Your Content Here
اليوم الخميس 14 نوفمبر 2019 - 3:46 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 7 يناير 2014 - 10:35 مساءً

محمد السقيفاتي من هولندا: فاطمة أزهريو: لسان الحال

 

وما الكتابة إلا تركيبا للحروف في نسق منتظم وبطريقة معبرة. هكذا تكون حين نعبر عن تفاصيل من حياتنا، عن أنفسنا وتجاربنا، عن مشاعرنا وهمومنا وما يشغل بالنا. لكن هناك في الحياة من الأشياء والأحداث ما لا يطاوع هذه القاعدة، فيتجمد الحبر توا ويتصلب. تذوب الروح المعبرة وتنصهر في جوف الكلمات، فتسيل وتنزلق كسائل أملس بين أناملنا الناعمة. يحرن عن الامساك بها وتستحيل عن التركيب، فنبقى بألستنا كفوهات بندقية فارغة، كفم بدون أسنان، كصراخ دون صوت، كوجع بلا أنين.
في هذه الحالة يسمو القانون على القاعدة، فتستعصي الكتابة وتحرن…
لكن الكاتب الحقيقي هو الذي يتحدى مثل هذه القوانين وهو يحاول أن يشكل بها قواعدا ينطلق منها الى مبتغاه وما يتوخاه.
فاطمة أزهريو… إنها مثال لما يسمو عن القاعدة. إنها قانون.  القانون الذي يكبل الحروف ويلويها فتمتنع عن التطويع…
إنها الضحية التي انفلتت من قانون التعداد والنسيان ونجت من الوقوع في شباك الفيافي في منفى الارقام التي إن ركبناها، فأكيدا سنحصل على ما نسميه الوطن.
قدر فاطمة أزهريو الطيب أنها حملت رسالة عظيمة في ابتسامة فريدة  لم نعهدها في حياتنا من مريض أو من شخص ينتظر قضاءه المحتوم..
ونحن قدرنا السيء هو أن هناك مصورا مغمورا التقط منها صورة بارعة جابت أرجاء العالم ولم تتوقف وهي تمطر برك مائنا العكرة بأحجارها، مشكلة فيها دوائر من صرخة ولادة إنسانية وصراخ أنتجته عضات الضمير، حلقات من حركة في مد يسيل.. إنها صورة القطط وهي تجوب كملوك عروشها، تحت أسرة المرضى .
القطط.. إنها في ثقافتنا ليست مثلا لا للقانون ولا للقاعدة، فيذوب الحبر ويسيل. ويسهل علينا أمر الكتابة..
قطط شاردة وضالة في رحلة اصطياد فئران المستشفى وفتات الطعام وما تبقى من كرامة المرضى.
قطط تبرهن أن المغرب يشكل حقا استثناءا عن القاعدة، عن قاعدة تعقيم حجرات المستشفيات من الجراثيم والميكروب الذي قد يودي بحياة المريض الغالية.
قطط تظهر العصيان على …  أو تظهر زيف الزيارات الملكية المتكررة للمستشفى.. كم من زيارة! كم من إنجاز، كم من صورة لا تشوبها شائبة وانظر الآن الى الحالة. كيف صارت، أنظر الى القطط..
إنها قطط ضالة في الوقت المناسب، في مكان لا يناسبها بالقطع.
*    *     *    *
لا يريد قلمي أن يذهب بعيدا ليكتب عن مأساة القطط في حيواتهن السبعة في وطني. لن يذهب بعيدا والسكان محرمون من حقهم في التطبيب، من حقهم في قربه منهم ومن حقهم في اختصاصاته الملائمة، لطبيعة فجر أعداؤها غازاتهم السامة وسياساتهم المجحفة فيها وعليها.
فاطمة أزهريو…. لم تمت وهي ترسم على خارطة وطن الارقام وشما. لم تمت وهي تحيي فينا أملا لا يموت….
فاطمة أزهريو رمز، وردة، لسان الضحايا. ورغم أن جسدها قد ووري تحت الثرى، فروحها لا تزال معرضة لرصاصة منا، شاردة كما تلك القطط، أو لرصاصة مسددة عن سبق الاصرار والسياسة والنية.
فلنحمي جميعا روحها ونضمد جروح تشتتنا، فهناك من يريد أن يقتنصها. فلنحميها ولو بالإحتجاج، ذالك النوع من الاحتجاج الذي لا ينسينا الحاجة. والحاجة عندنا حاجات، أقلها حقنا في التطبيب و في مستشفى أو جناح منه يخص روح فاطمة وكل الذين صارت لسانا لهم.
نعم …فاطمة أزهريو…سيريدونها ميتة في محاولة الترقيم، في أفق الزج بها في وطن النسيان الذي ننتمي اليه…..لكن الى متى؟ وروح فاطمة أزهريو قد اعلنت العصيان…
والكتابة؟ إنها ليست سوى تركيبا للحروف في نسق منتظم وبطريقة تعبر عن ما لا يجب أن ننساه: الحاجة.
محمد السقفاتي
أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.