Your Content Here
اليوم الخميس 13 أغسطس 2020 - 8:02 صباحًا
الأخبار
إلياس بنعلي: كورونا.. هل هناك لقاح سري تم إخفاؤه؟! وهل هي بداية الصدام بين الدول العظمى؟      محمد المنصوري: الرقابة الدستورية على مشروع قانون الاضراب      حسن المرابطي: لهذا السبب وجب إصلاح تديننا أصالة      بلاغ إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى من أداء الواجبات الكرائية      مبارك بلقاسم: علم الفيروسات باللغة الأمازيغية      كوفيد 19 .. وزارة الصحة تدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات لما لها من تأثيرات سلبية على نفسية عائلات المرضى      محمد زريوح: إنكشاف الأقنعة في زمن الكورونا      محمد المنصوري: زمن الكورونا بين تدابير وقائية حكيمة  وشكوك  لاستهداف  مكتسبات تاريخية      حسن المرابطي: أولى الأوليات في زمن كورونا      إلياس بنعلي. أسرار الفيروس الغامض “كورونا” المستجد وطرق الوقاية والعلاج منه، وهل هو طبيعي أم هو سلاح بيولوجي موجه؟      
أخر تحديث : الجمعة 28 سبتمبر 2012 - 1:16 صباحًا

قراءة في بعض مداخلات فرق المعارضة البرلمانية بخصوص القانون المالي لسنة 2012

 

مراد الطلحاوي :

المحور الأول: سياق مشروع القانون المالي
المحور الثاني: إشكالية عدم الانسجام الحكومي وانعكاساته على مشروع القانون المالي
المحور الثالث: مشروع القانون المالي الحالي قطيعة أم استمرارية

ينكب البرلمان بغرفتيه تطبيقا لمقتضيات الفصل 75 من الدستور وكذا النظام الداخلي بكلا مجلسي البرلمان والقانون التنظيمي للمالية، على دراسة مشروع القانون المالي المحال عليه من طرف الحكومة وتخول هذه الدراسة للبرلمانيين إمكانية إعمال رقابتهم على مضمون القانون المالي، حين مناقشته أو تعديله أو التصويت عليه قبل دخوله حيز التنفيذ.
فمن خلال المادة الأولى من القانون التنظيمي للمالية لسنة 1998 كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي لسنة 2000، الذي ينص على ما يلي: “يتوقع قانون المالية لكل سنة مالية مجموع موارد وتكاليف الدولة ويقيمها وينص عليها. ويأذن بها ضمن توازن اقتصادي ومالي يحدده القانون المذكور. فالقانون المالي كمصطلح يفيد فتح نقاش واسع وعميق يشمل السياسات العامة والسياسات القطاعية بشكل مفصل ودقيق، وهو أهم عمل تشريعي في حياة الحكومة.
ويعتبر القانون المالي لسنة 2012 وثيقة ذات خصوصية إستراتيجية وخاصة باعتباره أول قانون مالية في عهد الدستور الجديد، وأول وثيقة محاسباتية وتدبيرية في عهد الحكومة الجديدة برئاسة حرب طالما اصطف في صفوف المعارضة. فهذه الحكومة عرفت اهتماما شعبيا وإعلاميا ودوليا غير مسبوق نظرا لخصوصية المرحلة، والرهانات والآمال الكثيرة المعقودة عليها. وامتد هذا الاهتمام الإعلامي المتزايد ليطال التدابير والإجراءات المالية التي اتخذتها الحكومة لتسيير أمورها. وبالتالي فمشروع القانون المالي لهذه السنة يرتبط بسياق تاريخي متميز يجعله محطة اهتمام من طرف البرلمان و الرأي العام الوطني و مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. وطبعا فهو محط تتبع يقظ من مختلف الفاعلين الاقتصاديين الأجانب والدوليين.
لذلك انسجاما والظرفية الحالية التي يمر منها البلاد وكذا خصوصية مشروع القانون المالي وخصوصية الحكومة الائتلافية التي أعدته وقدمته، وحجم الإنتظارات المعلقة عليه. وانسجاما كذلك مع الأرقام والالتزامات التي تعهدت بها الحكومة أمام البرلمان في إطار البرنامج الحكومي، فإن هذا الأخير حضي بنقاش جاد ومسؤول وواسع من طرف نواب الأمة باعتبارهم المسؤولين عن أعمال الرقابة على المجال المالي. فالحكومة أثناء تحضيرها لمشروع القانون جعلت من أولويات مشروعها التركيز على المحاور الرئيسية التالية:
– تعزيز دولة القانون وتدعيم مبادئ وآليات الحكامة الجيدة.
