Your Content Here
اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2020 - 7:04 صباحًا
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الجمعة 27 ديسمبر 2013 - 10:36 مساءً

الماعز الغابوي

 

 محمد السقفاتي

 

في بادس كان الزمان صيفا والجو صحوا ومشمسا. جو البحر كما يسمى هنا. بادس، هذا الشريط الساحلي والجبلي الحسيمي، لم يكن ليخطر ببالي لو لم نكن نطل على مشارف عيد الفطر. ذلك العيد الصغير كما أعرفه ويسميه سكان هذه المنطقة. عيد السكر كما يسميه أولادنا هنا في هولاندا. بادس، من أين سأبدأ وكل البدايات كُتب لها هنا أن تبتدأ ثم لا تنتهي. إنه الوجه الآخر لما نعرفه بجوهرة الحسيمة.

 

 

بادس اسم ناطق. يذكرنا … يذكرنا بماذا؟

 

من أين سأبتدأ؟ بالإحتلال الإسباني؟ بأمجاد دولة النكور؟ بشعب بقيوة؟ بتاريخ ذهبي حين كان ينحدر من هنا أسياد ورؤساء البحر الذين أجبروا القوى البحرية العظمى كالانجليز والهولنديين والبرتغاليين أن يعترفوا بتفوقهم وسموهم، نفس الرؤساء الذين وجدوا أنفسهم بعد الاستقلال مجردين من بواخرهم وقوت عيشهم؟ أسأبدأ بالجزيرة المحتلة بادس، ذلك الميناء الصخري القديم، ذلك المتنفس الوحيد لساكنة بادس عند مرض عصي أو حمل صعب، الى حين انشب خلافا حول جزيرة ليلى فقرر المغرب خلق حدود ومخفر مراقبة ليمنع خرجات السكان في طلباتهم لمساعدة انسانية استنجادية للمحتل؟ أم سأبدأ بالثغور الكثيرة المتواجدة على سفح قدم مرتفعاتها حيث الكثير منها يشكل حظيرة ومأوى للماعز في الليل ولا انسى ذلك الثغر الذي لفت انتباهي بملابس نسوية وهي منشورة على حبل غسيل أمام بوابته؟

 

 

فكرت في أشياء كثيرة قبل ان تنعطف السيارة التي تقلني من الطريق الساحلي يمينا لتشق هياكل الياجور والاسمنت لما يسمى “أرحد نرواضي”.

 

فكرت في الحملات التأديبية الكثيرة التي تعرضت لها هذه القبيلة، وكيف رجالاتها ذبحوا وهو ساجدون يؤدون صلاتهم في مساجد هذه المنطقة. فكرت في سكانها وقد وزعوا الى ثلاث مجموعات: الذين هُجروا غربا الى مدن كتطوان وطنجة وأصيلا والعرائش، وشرقا الى ما خلف الحدود مع الجزائر، والباقون، الذين فروا الى الجبال وتمسكوا بها كأطفال يمسكون بتلابيب أمهاتهم في جحيم معركة أدوارها فاجعة كارثية، وهم يعاركون جحيم أكبر عقاب تعرفه المنطقة: مائة عام من المنفي.

 

 

حين كانت السيارة تتقدم على الطريق الغير المعبد في منعرجات وانحدارات الى شاطئ بادس، وهي تنعطف يمينا ويسارا لتتجنب الاصطدام بالصخور التي وضعت على طول الطريق في وسطها وكأنها شاهدة على مائة عام من التهميش والعزلة، وضعت وكأنها صرخة من السكان وهم يقولون: ها نحن هنا، أرونا وجوهكم أيها المارون من هنا ولا تمروا سهوا كالبقية الآخرين. أنظروا فينا تعرفون حالتكم..

 

فكرت في العيد الصغير الذي سيحل قريبا، في الماعز البلدي الذي كان السبب في زيارتي. وأنا أجتاز الشريط الغابوي تمعنت النظر في الفراغ المظلل والمتوحش بين سيقان الشجر من عرعار وصنوبر، بحثا عن شيء يتحرك. لا شيء هناك. عفوا أستدرك، هناك حيث الطريق الى البحر يشق الغابة الى نصفين، يوجد جسد اسمنتي يمثل صهريجا وفي وسطه حفر جب. جب في صهريج، هكذا يحفظ الماء من التبخر. كل الماشية التي ترعى أو تتظلل الآن في الغابة ستقدم الى هنا كي تطفأ حرقة ظمئها. هنا سأشتري ماعزا أو ماعزين وسأرى راعي الماعز شيخا وليس طفلا يمرح مع غنمه وفي يده ناي ويلاحق رفرفات الفراشات. إنه شيخ وقد أعياه تعب الحياة…

 

بادس، شهور بعد العيد وأنا لا زلت أحمل في ذكرياتي مرارة الواقع الذي تجلى أمام عيناي في بادس. أما عائلتي فتتذكر فقط حلاوة الذوق في اللحم البري.

 

 

 

 

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.