Your Content Here
اليوم الجمعة 23 أغسطس 2019 - 8:03 مساءً
أخر تحديث : الخميس 5 سبتمبر 2013 - 2:20 صباحًا

العَفــلـــقــيـة و الطـائــفـية و العَلمـانــية

نجيب الطلحاوي :

 يبـدو لـي أن النـظام الجـبري و لـواحـقه من الشبيحيين علـى اختـلاف مسمياتهـم لا يودون أن يتعـظوا بالتـاريخ الاستبدادي فأصواتهــم المُشـوِّشــة و ضجيجهــم الصـاخب لا زالَ يُصدِرُ فُقـاعـات متطـايرة هـشة و لا زالت الأقـلام الطـائفيــة و الديكتـاتوريـة تـراهـن علــى إنـقاذ نظام جبـري هـو سليـل أنظمـة متعفـة حكمت أجـيالا  بالبـؤس السياسي و الاستئثـار السلطـوي دونمـا حياء أو خجـل ، وفـوق كـل ذلـك لازالَ يفكـر بمنطـق “مـن قالَ برأسـه كذا قلنـا بسيفنـا كذا ” إذ أعمتــهُ عبوديـة السلـطـة و جنـون العـظمــة من أن يـرى الحـق فيتبعه، فبـشـار و زبـانيتــه لا يختـلفون كـثيـرا عـن الطـغاة القدمـاء من فرعون و هامـان إلـى مبارك و بن علي و القذافـي إلا في الشعـارات و المسميات و التنميقات ، كمــا أن سياساته المتبعـة في التعـامـل مــع الاحتجـاجـات السلميـة منـذ بدايـة الثورة المباركَـة لا يمكـن أن تنـفصـل عـن العقليــة اليزيديــة التــي مـارست التسلط في أعلــى قممه فقمـعت و قتلت و سفكت و استبدت بحكم هـو في عيون الثـائرين حكم عضوض فـاقد للشرعـية .

لــم يتعـظ إذن هـؤلاء النـفر من التــاريخ السياسي و لا حتـى من الثورات التي سبقته لأنهـم نصبـوا أنفسهـم آلهــة لا يرون لغيرهـم قولا فـباشـروا بحمـلات دونكشوطـية استهـدفت مسيرة الثورة الـسوريــة للحد من امتداداتهـا الشعبيــة من خــلال حشر منـاصريهـا في طوابير الأمريكـان والصهـاينة و القاعديين قسـرا ، فصـاروا بعد أن انكشفت أوهـامهم التي يغذيهـا الشبيحـيون المثقفون آلـيات ارتزاقيـة لا تخجـلُ من إقحـام كــل المنـافحين عن العـدالــة و الحريـة في المشاريع المضادة للمقاومة” ، بـل و بلغـت العـربدة السيـاسية و الجنون الأعمـى إلـى صم الآذان عـن كـل نداءات التنظيمـات الإسلاميـة المثقفة و الجهـادية كمـا لـو أنهم كراكيزا مُحَـرَّكَــة أو دمــى تنتـظر أن يُفعَـلَ بهــا كل شيء ، صــارَ كـل شيء عنـد الشبيحـي يمـثل مشروعـا أمريكـيا أو صهيونيا أو “وهـابيا” وجبَ التصدي لـه ،لا يهـمه استبداد البشاريين أو مذهبية الطـائفيين في شـيء و لا يكتـرث كثـيرا لنظام مطـلق قتــلَ الحريات و صـادرَ الحقوق و حكمَ بالعشيرة و القبيلة

و مـن مضحكـات الزمـان أن ينبري غلمـان الثقـافة يستنفرون أقـلامهم العروبيـة الجـاهلية يستقوون بالطـائفيات و يستنجدون الخـلاص من أقزام الصين و مـلاحدة الروس ، من مضحكـات الزمـان أن يُـشاهدَ الإنسان الحر أوبـاشـا من المأجوريـن يكتـبون بتكلـف و عسر ليلدوا فـئرانـا قبيحـة ذميمة تُحاول بلـغات سفسطـائية و حربية و بوليسيـة و شـارعية أن تـحجُــبَ الشمـس بالغربـال و أن تستنكـر عليهـا حـر لهيبهـا ، تحـاولُ أن تـتـصنَّــع فعل “المقاومة” من خـلال الدجـل السياسي و كثرة الرهـان علـى الشحنـات العـاطفيـة لتأجــيج الطـائفيـة بلا هـوادة ، لــم يستـمع هـؤلاء النـفر إلـى توجيهـات المقاومين الحقيقيين في غـزة و لا لحشود شعـبية منتصرة للثورة السورية في مصر و لا لعلمـاء أجمـعوا على الإدانـة و حتـى لمثقفيــن في بيانـاتهم حول تدخل حزب حسن نصر في سوريا ، لا يريدون لنسيــم الحـق أن يَهُـبَّ علــى آذانهم الصمـاء و عقولهــم المتكلسـة كأنهم برمجيـات صُنِعــت هكذا لإحداث عويل هنـا أوهنـاك

