Your Content Here
اليوم السبت 24 أغسطس 2019 - 11:45 صباحًا
أخر تحديث : الإثنين 21 أكتوبر 2013 - 1:04 مساءً

جريدة المساء تنشر في صفحاتها الأولى موسم سيدي بوخيار…”حج الفقراء” بجبال الريف

سيدي بوخيار- محمد أحداد

تصوير: رضوان السكاكي

في أقصى جبال الريف، وعلى ارتفاع يربو من 2000متر عن سطح الأرض بنواحي جماعة شقران النائية، يحج الفقراء إلى جبل سيدي بوخيار من كل فج عميق للتبرك والتطهر، ويقيمون طقوسا، بعضها يبدو مفهوما وبعضها يبدو غريبا. قيم العقلانية والحداثة تسقط هنا، حيث الكل يصرخون ويتمتمون، وتتحد أعينهم بالسماء في لحظة تجل غير مألوفة. “المساء” انتقلت إلى جبل”سيذي بوخيا” كما ينطقه الأهالي بجماعة شقران، ونقلت للقراء طقوس”حج الفقراء”. حج بدون قرعة إذا كنت راغبا في الحج إلى سيدي بوخيار، فأنت لست بحاجة إلى الانشغال بلعبة الاحتمالات وانتظار نتائج القرعة التي قد لا تأتي، أو حتى الدخول في صراع مرير ولا ينتهي مع وكالات الأسفار لتنقلك إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج. كل ما تحتاجه وأنت تتطلع إلى التطهر من ذنوبك السابقة واللاحقة هو البحث قبل يوم من العيد عن سيارة تصعد بك إلى”الجبل الطاهر” في مسالك وعرة في أقصى جبال الريف. وفي حال حالفك الحظ، ووجدت”نقلا مدرسيا” مع بعض الأصدقاء، فأنت يقينا أصبحت من ذوي الكرامات حتى قبل أن تشرع في أداء مناسك الحج إلى سيدي بوخيار.

 

تخترق سيارة النقل المدرسي مسالك وعرة جدا، وفي كل مرة أحزر أن السيارة ستتوقف عن السير. سائق السيارة، الذي ضحى بوقته قبل يوم العيد من أجل إيصال “وفد الحج” إلى سيدي بوخيار، يعرف جيدا أن المهمة ليست سهلة كما تصورها أول مرة. إمزورن بني بوعياش ثم اختراق مصاعد جبلية وبعدها السير مسافة قصيرة في طريق غير معبدة تقودنا إلى مرقد الولي الصالح “سيدي بوخيار” والولية الصالحة “راجا منانة” أو”لا لا منانة”. موسم الحج، ينعقد بجانب السوق السنوي لسيدي بوخيار، وهي السوق التي تستقطب المئات من الزوار من كل مناطق الريف والمغرب. حسن آتى من مدينة فاس، “يحج” إلى موسم سيدي بوخيار بشكل موسمي، ودأب على الحضور إلى الضريح منذ أكثرمن 20 سنة. يقول لـ”المساء” إن وهج الموسم يتناقص كل سنة”فقبل عقدين كانت الجموع الغفيرة تملأ الجبال ويخيل لك أنك بالفعل بمكة المكرمة، بل إن حركية السوق الأسبوعي كانت كبيرة جدا، وكان الإسبان والفرنسيون يقطعون آلاف الكلمترات لزيارة المكان”. يؤمن “الحجاج” أن للضريح كرامات كثيرة منها ما يحكيه “مقدم” الجماعة نفسه: “لم يقدر الله أن يرزق أبواي بولد أو ابنة، فما كان من أبي إلا أن زار ضريح سيدي بوخيار، وبعدها شاءت الأقدار أن تلدني أمي وسموني ببوخيار تيمنا بالولي الصالح بسيدي بوخيار”. يسرد أحمد قصته مع ضريح سيدي بوخيار بغير قليل من التأثر، وكلما استغرق في الحديث يربط على كتفي ويقول لي”مازلت صغيرا، في الماضي كان الأمر مختلفا جدا، كان من الصعب أن تجد لك موطئ قدم هنا، كانت الجبال عامرة بالفقراء والباحثين عن الآمان الروحي بعيدا عن أي اعتبارات دينية ضيقة مادامت النية الصالحة أبلغ من كل شيء، كنا نمتزج هنا بالفرنسيين والإنجليز والإسبان، كانوا مبهورين جدا بطريقتنا في عبادة الله: حب صاف خال من كل خلفيات”. أحمد الذي كان معلما في إحدى دواوير الريف، عايش انحسار الموسم في العقد الأخير ويصفه”بالتراجع المخيف واندثار إرث ثقافي عتيد للريفيين، وهو جزء من هويتنا على كل حال”. حكاية المقدموأحم تتردد على ألسن العشرات من الزائرين. البعض يعتقد أن سيدي بوخيار يمتلك قوى خارقة “لمواجهة قوى الشر” كما يقول “الحاج اليمني”، والبعض يؤمن أن “ثمرابط” لالامنانة تجلب الحظ وتطرد النحس وسوء الطالع، أما الآخرون الذين فقدوا الأمل في الحياة أو الإنجاب فينظرون إليه كولي مخلص.