– توطيد أسس نمو قوي ومستدام واستعادة التوازنات الماكرواقتصادية.
– ضمان ولوج عادل للمواطنين للخدمات الأساسية وترسيخ مبادئ التضامن وتكافئ الفرص.
إن هذه الأوليات جاءت في إطار توضيح الإستراتيجية المعتمدة من أجل تنفيذ كل الالتزامات المقدمة في البرنامج الحكومي، غير أن هذه التوضيحات التي قدمتها الحكومة سعيا منها وراء تبسيط المقتضيات التي تضمنها مشروع القانون المالي، فإنه وبالرغم من ذلك لم يسلم من انتقادات عدة، أثناء وضعه بين يدي ممثلي الأمة وكذلك الرأي العام، حيث عملت المعارضة من داخل مجلسي البرلمان تكريسا للصلاحيات المخولة لها بنص الدستور الجديد الذي جعل منها قوة اقتراحية إلى جانب الأغلبية. على تبيان كل مكامن القصور والإختلالات التي تضمنها القانون المالي خصوصا في الشق المتعلق بالجانب الاجتماعي. والعمل على تقديم اقتراحات بديلة من شأنها جعل مشروع القانون المالي يستجيب لخصوصية المرحلة الراهنة. وعلى هذا الأساس فإن جل المداخلات التي تقدمت بها بعض فرق المعارضة إن لم نقل كلها تتقاطع فيما بينها وتتفق على مجموعة من الإشكالات التي تضمنها مشروع القانون المالي. إذن فما هي أهم الانتقادات المشتركة لفرق المعارضة بشأن القانون المالية لسنة 2012 ؟ وما نقط الالتقاء والاختلاف بينهما ؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية المركزية وإشكاليات أخرى فرعية يمكن الانطلاق من المحاور التالية:
المحور الأول: سياق مشروع القانون المالي
المحور الثاني: إشكالية عدم الانسجام الحكومي وانعكاساته على مشروع القانون المالي
المحور الثالث: مشروع القانون المالي الحالي قطيعة أم استمرارية
المحور الأول: سياق مشروع القانون المالي
إن مشروع القانون المالي الحالي يعتبر أول مشروع في عمر حكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران، بعد المصادقة البرلمانية على البرنامج الحكومي الذي وضعته حكومة ائتلافية يقودها الحزب الفائز الذي انبثق من صناديق الاقتراع التي عرفها المغرب في 25 نونبر من سنة 2011.
ويأتي هذا المشروع في إطار سياق وطني شهد إصلاحا دستوريا شكل منعطفا هاما في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
كما يندرج مشروع القانون المالي لسنة 2012 في سياق دولي يتسم بتزايد الأزمات والتوترات الاقتصادية والاجتماعية، حيث هذه التوترات زعزعت بنيات النظام الرأسمالي خصوصا منطقة الأورو التي لم يتجاوز ناتجها الداخلي الخام لن يتجاوز 0.5%، كما أن فرنسا الشريك الأول للاقتصاد الوطني لم تعرف سوى نسبة %0.2 من نمو ناتجها الداخلي الخام. في حين معدل البطالة يصل إلى 10%، بالإضافة إلى اسبانيا التي لا تقل أهمية عن سابقتها من حيث التبادل التجاري والاقتصادي مع المغرب يصل ناتجها الداخلي الخام إلى 1.5% و 23% من معدل البطالة.
وكذلك الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر صلب الاقتصاد العالمي بتراجع طلبها الداخلي من 6.5% إلى 1%، وتركيا النموذج في الفكر والسياسة للحكومة الجديدة تراجع نمو ناتجها الداخلي الخام من 6.6% إلى 2.2%. هذا ما يعيشه العالم اليوم من خناق وانكماش.
فهذه التوترات التي تعيشها منطقة الأورو والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. قد جعلت من اقتصادها اقتصادا هشا على مستوى النمو والإنتاج والتوزيع، حيث تم إغلاق العديد من الشركات وانصهارها، والتسريحات بالملايين للعاملات والعمال، وتراجع الدخل الفردي وتجميد المداخيل وانتشار البطالة وتفاقم المديونية، وتراجع الطلب العالمي والتجارة العالمية.