فالإخـوانيون صـاروا منذ الآن فصـاعدا أمريكيون متحـالفون مـع الإمبريالية و الحمـاسيون في عيونهـم متخـاذلون و الحركـات الإسلامية متواطـئة و الشعـوب مُخـطـئة و الشيعـة المثقفون القلـة لا يفهـمون و تـراجع شعبية حزب حسن كذب و تلفيـق و عشرات المنظمـات الإسلامية إنمـا صنـاعـة “وهـابية” و المثقفون الكتـاب مأجورون بأموالهـم ، و بكلـمة : كـل مـا خـلا بشـار باطلُ ، كــل مـا خـلا الشيعـة بـاطلُ ، كل مـا خـلا العفلقية بـاطلُ .

 

 

 فمــن أين جـاء هـذا الغبـاء السياسي و الاستبلاد الثقافي ؟ بأي منـطق يمـارس الاستئصـاليون التـكفيــر و الاقـصاء ؟ أمِنَ المـعقــول أن يلغي هـؤلاء عقولهـم لأجـل سلـطة طـائفيـة فتحكـم علــى الجمهـور بالعمـالة و الخيانـة ؟ أمِنَ المعقـول أن تـظلَّ تلك العقول مشلولــة مُكبَلـة بقيود الذل  تــعبُدُ إلهـهم بشـار و تنحنـي خزيـا لهذا الجلاد الأشِـر ؟ ربمـا يمكن أن نـعزو سبب هـذا الوبـاء الفكري و السرطـان الثقافي الطـائفي إلــى اعتبارات شتـى أهمهـا

ولا : أن العـفلقيـة البشاريــة الجبريـة بعد حكمــها 13 سنـة و انتـزائها علــى الحكم منذ 2000، و بعـد أن استبـد أبوه القرداحـي بالسلـطة مـا يقارب ثلاثين سنـة (منذ 1970) صـارَ يعتـقد بأن المُـلـك لـم يولَـد إلا لأجـله و له، و أن انتزاع هـذا الحكم من قبضتـه يعنـي اندحـار السلالـة العلويـة العـشائرية من مفاصـل الدولـة و إحـلال للمواطنـة بدل القبائلية، فلمـا تراكمت و استقرت في مخيال البشاريين الدجـالين تلك التجربـة الطويلـة من الاستئثار بالسلـطة و أكثرَ الشبيحيون المثقفين الحديث عن “منجزاته” و “ممـانعته” حتـى أورثوه وهمـا و خيالا بكونـه صـارَ “زعيمـا” منـاهضا للامبرالية تــحوَّل الطـاغيـة إلــى فرعـون جديد لسان حـاله يقول “(ما عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي )، و سُمِّــنَ الرجل حتــى ظــنَّ أنهُ “المقاوم” الحقيقي الذي يجب أن تـرضخ لـه الشعوب بالسمع و الطـاعـة، و استخـفَّ قومــه من الشبيحــة و الطـائفيين فأطـاعـوهُ فكـانوا خـاطئين ، فلمــا قـامت الثـورة المجيدة كـان طبيعيـا أن يُـصابَ بالذهـول و العجب إذ لا يقبــلُ الطـاغية –كغيره من الطغـاة – أن يتنـازل عـن عرش ورثـهُ عنوة و انتزاء ،لذلـكَ مـارس البـطش منـذ أول لحـظة قـامت فيهـا الثورة و طبق تعـاليم الفرعـونية في أدواتـه في القتل و الذبـح و الاغتصـاب و صــارَ كــل مـعارض لحكمــه “عميل” متورط في “المؤامـرة” . من الطبيعــي إذن أن يلبـس البشاريون نـظارة سوداء ليُحـاكِمـوا بهـا المنـاضلين الشرفـاء إذ أن ولع السلـطة و بريقهـا كـانت قد صنعـت منهم “آلهـة” ينهـرون و يأمـرون ،يقبلون و يرفضون ،يقتلون و يستحيون،يقبضون و يبسطون. فمن يدلنــي علــى حـاكم جبري حكـمَ طولا و عرضـا قـبِِـلَ التنـازل علــى السلـطة عند احتجـاج الجمـاهير عليه ؟ من يدلنـا علــى طـاغيـة بلغ من الحكم عُــتِــيّا لــم يستخدم فزاعـة  “المـؤامـرة الخـارجية” أثنـاء التعـامل مـع الأصوات المحتجـة؟ و مـا بالقذافي عنـا ببعيد !