 

ثلاث حجات إلى سيدي بوخيار تضاهي الحج إلى مكة يقول السكان إنهم ورثوا عن أبائهم وأجدادهم مقولة مؤداها أن”ثلاث حجات إلى موسم سيدي بوخيار، تعادل حجة واحدة إلى مكة المكرمة”. بالنسبة لبعض حراس الدين، فإن هذه المقولة تنتمي إلى باب البدع التي حاربها الدين الإسلامي لكن الزائرين يرفضون مثل هذه الأحكام القطعية لأن النية تسبق أي شيء. يعترف بعض السكان بجماعة شقران أن أحكام الفقهاء ساهمت بشكل كبير في تراجع إشعاع ضريح سيدي بوخيار، لكنهم يؤكدون في تصريحات لـ”المساء” أنه رغم كل شيء احتفظ الموسم بتوهجه ومازال إلى حدود اليوم يستقطب الكثير من الزوار. تبدأ مراسم الحج بالجبل بزيارة ضريح سيدي بوخيار. ولن تنال حظك من الرضى والتطهر من دون أن تضع قليلا من الشمع على أركانه المستطيلة وتصيخ السمع للأذكار التي تتلى بشكل جماعي. في الضريح الصغير والمظلم، يحتشد العشرات من الزائرين منتظرين دورهم في التبرك. ياسين يتأبط يد أخيه رشيد، ويطوف به في أرجاء الضريح أكثر من ثلاثة مرات، وفي كل مرة يساعده على تقبيل الأخشاب المثبتة للضريح بعناية شديدة. لا يتوانى ياسين في التأكيد على أن أخاه مصاب بالصرع ولا يستطيع التكلم، وفقد نعمة النوم، واستنزف كل وسائل العلاج دون أن يبرأ من أدوائه”والآن نطلب بركة سيدي بوخيار ليشفيه الله في أقرب وقت”. يغرق ياسين في بحر من التفكير ويستدرك”قيل لنا في تمسامان إنه بركات سيدي بوخيار متواترة وسار ذكرها في البلاد، ولذلك نرجو من الله أن يشفي أخي”. في المرحلة الثانية، يجتمع الحجاج في هضبة منبطحة تطل على جبال الريف العالية. يصفو الجو، وتصبح العيون شاخصة إلى السماء، والكل الآن أصبح يترقب الركن الثاني من أركان الحج إلى سيدي بوخيار. رجال بجلابيب تشبه تلك التي يرتديها الدروايش والمتصوفة المتشوفين للاتحاد بالله. يسود سكون قبل لحظات فقط من موعد بداية قراءة الأذكار، ويستعد الحجاج للتقرب من الله. لم أعد أتبين ما يتلفظ به هؤلاء، يبدأ كلامهم صامتا خافتا، ثم ما يفتأ يرتفع دون الحاجة إلى تنسيق سابق. تتحرك الرؤوس إلى الأعلى وتتهاوى إلى الأسفل في حركة ميكانيكية غريبة في حين أن أحد الحجاج الذين ينتمون إلى الطريقة العلوية يدخل إلى وسط الدائرة الكبيرة ويشرع في قراءة أذكار ويتمتم بكلام غير مفهوم، فيما العشرات ينظرون بغير قليل من الاندهاش إلى الصراخ الذي يصعد من هذا”الجو السماوي”. مضت نصف ساعة وحناجر الحجاج ما تزال تواصل صعودها نحو الله كما يقول الحاج لحسن. كنت أترقب في أي لحظة أن يغمى على أحد منهم، فتحريك الرؤوس وصل إلى أشده، وأعين المتحلقين باتت ساهمة أكثر وأكثر وألسنتهم تخرج من أفواههم من دون أن يحسوا بذلك، وأياديهم تكاد تتلقف السماء بحركات صاعدة.. مضت الآن ساعة كاملة والأذكار