وبالتالي فما دام أن الاقتصاد الوطني مرتبط بشكل أساسي بالاقتصاد العالمي الذي يعيش اليوم على إيقاع الأزمة المالية فإنه بالنتيجة قد يتأثر بشكل كبير على مستوى اقتصاده الداخلي، خصوصا على مستوى عائدات العاملات والعمال المهاجرين، الذين يعتبرون مورد أساسي بالنسبة للاقتصاد الوطني. وما يزيد الوضع تخوفا هو أن الوضع الدولي اليوم هو مرشح لمزيد من الانكماش. وهنا يمكن التنويه بشأن مداخلات بعض فرق المعارضة البرلمانية بشأن الرد على البرنامج الحكومي التي اعتبرت بان توقعات الحكومة في مشروع القانون المالي بشأن الاقتصاد الدولي للسنة المقبلة يعتبر توقعا متفائلا أكثر من اللازم.
وعلى هذا الأساس، فإن ردود فرق المعارضة البرلمانية بشأن مشروع القانون المالي. خصوصا فريق الأصالة والمعاصرة والفريق الاشتراكي ركزا بالأساس على أن الاقتصاد العالمي يعيش وضعية مالية واقتصادية مضطربة واقتصاد وطني داخلي في وضعية صعبة، واعتبر أن المغرب لا يتحرك إلا بالاقتراض من طرف الصناديق المالية الدولية. وهذا ليس وليد اللحظة وإنما هو نتيجة لتراكم سياسات لحكومات سابقة أغرقت نفسها وأغرقت معها الاقتصاد الوطني بفعل سياسة الاقتراض. نتيجة ضغوطات الصناديق المالية العالمية. وذلك من أجل المزيد من فتح اقتصادها على رأس مال الدولي مع مزيد من خوصصة مرافقها العمومية، وفرض المزيد من المرونة من أجل ربح ما يسمى بالتنافسية الدولية.
وفي نظر فرق المعارضة البرلمانية السالفة الذكر هو ما لم يعمل مشروع القانون المالي الحالي على تجاوزه، مستندين في تحليلهم وقراءتهم على حجج ودلائل علمية ومنطقية وواقعية أثناء تقديم قراءتهم ودراستهم لمشروع القانون المالي في قبة البرلمان. أثناء إضفائهم للرقابة القبلية على مشروع القانون المالي. مما جعلهم يصفون توقعات مشروع القانون المالي على أنها توقعات مبنية على أسس وفرضيات هشة وأحيانا غير واقعية واصفين السياسة المعتمدة في إعداد مشروع القانون المالي، بسياسة الهروب إلى الأمام. حيث الحكومة تجنبت الحديث عن إصلاح نظام المقاصة على النحو الذي يضمن استفادة الفئات المحتاجة التي استحدث من أجلها هذا النظام، وذلك من أجل تخفيف العبئ عن الميزانية العمومية وبالنتيجة ستعطي للتضامن معناه الحقيقي. واعتبروا أن صندوق المقاصة يعتبر من بين الإشكالات المطروحة على الاقتصاد المغربي. ودعوا إلى إيجاد حلول علمية من أجل إيقاف النزيف المالي الذي يسببه هذا الصندوق لخزينة الدولة. والحال أن هذه المؤسسة كانت ذات مقاصد محمودة ونبيلة. لكن العبث في طريقة تصريف ميزانيتها حادت من مهامها وغاياتها، ليستفيد منها من لا يستحق، ذلك من عمالقة الاقتصاد على حساب الدعم المخصص للفقراء.
وعلى هذا الأساس دعت بعض فرق المعارضة البرلمانية الحكومة إلى ضرورة إصلاح هذا الصندوق. ودعت الحكومة كذلك إلى التحلي بمزيد من الجرأة في طرح الأسئلة المسكوت عنها منذ زمن طويل والتي راكم المستفيدون منها أشخاصا وقطاعات أموالا باهضة ضدا على القضايا الاجتماعية التي تتحكم في فلسفة ميلاد هذا الصندوق.

المحور الثاني: إشكالية عدم الانسجام الحكومي وانعكاساته على مشروع القانون المالي
لقد أثيرت إشكالات مهمة بمناسبة مناقشة مشروع القانون المالي في المؤسسة البرلمانية، خصوصا من طرف بعض فرق المعارضة. أثيرت إشكالات متعلقة بالمسطرة التشريعية والآجال الدستورية المرتبطة بها، وإشكالات أخرى مرتبطة بتدبير الزمن والمناخ الذي قدم فيه مشروع القانون المالي. ويعزى هذا الإشكال حسب ما جاء على لسان أغلبية فرق المعارضة البرلمانية أثناء تقييمهم ودراستهم لمشروع القانون المالي بالأساس إلى عدم الانسجام بين الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي الحالي.
