة كهاته فلن أتركه يدخل حصتي.
يقولها ويتجه نحو السبورة ويكتب: القاعدة الذهبية عند معلمكم “العلمي” هي: ممنوع دخول القسم بدون مسطرة “العلمي” المربعة…والآن أخرجوا من قسمي وابتعدوا عن وجهي.
بينما نحن نهم بالخروج من القسم في جو مليء بالإرتباك والخوف عشرة دقائق بعد دخولنا نسمعه يتابع، لكن هذه المرة دون أن يكتبها بالطباشير على السبورة: والقاعدة الذهبية الثانية هي: لا حصة بدون مسطرة…

* * *

كان للإستاذ العلمي سلاحين. التحميلة التي يطبقها فورا ما أن يقع طفل في خطأ جسيم، وسلاح المسطرة حين نرتكب من تلك الأخطاء الأكثر جسامة والتي لا يقبلها عقل استاذ العلمي بتاتا.
كانت المسطرة تحضى باحترام كبير ولها طقوسها الخاصة. كانت تطبق دائما فقط عند نهاية الحصة. فما إن يقع الخطأ ويتم اختيار الضحية حتى يأمر الاستاذ التلميذ أن ينزوي في ركن قرب السبورة ويقف على رجليه الإثنتين إذا كان التلميذ محضوضا، وعلى رجل واحدة إن هاجر الحظ حجرة الدرس.

كانت أيضا تطبق بالتحديد عشرة دقائق قبل نهاية الحصة، فيذهب الأستاذ الى مقعده ويجلس على كرسيه. يأخذ محفظته، يضعها فوق المكتب ويخرج منها مسطرته، ثم ينادي الطفل الواقف على رجل أو رجلين. يستعرض الاستاذ مسطرته أمامنا ويخاطبنا وهو يوعدنا بنفس المصير…
– اطلق يدك، يأمر الأستاذ، فيمد يده الكبيرة. يتفحص يد التلميذ الصغيرة قبل أن يأخذ سبابته والاصبع الوسطى في قبضته المحكمة. فيلج المسطرة بتلذذ جلي في الفتحة بين الأصبعين ويشد عليهما بقوة ويبدأ الألم الذي تسببه الزوايا الأربعة والحادة للمسطرة وهو يدورها…

كان العلمي ينهى طقوسه السادية دائما بجملته: ابكوا أو اضحكوا… سيأتيكم دوركم كلكم، قبل نهاية السنة…

دوري أنا أتى يومه السبت. اليوم الثاني من انتفاضة فبراير. نهضت من النوم وجمعت كل لوازمي في محفظتي. أخذت دفتر التمارين المنزلية التي أعطاها لنا الأستاذ العلمي في يدي كي أطالعها مرة أخيرة قبل دخول المدرسة،
لكن ما إن انعطفت من الشارع الذي أسكنه حتى رأيت مجموعة من الأطفال من الحي المجاور والذي يربط أطفال حينا معهم تاريخا من حروب منظمة و غير منظمة.
في أغلب الأحيان يتم الإتفاق حول الزمان والمكان وبعض القواعد الأخرى من حرب المراشقة بالحجارة، لكن هذه المرة لم تكن لديهم أي نية إلا الثأر مني دون أي روح رياضية بسبب خسارات سببتها لهم أنا في المعركة الأخيرة وهي عبارة عن جروحات متفاوتة على مستوى الرأس.
ما إن رأوني حتى ركضوا خلفي ولاحقوني.
سنواتي الاولى في البادية منحتني امتيازا كبيرا في العدو كما تمنحني دائما ذلك الامتياز في معاركنا بالحجارة. وصلت المدرسة سالما، لكن حين نظرت الى دفتر تمارين الأستاذ العلمي، لم أجده. لقد سقط أثناء الملاحقة دون أن أعي. لم أكن سالما مائة في المائة كما ظننت. المسطرة تنتظرني.
حين أخذت مكاني على الكرسي والتلاميذ قد أخرجوا دفاترهم، وأنا بقيت هناك جاثما بدون دفتر،
سألني المعلم: – أين دفتر التمارين؟
نبست في ارتباك وخوف واضحبن بكلمة أو كلمتين مبهمتين قبل أن يقاطعتي:
– أعذار…أعذار….أعذار…كلها ذب. كذب على كذب على كذب.. لا أريد أن أسمع أكثر…اصمت… قف …الزاوية هناك… وعلى رجل واحدة.
وتابع إلقاء درسه وكأنني لا أوجد.
جسمي النحيف كان يرتعد خوفا مما سيأتي وينتظرني. حاولت أن أسند ثقل جسدي على الحائط كي لا اسقط من شدة التعب…استغليت كل فرص الشرود عند المعلم وكل الحظات التي يكون فيها مشغولا كي أغير من وقوفي وأبدل رجلي. بين الخوف من مسطرة العلمي وانتظار آخر الحصة، أسمع ضجيجا غير معتاد في بلدتي. ضجيج حناجر كثيرة وقوبة لكن بشكل متزن وجماعي كأنها انشودة، كأن الكل يشارك فيها.

