Your Content Here
اليوم السبت 24 أغسطس 2019 - 12:00 مساءً
أخر تحديث : الأحد 11 أغسطس 2013 - 5:39 صباحًا

لغز “محرقة الحسيمة” .. الحقيقة الغائبة تسير في طريق النسيان

ينشر بإذن كاتبه عماد شقيري :

في أول خروج إعلامي له بعد مسيرات حركة عشرين فبراير أعلن وزير الداخلية السابق الطيب الشرقاوي مساء الاثنين 21 فبراير 2011، عن وفاة خمسة أشخاص كلهم في مدينة الحسيمة، وذكر الشرقاوي في ندوة صحفية أن الضحايا الخمس التهمتهم النيران بعد أن علقوا داخل وكالة ينكية كانوا يحاولون سرقتها بعد تفشي أعمال شغب تلت إحدة المسيرات التي دعت إليها حركة 20 فبراير، خمس جثث متفحمة هي الصورة الأبرز لبداية “الربيع المغربي” صورة ستتناقلها وسائل الإعلام الوطنية بعد يومين من انطلاق احتجاجات الحركة، شبان لم يخرجوا للاحتجاج ولم يكن في بالهم أنهم سيتحولون إلى رماد لربيع لم يكتمل، بعضهم قاده الفضول إلى “محرقة” تعددت التفسيرات بشأن، إلا أن الحقيقة الوحيدة هي أن الشباب الخمسة الذين تناقلت صور جثثهم متفحمة داخل وكالة بنكية بالحسيمة لم يخرجوا ليموتوا لكنهم ماتوا وهم يبحثون عن الحياة.

الزوجة المكلومة

هنا مدينة الحسيمة. صباح الأحد 20 فبراير انطلقت مسيرة حاشدة من بلدة بني بوعياش مرورا بإمزورن، بوكيدارن وصولا إلى مدينة الحسيمة حيث تفجرت أعمال شغب اختلفت التفسيرات بشأن من يقف خلفها، فاتحة الباب أمام اتهامات متبادلة بين سكان المدينة والمحتجين القادمين من المدن والبلدات المجاورة للحسيمة، فيما ذهب اتجاه آخر إلى “تحميل أجهزة الأمن مسؤولية الانفلات الذي عرفته نهاية المسيرة في غياب تام لقوات الأمن”.

زوجة جمال سالمي، أحد الضحايا الذين ماتوا حرقا في ذلك اليوم الأسود، استقبلتنا دون أن تنهار أو تتردد في رواية قصة لن تنساها أبدا: “خرج في حدود الساعة السادسة مساء م يوم عشرين فبراير ولم يعد أبدا بعدها إلى حضن أسرته ولم يتعرف على وجهه المتفحم وجسده المتلاشي” بهذه العبارات الممزوجة بلكنة ريفية عميقة نطقت زوجة جمال كلماتها حول وفاة زوجها يوم بداية “الربيع المغربي”، شهادة سيكررها شقيقه الذي كان يقطن معه في نفس الشقة “جمال خياط محترف وليس محتاجا ولا توجد أية دافع لولوجه إلى الوكالة البنكية للسرقة” يقول محمد سالمي الشقيق الأصغر لجمال مضيفا: “أخي اعتقل من الشارع واقتيد إلى مخفر الشرطة حيث خضع للتعذيب ومن ثم تم رمي جثته في الوكالة” ويبدو محمد وعائلته متشبثين بهذه الرواية وغير مقتنعين تماما بالرواية الرسمية التي جاءت على لسان وزير الداخلية السابق الذي اعتبر موتهم ناتجا عن اندلاع النيران في وكالة بنكية عندما كانوا يقومون بأعمال سرقة.

الضحية رقم 3 حسب الترقيم الذي أعطي للضحايا بعد يومين من انطلاق احتجاجات حركة 20 فبراير قادم من مدينة تازة قبل 13 سنة من وفاته عندما كان يبلغ 13 سنة من العمر حيث غادر دوار بني كرامة بجماعة كهف الغار بتازة مسقط رأسه بحثا عن حياة أكثر أملا لينتهي قربانا لربيع لم يكن يعرف أن نهايته ستكون بالشكل الذي هو عليه اليوم وأنه سيترك أسرته في فراغ النسيان.

تروي الزوجة المكلومة وكأنها تعيش المشهد الآن أنها حاولت ثني زوجها عن فكرة الخروج إلى الشارع بعد تصاعد حدة الفوضى والتخريب في شوارع المدينة، إلا أن الزوج حسب رواية زوجته أصر على الخروج لمعرفة مصير شقيقه الذي خرج قبله بنحو ساعتين ولم يعد إلى البيت إلا جثة متفحمة.