– ففيما يخص الإشكالية المتعلقة بخرق المقتضيات الدستورية سجلت فرق المعارضة البرلمانية ارتباك الحكومة في خرق مقتضيات الفصل 75 من الدستور، حينما سحبت مشروع القانون المالي المودع من طرف الحكومة السابقة بمجلس النواب بتاريخ 21 أكتوبر 2011. ولم تنتبه إلى المرسومين الصادرين بناء على مقتضيات الفصل 75 من الدستور. المرسوم الأول يتعلق بفتح الإعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها، وبالتالي يتعلق باستخلاص بعض الموارد عن السنة المالية 2012. وهذين المرسومين ترتبط شرعيتهما بمشروع القانون المالي الذي أعدته الحكومة السابقة، بعدما تم سحبه وتعويضه بمشروع قانون مالية جديد حامل لرقم 22.12 لكن الحكومة استمرت في تطبيق المرسومين السابقين وهو ما يتنافى ومقتضيات الفصل 75 من الدستور، خصوصا الفقرة الثالثة منه.
وحسب تقدير المعارضة البرلمانية فإن الحكومة ما كان عليها أن تسقط في هذا الإشكال خصوصا وان الآليات البرلمانية كانت متاحة أمامها لإدخال التعديلات التي تراها مناسبة على مشروع قانون المالية رقم 11-40 الذي تم سحبه علما بأن مشروع قانون المالية الجديد رقم 12-22 تضمن في طياته جل المقتضيات الواردة في وثيقة مشروع قانون المالية 11-40.
– أما على مستوى التدبير الزمني: سجلت بعض فرق المعارضة أسفها عن تأخر الحكومة لإيداع مشروع القانون المالي إلى البرلمان بدون وجود أي سبب يبرر لها ذلك. زد على ذلك أنها وجدت أرضية جاهزة لمشروع قانون مالية 2012، مع ذلك أضاعت من الوقت على الاقتصاد الوطني أكثر من نصف عام مع كل الآثار السلبية الملازمة لهذا التبذير في الزمن، مما سيؤثر ذلك سلبا على الدينامية الاقتصادية للبلاد.
ففي نظر بعض فرق المعارضة البرلمانية، فإنه بالرغم من ضياع كل هذا الوقت فإن الحكومة لم تستجيب في مشروع قانونها المالي لحاجيات الاقتصاد الوطني وتطلعات الشعب المغربي على اختلاف فئاته. لا على مستوى الإجراءات الاقتصادية والمالية ولا على مستوى الرؤية السياسية التي تؤطر السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من تزايد الاضطراب على مستوى الشارع وتنامي المطالب الاجتماعية، فإن الحكومة أبانت وبشكل ملموس عن عجزها في احتواء هذه الاضطرابات من خلال مشروع قانونها المالي وبالتالي فإنها بالنتيجة أبانت عن فقدانها بشكل تدريجي لشرعيتها.
وهذا القصور في الرؤيا جاء أولا نتيجة الفرضيات الهشة التي بني عليها مشروع القانون المالي. وثانيا جاء نتيجة افتقار المشروع لمعطيات وحلول علمية التي من شأنها استئصال لجذور الإشكالات الاقتصادية والمالية، والمعضلات الاجتماعية التي يتخبط فيها البلاد منذ زمن طويل. خصوصا وأن المغرب اليوم يعيش مرحلة مفصلية من تاريخه، مرحلة يؤطرها دستور جديد ودينامية اجتماعية مطلبية وتأثيرات إقليمية ودولية غير مسبوقة. وبالتالي فتجاوزها يتطلب بالضرورة اعتماد قرارات شجاعة تهدف إلى الإصلاح في العمق، وذلك بوضع سياسات وإجراءات تطبعها المسؤولية، أي المسؤولية وفق منطق الدولة وليس بمنطق تتحكم فيه الهواجس الانتخابوية والمصالح الحزبية الضيقة، وهذا ما سجل على الائتلاف الحكومي الحالي أثناء إعداده لمشروع القانون المالي في نظر بعض فرق المعارضة البرلمانية، حيث من بين الاختلالات الرئيسية التي وقفت عنها والتي تعتبر بمثابة أصل للمشكل هو وجود تحالف حكومي هش يطبع مكونات الحكومة الجديدة. مما يعني وجود أزمة للحكومة على مستوى الذات. وما يبرر هذا الطرح في نظر المعارضة هو الخلافات التي عاشها الائتلاف الحكومي بمناسبة تقديمه لمشروع القانون المالي، حيث كان يسعى كل وزير إلى محاولة تنفيذ برنامج حزبه على وزارته القطاعية. مما جعل الائتلاف الحكومي عوض أن يكون له برنامج موحد، أصبح ببرامج حزبية متعددة وغير متناسقة وهذا ما جعل سؤال البرنامج الحكومي يطفوا على السطح من جديد، وكذا حيثيات إعداده. وكذلك فتح باب للتساؤل من جديد، هل هو برنامج يسعى فعلا للرقي والسير قدما بهذه البلاد انسجاما والضرفية الراهنة. أم أنه كان نتيجة لتوافقات واعتبارات ديماغوجية انتخابية حزبية ضيقة. فحسب تقرير بعض فرق المعارضة أنه كان برنامجا حكوميا مبنيا على توافقات وترضيات فاقدة لأي منهجية علمية منطقية تستجيب للشارع المغربي الذي كان حبلى بالانتظارات، وكثيرا ما علق أماله على هذه الحكومة.