إنه ضجيج لا يشبه بتاتا ضجيج سوق السبت الاسبوعي ولو في بعض من أجزائه. يقترب لحظة ويبتعد. أحاول أن أركز انتباهي عليه وأتموج بين موجاته. الصوت يقترب منا ويقترب ثم يبتعد. حالة الإرتباك ظاهرة على الأستاذ العلمي. يقف في فتحة الباب ويسترق السمع الى الأنشودة ثم يدخل القسم ويردد بصوت عال:
– وحوش هاد أروافا، حيوانات..
ينظر المعلم إلينا ويتابع، أنتم … المسطرة لا تنفع فيكم… أنتم تستحقون الرصاص.

صوت الجموع الغفيرة يقترب أكثر فأكثر من أسماعنا. يظهر الأمر الآن وكأن الغاضبين والصارخين متواجدين في شارع مدرستنا، لا يفرق بيننا وبينهم إلا سور المدرسة بقطع الزجاج المتكسرة والحادة التي ثبتت في الاسمنت أعلاه، كي يستحيل تسلقه سواء من داخل المدرسة أو من خارجها.
الجموع توقفت وبدأ شخص يخاطب ويطلب من المدرسة توقيف التدريس. نسمعه يقول:
– لا عمل لا دراسة
يجتمع المعلمون في الساحة ويصيح العلمي في وجه المدير:
– اغلق الباب الخارجي، لا تترك أحدا يدخل المدرسة.
أستاذ العلمي كان رجلا لا يعرف الخوف ويخاف منه الآخرين. حتى المدير كان يخاف منه. لكنه الآن يصرخ فقط، وصوته بدأ يتغير في ذبذباته المهتزة. حتى لون بشرة وجهه قد تغير واصفر. لم يعد يعيرنا أي انتباه. يصرخ في وجه المعلمين والمعلمات وكأنه جنرال يهيئ جيشه للصمود والدفاع عن القلعة من داخلها.
بينما المدير يحاول أن يحاور الجمع عبر الأسوار العريضة للمدرسة، يلقي مجهول بحجرة كبيرة في وسط الساحة، تصيب معلمة فتسقط على الارض مغمى عليها.
نستغل الوضع ونخرج الى الساحة ومن هناك يأمر المدير أن تفتح لنا الابواب لنخرج.

استقبلنا الجمع بالتصفيق ونحن نعبر بوابة المدرسة ونتسلل عبر جموعهم. فكرت في أن أهرب الى المنزل، لكني سرعان ما أرى وجوها أعرفها، شباب بلدتي. حتى أناشيدهم استهوتني فوجدت نفسي أردد ما يرددونه في مسيرة جابت بنا الأزقة من مدرسة أبي طالب الى مدرسة الجديدة ومنها عبر مستوصف البلدة الى السوق الاسبوعي حيث تدخل الجموع الكثيرة السوق من بوابتة الجانبية على اليمين.

كنت أظن أن يذوب هؤلاء المئات من الشباب وسط الآلاف من الرجال من زوار السوق، لكن العكس تماما حدث. السوق كله بدأ يرتبك ويعم الصمت بعد ذلك كل أرجائه بينما أناشيد الشباب تعلو في رحابه.
بعض الناس هرعوا الى خارج أسوار السوق خوفا، وبعضهم بقي على الجنبات يتفرج في ما يحدث، وانخرطت البقية في المسيرة حيث أتواجد أنا في صفوفها الأمامية وأصرخ ملء رئتي وأنا أحس بارتياح كبير بين هؤلاء الشباب الذين أنجوني من مصيري المرتقب: مسطرة العلمي.

إنه نوع من النشوة ما راودني من أحاسيس، لكنها لم تدم طويلا وأنا أحس بيد تضرب على كتفي وأسمع صوتا مألوفا يخاطبني بالريفية :
– Minda taggad? assou9 yaraz chak watoggidad akhak 3ajnan iwdan, akafsan *
إنه جدي.

(ترقبوا حلقة قادمة)

*: ماذا تفعل هنا، ألا تخاف أن تداس في فوضى هذا السوق

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.

  1. 1
    bouchra says:

    سي العلمي هل كان قاسيا لهذه الدرجة يا لطيف كم كنت أخاف من المعلم عندما يتعصب انا مازلت اتذكر سي العلمي لكن لم ادرس معه لحسن حظي ههههه
    لكن ايام مدرسة ابي طالب طفولة رائعة