نبيل وسمير

“غادر البيت في حدود السادسة من مساء الأحد 20 فبراير بعد أن قضى اليوم كله في المنزل أمام الحاسوب” يقول محمد جعفر والد الضحية نبيل، ويضيف “عندما خرج كانت النيران قد غطت مقر البلدية ولم يعد بعدها إلا جثة متفحمة ملفوفة في كفن مرفقا بورقة تكشف هويته”، شهادة الأب تتقاطع كثيرا مع شهادات من يعرفونه حيث أكدت الشهادات التي استقتها “هسبريس” أن نبيل كان رفقة بعض أصدقائه في محلبة عمه بالحي الإداري بشارع الحسن الثاني بعد مغادرته البيت.

نبيل الذي كان يتابع دراسته في مركز التكوين المهني شعبة الميكانيك لم يكن قد أكمل ربيعه العشرين عندما انتهى جثة تحمل رقما جامدا بدون ملامح، أقرباء نبيل مصرون على أن وفاته لم تكن كما روتها الجهات الرسمية ويؤكدون أنهم عاينوا “آثار الضرب على رأس نبيل ويده اليمنى كانت مبتورة” وهو الأمر الذي تفسره العائلة بكون ابنها “تعرض للتعذيب وتم الإلقاء به داخل الوكالة المحترقة”.

أما أصغر ضحية عصفت به الاحتجاجات التي رفعت شعار “الشعب يريد إسقاط الفساد” فيدعى سمير وهو تلميذ يدرس بالمستوى التاسع إعدادي وازداد في نونبر 1993. غادر المنزل في الساعة الثالثة من زوال 20 فبراير دون أن يكون في خاطر أسرته أنه سيعود محمولا على نعش يغطي ما تبقى من أطرافه المتفحمة. يقول شقيقه نعيم أنه بحث رفقة العائلة عن شقيقه في مخافر الشرطة وفي المستشفى وفي السجن وفي كل مكان كان يرتاده شقيقه الأصغر دون جدوى ولم يخطر أبدا في بال الأسرة أن تكون الجثة الوحيدة التي أعلنت مصالح الأمن العثور عليها وسط الحطام الذي خلفه الحريق الذي شب بالوكالة البنكية وهي الجثة التي وجدت بالوكالة بعد إخماد النيران في حدود الساعة السابعة والنصف “أكد لنا أحد أصدقاء سمير أنه كان رفقته عندما كان يصور مشهد احتراق الوكالة” يقول نعيم، مضيفا “لم نتوصل بالخبر اليقين الذي يؤكد أن الجثة المتفحمة هي جثة شقيقي إلا في الثاني من مارس عندما توصلت العائلة بتقرير يفيد أن نتائج ADN أثبتت أن الجثة لأخي”، لكن أسرة سمير مصرة بدورها على أن الحقيقة متخفية في ركن ما لم يكشف بعد.

جواد وعماد

النادل البعيد عن عالم السياسة والمعروف بممارسته كرة القدم وحرصه الشديد على تنظيم وقته غادر العمل بعد انقضاء مدة دوامه الصباحي في حدود الساعة الثانية بعد الزوال، تناول غذائه واستراح قليلا قبل أن يغادر المنزل مرتديا ملابسه الرياضية في حدود الساعة الخامسة بعد الزوال رفقة أصدقائه، حسب شقيقه شكري والذي أستطرد بالقول: الأسرة اتصلت به على الهاتف لتطمئن عليه بعد ورود أخبار تشير إلى نشوب أعمال شغب “اتصلنا به في الساعة السابعة مساء ورد جواد على الهاتف وأخبرنا أنه قريب من المنزل وبعد مضي حوالي ربع ساعة على اتصالنا به عاودنا الاتصال لنطلب منه العودة إلى البيت إلا أن الهاتف ظل يرن دون جواب رغم محاولاتنا المتكررة إلى أن توقف الهاتف عن الرنين”، لم تكن العائلة تتوقع أن توقف هاتف جواد عن الرنين يعني توقف حياته نهائيا، لتنطلق حينها رحلة البحث عن جواد والتي لم تنتهي إلا بعد 12 يوما من تاريخ اختفائه عندما نودي على والدته لمعاينة جثة متفحمة لم تتقبل أنها لابنها “أسنان الفك العلوي للجثة لم تكن أسنان ابنها التي تعرفها جيدا كما أن الفك السفلي لم يكن موجودا” يقول شكري أخ جواد مرجحا أن تكون علامة على تعرض شقيقه للتعذيب قبل “التخلص من جثته”.

تنتهي قصة جواد لتبدأ قصة عماد. “كان حلمه الوحيد الهجرة إلى ألمانيا” يقول أب مصطفى الولقاضي المعروف بمصطاف بين أصدقائه في مقهى الفلاحة بحي ميرادور، فدوى البنت الوحيدة في أسرة عماد قررت حمل قضية شقيقها وبقية “الشهداء” حتى آخر رفق وحتى كشف الحقيقة كل الحقيقة. فدوى فتاة في العشرينات من العمر تعمل بالمركز التجاري مرجان بالحسيمة طافت مختلف المدن المغربية للتعريف بقضية شقيقها التي تحولت إلى قضية تسكنها وفي لقائها بـ”هسبريس” شددت فدوى على أن شقيقها لم يمت حرقا داخل الوكالة البنكية وإنما قتلته أياد غادرة “عندما توصلنا بنتيجة ADN طلب منا أن نعاين الجثة للتعرف على عماد فانتقلنا إلى مستودع الأموات بمستشفى محمد الخامس وعندما عاينا الجثة المتفحمة تماما لاحظنا وجود رضوض على مستوى الرأس كما أن أسنانه الأمامية لم تكن موجودة هل اقتلعتها النيران؟” تتساءل فدوى قبل أن تضيف “كانت آثار الدم بادية في الجهة العليا من الكفن”.