تملأ المكان وتضفي عليه هالة من الخشوع. في الركن الثالث من الحج، يصعد الحجاج إلى مزار”لالا منانة” الذي لا يبعد سوى بعض مئات الأمتار عن موقع “سيدي بوخيار”. ركن الحج الأعظم كما يسميه الزوار، لا يقل غرابة عن الأركان السابقة، إذ من اللازم على كل “حاج” أن يقطف غصنا صغيرا من نبات معروف بالمنطقة وأخذ حجرة لوضعها على قبر الولية ثم تشتعل لحظة الخشوع. الآن وأنت تنظر إلى”راجا منانة” ينبغي عليك أن تستحث ذهنك وخيالك لتعرض أمنياتك، فالمتواتر أن كرامات الولية كثيرة وغالبا ما تتحقق. من دون أفكر، دخلت في لحظة خشوع وتأمل، ورميت بأمنياتي على قبر الولية الصالحة علها تحقق شيئا منها فيما الحجاج الآخرون ينتظرون دورهم لتحقيق أمنياتهم وأحلامهم الصغيرة والكبيرة. تشير المصادر التاريخية أن الحج إلى سيدي بوخيار ليس وليد اليوم بقدر ما كان يقصده الناس من كل أصقاع المغرب منذ عشرات السنين. وتؤكد المصادر ذاتها أن جبال جماعة شقران كانت تمتلئ عن آخرها، وكان الحج يشمل العديد من الأركان منها القيام بالطواف على ضريح سيدي بوخيار وترديد آيات قرآنية وأذكار أثناء الطواف. وكان الآباء يصطحبون معهم الأطفال الصغار، وكان كذلك محجا لكل الذين فقدوا القدرة على علاج أمراض أفراد عائلاتهم والذين يعانون من أمراض مزمنة. أما في الوقت الحالي، فقد الموسم بعضا من إشعاعه، ومرد ذلك إلى بعض أحكام الفقهاء بتكفير هذه”البدع” رغم أن الدين لم يكن يوما ضد التقاليد والإرث الثقافي للسكان علاوة على وعورة التضاريس وتقلب أحوال الطقس. ولهم في الحج منافع أخرى في رحلة الهبوط من قبر الولية الصالحة”راجا منانة” تصادف العشرات من الخيام ومن”الفراشة” الذين يعرضون بضاعتهم على طول الطريق المؤدي إلى الضريح. بالنسبة للتجار فإن الموسم مناسبة لا تتكرر لبيع كميات مضاعفة من البضائع بالنظر إلى أعداد الزائرين الذين يفدون على السوق والضريح، حتى أن مقدم الجماعة يعتقد بكرامات الضريح على التجار: “مارا ثويد أزرو أذيمنز ميزي ذا سيذي بوخيا”-إذا أتيت بالحجر سيباع بفضل بركة سيدي بوخيار-يقول نفس المقدم مزهوا بكرامات الضريح. لن يستقيم الحج إلى سيدي بوخيار إلا بالدخول إلى خيمة نصبت بإهمال وسط السوق: شواية سردين وصحن من “البيصارة” شرطان أساسيان قبل العودة إلى مدينة الحسيمة على بعد أكثر من 60كلمترا من جماعة شقران. في يوم السوق، يحتفل الأطفال الصغار بالموسم على طريقتهم. أنس طفل صغير يبدو متأنقا”إينا ذرحوايج ذجذيذ أسيغثنتد نهارا باش أداسغ ذا”-إنها ملابس جديدة لبستها خصيصا لهذا اليوم- يشرح أنس وهو يداري خجله بباطن كفه. في يوم السوق يشتري الأطفال بعض الأشياء الجديدة حسبما جرت به التقاليد، إذ يقصدون بائعي الحلوى واللعب الجديدة، فاليوم استثنائي ولا يتكرر.