 

المحور الثالث: القانون المالي لسنة 2012 قطيعة أم استمرارية
انطلاقا من البرامج الانتخابية التي رفعتها أحزاب الأغلبية الحكومية أثناء الحملة الانتخابية لا على مستوى الشق السياسي والمؤسساتي ولا على مستوى الشق الاجتماعي والاقتصادي يتبين بأن حجم الإصلاحات التي أطلقوها كبيرة ومتفائلة جدا خصوصا وأن الانتخابات التشريعية الأخيرة تزامنت مع حراك شعبي واسع ومطالب سياسية واجتماعية مرتفعة. وفي الوقت الذي كان فيه الرأي العام ينتظر القطيعة مع الماضي وفاء من أحزاب الأغلبية بوعودها التي كان ينظر أن يتم تضمينها في البرنامج الحكومي الذي يعتبر بمثابة خريطة طريق التي تنوي الحكومة إتباعها خلال مدة ولايتها والذي يتضمن الخطوط الأساسية للسياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية.
وتتم ترجمته في قانون مالي الذي يعتبر أداة بيد الحكومة لبلوغ أهدافها التنموية. فهو ترجمة وفية لتوجهات الحكومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والذي يتم إيداعه لدى مجلسي البرلمان بعد مروره بمجموعة من المراحل يتم بعد ذلك عرضه للدراسة والمناقشة أمام اللجان البرلمانية ثم الجلسة العامة. وفي هذا السياق أثناء مناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2012 والذي ظل محط جدال ونقاش واسع لدى فرق المعارضة البرلمانية التي طرحت بشدة سؤال هل هو قطيعة أم استمرارية.
وفي هذا الإطار، أكدت معظم فرق المعارضة أن مشروع القانون المالي الحالي ليس سوى استمرارية لسابقيه، بل يشي بتراجعات خطيرة ولا يملك أية قدرة لتجاوز المعيقات وابتكار تصور جديد ونهج متطور من شأنه أن يتجاوز معيقات الأزمة الحالية. خصوصا وأن مشروع القانون المالي تزامن مع أزمة داخلية متمثلة في ندرة الأمطار بالتالي موسم فلاحي ضعيف. وكذلك الشح في التمويلات المالية لعمالنا المهاجرين بالخارج نتيجة الأزمة العالمية خصوصا منطقة الأورو الحليفة الإستراتيجية للبلاد. وعلى هذا الأساس تساءلت وبشدة بعض فرق المعارضة البرلمانية الحكومة حول كيفية مواجهة هذا التحدي الكبير الذي يواجه الاقتصاد الوطني بهذه الميزانية الهزيلة والمتقشفة التي ظلت حبيسة وسجينة فصول وتدابير سابقاتها زد على ذلك هشاشة الانسجام الحكومي الذي يضاعف من ثقل هذه التحديات والذي تبين بشكل ملموس لا سواء أثناء إعداد البرنامج الحكومي وكذا تقديمه ولا سواء أثناء محاولة إنفراد بعض أحزاب الأغلبية بإشهار بعض الملفات للفساد بدون أي تنسيق مع الأحزاب الأخرى المشكلة لنفس الحكومة مستعملة في ذلك أسلوب وخطاب الترهيب تلوح من خلاله بتحريك المجلس الأعلى للحسابات وإشهار لوائح الفساد وتطبيق المحاسبة وكذا معارضة المهرجانات وإعادة النظر في البرامج السياحية وأحيانا أخرى إشهار ورقة الاستقالة والخروج إلى الشارع من جديد لانضمام إلى حركة العشرين من فبراير.