عائلة عماد قالت بأن ابنها خرج في حدود الساعة الرابعة من مساء “الأحد الأسود” من المنزل دون أن يحمل معه هاتفه النقال، ويؤكد والد عماد أن أحد رفاق عماد أكد له أنه “شاهد عماد داخل الكوميسارية التي اعتقل فيها بدوره وأنه مستعد لقول الحقيقة”.

الحقيقة الغائبة

تبدو قضية “شهداء الحسيمة الخمس” أعقد من لغز فكل الذين التقينا بهم هنا في الحسيمة من فاعلين حقوقيين ومعارف الضحايا يجيبون عن سؤال بسؤال آخر “أين الحقيقة؟”. فكري أمزير عضو “منتدى شمال المغرب لحقوق الإنسان” صرح لـ”هسبريس” بالقول إن “الرواية الرسمية كلها تناقضات وهناك نية لدى أجهزة القضاء والأمن والوقاية المدنية في طمس الحقيقة، فنحن في المنتدى قمنا بمحاولات عديدة لمعرفة السبب وراء رفض وكيل الملك إعطاء أوامره بالاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة المتواجدة بالوكالة البنكية التي وجدت داخلها الجثث؟” ويضيف فكري “تقدمنا بطلبات متكررة لدى الوقاية المدنية من أجل تمكيننا من تقريرها حول حادث الحريق إلا أن المسؤولين دائما يتهربون من الاستجابة لطلباتنا فهل يبدو الأمر طبيعيا؟”، مسألة كاميرات المراقبة ظلت اللغز المحير في هذا الملف ولم يتم الاطلاع على مضمونها رغم الطلبات المتكررة التي تقدمت بها عائلات الضحايا ودفاعهم “طالبت وكيل الملك بإطلاعنا على تسجيلات كاميرات المراقبة فرد علي بأننا مطالبين بدفع الملايير للوكالة البنكية إذا كنا ننوي فعل ذلك” يقول نعيم البعزاوي شقيق الضحية سمير البعزاوي، الجهات الرسمية لم تبدي استعدادا لكشف معلومات إضافية غير تلك التي تداولتها التقارير الرسمية، والتي تؤكد أن الضحايا قضوا حرقا داخل الوكالة أثناء مشاركتهم في أعمال الشغب والنهب التي شهدتها المدينة يوم 20 فبراير 2011 ، وهي الرواية التي نقلها وزير الداخلية السابق الطيب الشرقاوي في مؤتمر صحفي بعد يوم واحد على الأحداث.

نور الدين بنعمر منسق “منتدى شمال المغرب لحقوق الإنسان” تحدث عن “تضارب صارخ تكشفه المعطيات المتوفرة” وقال بنعمر في تصريحات لـ”هسبريس” “الكل يعرف أن الحريق شب في الوكالة البنكية حوالي الخامسة والنصف مساء وتم إخماده في حدود السابعة والنصف مساء حيث عثر على جثة واحدة متفحمة داخل الوكالة وهي الجثة التي عاينها وكيل الملك بشكل رسمي وتم اتخاذ الإجراءات الروتينية في الحوادث المماثلة، لنفاجأ صباح اليوم الموالي (الاثنين) بخبر العثور على أربع جثث متفحمة داخل ذات الوكالة والمثير أن الجثث اكتشفها مواطنون كانوا يمرون أمام الوكالة” ويضيف العمراني مستغربا “هل يعقل أن تكون عناصر الوقاية المدنية والأمن ووكيل الملك لم تلاحظ وجود أربع جثث أخرى إذا افترضنا أنهم احترقوا في الحريق الأول؟”، السكان المجاورون للوكالة أكدوا أن أنهم سمعوا دوي انفجار داخل الوكالة حوالي الرابعة والنصف من صباح الاثنين 21 فبراير وهو الانفجار الذي تسبب في نشوب حريق ثان بذات الوكالة، مفارقة لم يستصغها سكان المدينة لتزيد من تعقيد اللغز الذي بقي عالقا إلى اليوم.

مختلف المتتبعين للملف يجمعون على أن شيئا ما بقي عالقا وغامضا رغم دخول المجلس الوطني لحقوق الإنسان على الخط بعد اللقاء الذي جمع رئيس المجلس إدريس اليزمي بعائلات الضحايا في يونيو 2011 حين طالب منهم التوجه إلى القضاء والمطالبة بكشف الحقيقة إلا أن القضية لم تعرف أي جديد ويبدو أنها تسير في طريق النسيان مثلها مثل الكثير من الألغاز التي خلفتها حركة 20 فبراير.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.