 

المؤطر حوار مع أشرف بلعلي، رئيس نادي اليونسكو بالريف

 

بلعلي: بعض الجماعات المتطرفة تعتبر موسم سيدي بوخيار من الإرث الوثني

 

أصبح الآن موسم سيدي بوخيار إرثا ثقافيا، هل لديكم تصور داخل النادي للدعوة إلى تصنيفه وتثمينه؟

 

إسمح لى في البداية أن أؤكد لك أن الاعتناء بالتراث الثقافي المادي منه والرمزي يدخل في صلب اهتمامات نادي اليونيسكو بل هي من مبادئ المنظمة العالمية، وبالتالي تصورنا تجاه المواسم الدينية أو التراث الثقافي اللامادي بالريف، هو التصور ذاته بالنسبة لمنظمة اليونسكو في هذا المجال، أي أننا لا نحصر مفهوم “التراث الثقافي” على المعالم التاريخية ومجموعات القطع الفنية والأثرية، وإنما يشمل أيضا التقاليد أو أشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي تداولتها الأجيال الواحد تلو الآخر وصولاً إلى أجيالنا الحالية، وموسم “سيذي بوخيار” يمثل نموذجا حيا لذلك، وكذا كل ما يتعلق بالفنون الاستعراضية، والممارسات الاجتماعية، والطقوس المتعلقة بالطبيعة. ومنذ إنشاء النادي سنة 2011 حرص على تعزيز الحس والوعي التراثي في صفوف المجتمع، وكذا إبراز أهمية الحفاظ على الممتلكات الثقافية والموروث الريفي في مسلسل البناء الهوياتي والانتباه الى المخاطر والتهديدات المتزايدة للتراث الثقافي، على اعتبار أن المواسم الروحية بالريف وسيلة غاية في الأهمية لتثمين الموروث الثقافي، نظرا لما تخلقه من حركية كبيرة على المستوى التنشيط الاقتصادي للمدن والقرى المجاورة لمثل هاته الاضرحة والمواسم كما أنها كذلك فرصة ثمينة للتعريف بالثقافة الريفية الأصيلة، باعتبارها صرحا أساسيا يساهم في تموقع الريف كوجهة ثقافية وروحية متميزة.

 

يؤكد السكان أن الموسم يفقد كل سنة وهجه، بعدما كان في السنوات السابقة قبلة للآلاف من داخل المغرب وخارجه، كيف تنظر الفعاليات الثقافية إلى هذا التراجع؟ صحيح أصبح الموسم يفقد بريقه وإشعاعه، وهذا في اعتقادنا راجع الى عدة أسباب، منها ما هو مرتبط بالظروف الطبيعية وسوء الأحوال الجوية بسبب مكان دفن الولي الصالح هناك في أحد أكثر قمم ببلاد الريف شهرة وهو جبل يصل علوه الى 1948 متر، ويسمى “جبل حمام”. ومنها ماهو مرتبط بمعارضة بعض رجال الدين المشارقة والفقهاء، والجماعات الدينية المتطرفة التي تعتبر مثل هكذا المواسم من بقايا الوثنية البدائية، ونجد فيها دعوة صريحة وعلنية بشأن استئصال هاته الاضرحة وتخريبها. كما عاينا ذلك في العام الماضي عند قبر “راجا منانة” . بالإضافة الى اعتبارات أخرى متعددة.

 

هل يمكن الآن أن يستعيد الموسم ألقه؟

 

إذا تضافرت الجهود من أجل صيانته والتعريف به، وبالمناسبة تبقى مسألة الصيانة والعناية والتعريف، مسؤولية مشتركة كل من موقعه، المهتمين والفعاليات المدنية والحقوقية، ذات الاهتمام المشترك بالشأن الثقافي، وكذا القطاعات الوصية على الشأن الثقافي والتراثي والسياحي، بالتدخل العاجل لصيانة الذاكرة الجماعية و مواقعها من عبث العابثين، نظرا لما يمثل من أهمية استثنائية توجب حمايته باعتباره عنصرا من التراث العالمي الانساني. ومن المؤسف أن يكون هذا الموسم حتى وقت قريب مضى عرضةً للضياع والهدم والاندثار والإهمال.

IMG_3480 IMG_3488 IMG_3493 IMG_3496 IMG_3497 IMG_3502 IMG_3506 IMG_3518 IMG_3532 IMG_3535 IMG_3538 IMG_3550 IMG_3557 IMG_3578 IMG_3582

 

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.