فهذه المزايدات ما بين أحزاب الأغلبية الحكومية يؤطرها عنوان واحد وهو عدم الانسجام الحكومي للأحزاب المكونة للحكومة التي لا تجمع بينها قواسم ومرجعيات موحدة. وهذا ما جعل الحكومة الحالية في نظر بعض فرق المعارضة البرلمانية عوض أن تكون جسما واحدا ورؤية واحدة من أجل إحداث قطيعة مع الماضي وتأسيس لمرحلة جديدة يؤطرها دستور جديد. نجد أولوياتها وهمها الوحيد يتجلى في توزيع الغنيمة أي المناصب الحكومية عوض البحث عن نقط التقاء لصياغة برنامج حكومي حقيقي تتم ترجمته في قانون مالي ناجع يتضمن كل ما قدمته من وعود أثناء الحملة الانتخابية.
وهذا ما جعل بعض فرق المعارضة البرلمانية تطرح سؤالا عريضا بشأن الميزانية الحالية. وهو ما العمل في ظل ميزانية التراجع والأزمة؟ وأي مشروع تحملون لمجتمع يعلق على الحكومة كل آماله وانتظاراته؟
فكل الشعارات التي تم رفعها في الحملة الإنتخابية لم تتم الإجابة عنها في مشروع القانون المالي بل ما نجده من أفعال مرتبطة بالشعارات المرفوعة سوى اتخاذ لبعض التدابير الشكلية من قبيل الإعلان عن بعض لوائح المأذونيات متغافلا تقديم أية أجوبة متعلقة بها تاركين الحديث والكشف عن امتيازات أخرى هي أهم إن لم نقل هي الجرح الذي كان يجب أن يوضع عليه الأصبع. من قبيل الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال والأحجار والرخام والمناجم وكذا العقار العمومي، وغيرها من المواضيع المرتبطة باقتصاد الريع.
ومن هذا المنطلق يتبين بان الحكومة الحالية قد بدأت تبدي فشلها المسبق في تدبير الصناديق المالية للدولة. وذلك بسبب إعادة نفس تجارب الحكومات السابقة بدون تضمين أي جواب عن الأسئلة المرتبطة لمحاضر هذا الوطن ومستقبله.
وما يبرر هذا التحليل في نظر بعض الفرق البرلمانية هو أن أحزاب الائتلاف الحكومي خلال حملتها الانتخابية وعدت نفسها والشعب المغربي بتحقيق معدلات نمو تراوحت بين 6و7 في المائة وهي النسبة التي راجعتها نفس الأحزاب إلى 5.5 في المائة في البرنامج الحكومي وإلى 4.2 في المائة عند تقديم مشروع القانون المالي ثم إلى 3 في المائة حاليا. أنه تراجع في نسبة بأكثر من النصف.
مما يعني بان الحكومة لا تتحكم في المعطيات الاقتصادية والفرضيات المعتمدة في مشروع القانون المالي إضافة إلى عدم التحكم في النفقات لا سواء نفقات التسيير ونفقات الدين العمومي فهي مرتفعة بدون الأخذ بعين الاعتبار الدين الذي التزم به المغرب من قبل ولم يتم أداءه بعد.
وهذا في نظر بعض فرق المعارضة البرلمانية ما ينم عن سوء التدبير المالي وانعدام الحكامة الناجعة مع ما سيترتب عن ذلك من نتائج وخيمة على الاقتصاد الوطني. بالإضافة إلى نصف سنة أضاعتها الحكومة على الاقتصاد بسبب تأخرها عن تقديم مشروع القانون المالي إلى البرلمان.
وكذلك وجود معطيات كثيرة تبين من خلال تحليل مقتضيات مشروع القانون المالي بأن الدولة مرشحة للمزيد من الاقتراض العمومي. والذي حدده فريق الأصالة والمعاصرة في 44.5 مليار درهم كدين داخلي بزيادة 32.5 % مقارنة مع سنة 2011، و 20 مليار درهم كدين خارجي بزيادة 11% مقارنة مع السنة الفارطة. وهذا ما سينعكس سلبا على الاقتصاد الوطني سواء في علاقته بالصناديق المالية الدولية. أو في علاقته بالاقتصاد الوطني الداخلي.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.