ثـانـيا : أن الطـائفـية علــى امتدادهـا التـاريخي لــم تقبل للآخـر المختلف معه رأيه و طرحـه و لــم ترَ في نـفسهـا إلا “حقـا” يُهلَك من دونه و لــم تستسغ أن يكـون الجمـهور مخـالفـا لرأيهـا و عقيدتهـا ، فحكمت بمنطق “الحق الإلهــي” في العقيدة و السيـاســة و الثقـافة و صارَ المنـكِـر عليهـا منكَـَـرا لا يُلتفتُ إليه و تحولت الآراء عندهـم إلــى عقائــد مشحونــة بطـائفيات موروثـة مصنوعـة حوزويّـا الشــيء الذي حولهـا إلــى “دوغمـا” مغلـقـة لا تـر بأسـا من أن يخطأ الجمهـور و يصيب القلـة، لذلــك تـجد الفقهـاء الشيعـة التراثيين خصوصـا ممن عـاصروا الدولة البويهـية يبنـون أحكام إدانـة و تكفير الصحـابة كأكثرية علــى ذم القرآن للأكثرية و انتصاره للأقليـة كمـا نـجد ذلك عند الصدوق و المفيد و غيرهم، و ممـا يشهـد لذلـك أيضا منطـق السجـال الشيعـي القديم في كتبهم حيث صـارت في الغـالب تدور مع أسلوب : “فإن قلتم قلنـا” الشــيء الذي يعطـي انطبـاعـا قويـا علــى استئصـال القوم لكـل الأفكـار المخـالفة لهم . في حــين كـانت الكتـابات السنـية تـدل علــى نضجهــا في قبول الآخـر و عدم ادعـاء الأحقية المطلقـة في الرأي السياسي و الفقهــي كمـأثورات مـالك بن أنس و الشـافعـي و أبو حنيفـة النعمـان و غيرهم كثير. فالطـائفــية العلقميــة إذن تجد لهـا أصولا في “تكفير” الآخـر و استبعـاده و استعباده و مـا يحدث الآن في سوريـا من جنون الطـائفيين تُجـاهَ المنـاصرين للثورة السورية مـا هـو إلا امتدادا طبيعـيا لعقليــة استئصـاليـة قديمــة ، و الجديد فيهـا أنهــا أضافـت عـامـل التخويــن و التأمـرك و التصهين لكل النـاقمين علــى الاستبداد و حشرت الجميع في طـابور واحد .

ثـالثــا : أن العَلمـانيين الدهريين في عموميتهم هـم بطبيعتهـم موالين للديكتـاتورية لأنهـم يعــشقون مســح الأحذيــة و لــعق دنــانير المستبدين ،فــلا يستغـرب عـاقل من وقوف هـؤلاء في كنف الثورة إلا أن تـكون ثورة مضـادة علــى الشرعيــة كمــا في مصــر و تونـس. فغلمـان العَلمـانية يدورون مـع المـال وجوبـا و عدمـا و حيثمـا دارت السلطة و المـال دار العَلمـاني معها ، و هـذا الأمـر صـارَ الآن قـاعـدة عـامـة خروج بعض الاستثنـاءات منهـا لا يدل علــى خـلافهـا إنمـا علــى توكيدهـا.

بكلمـة تمثــلُ العـفلقية و الطـائفيــة و العَلمـانية أضلاعا ثلاثـة موبوءة لا بــد من أصحاب المشاريع الإسلامية الجـادة أن يقفوا في وجوههــا القذرة إذا أرادت لنفسهــا أن مكـانـا يقبلهـا الشعب الحر .

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.